ابني صرخ في وشي وقالّي أعتذر لحماته… أو أطلع برّه بيته، وناسي إن البيت كله أصلًا باسمي. الصمت اللي نزل بعد الجملة دي كان تقيل لدرجة إن حفيدي “آدم” بطل عياط لثانية. كنت واقفة في سفرة البيت اللي دفعت فيه أكتر من ٥ مليون جنيه من تحويشة عمري، وببص لـ كريم كأني أول مرة أشوفه… نفس الملامح، بس بروح غريبة عني. سامية، أم مراته، كانت قاعدة على رأس الترابيزة بابتسامة مستفزة… مش ابتسامة انتصار هادية، لأ… دي كانت ابتسامة واحدة أخيرًا حست إنها حاصرتني ومبقاش عندي مهرب. — اعتذري… — كررها كريم بعصبية — يا إما تغوري من بيتي. بيته. كده كان بيسمي المكان… رغم إن نص تمنه طالع من حساباتي. وكده كان شايف حياته… ناسي إني سنين طويلة كنت بشيل عنه حاجات هو أصلًا ماكانش قادر يشيلها. ما رديتش. ما صرختش. بس بصّيت لدبلة جوزي “الحاج محمود” اللي لسه في إيدي. محمود بقاله ٣ سنين ميت، لكن الليلة دي حسّيت إن وجع غيابه أهون بكتير من قسوة ابني وهو واقف قدامي. كل حاجة بدأت يوم ما محمود مات فجأة بسكتة قلبية وهو بيشرب شاي الصبح. ٣٦ سنة جواز انتهوا في لحظة… في نص جملة ماكملهاش، وكوباية مكسورة، وإسعاف وصلت متأخر. أنا وهو بدأنا من الصفر. فتحنا ٣ محلات أدوات صحية وحديد، واشترينا بيت في التجمع، وبنينا حياتنا بتعبنا… مش باسم عيلة ولا واسطة. بعد العزا، المحامي قالي: — يا مدام فاطمة، كل حاجة بقت باسم حضرتك… البيت، المحلات، الحسابات. كريم هياخد نصيبه بعد عمر طويل ليكي… أو لو حضرتك قررتي بنفسك. وقتها افتكرت إن محمود بس بيأمّن مستقبلي… لكن بعدين فهمت إنه كان بيحميني حتى من ضعفي قدام ابني. كريم كان عايش في الشيخ زايد لما اتعرف على “دينا”. بنت شيك، جميلة، وكل خطوة بتاخدها وراها أمها سامية… ست ديكور بتتكلم كأن كل بيوت الناس مستنية رأيها. أول مرة جم يتغدوا عندي، دينا داقت المحشي بالعافية، وسامية فضلت تبص على الستاير والصالون كأن ذكرياتي محتاجة تجديد. وسكتّ… لأن الأم ساعات بتسكت كتير لما تخاف تخسر ابنها. بعدها جه الجواز. كريم طلب مساعدتي. دينا كانت عايزة فرح في أوتيل كبير، ورد أبيض، ومصور مشهور. حولتله أكتر من ٣ مليون جنيه. — إنتِ أحسن أم في الدنيا — قالّي. وبعدين شقة الشيخ زايد… كانوا محتاجين مقدم. دفعت مبلغ كبير تاني. — ده مستقبل آدم يا ماما… — قالّي — لما ربنا يرزقنا بطفل. ولما آدم اتولد، افتكرت أخيرًا إن هيبقى ليا مكان في حياتهم… لكن سامية قعدت معاهم ٣ شهور كاملة. شوفت حفيدي بعد شهر تقريبًا من ولادته، وحتى وقتها ماكانوش بيسيبوني أشيله غير دقايق. — بلاش تصحيه… — كانت سامية تقولها ببرود — دوبنا عرفنا ننوّمه. وكنت أرجع بيتي في التجمع وإيديا فاضية… وقلبي موجوع. وفي يوم، دينا اتصلت بيا عشان أقعد مع آدم لأنها عندها دكتور. فرحت بشكل مايتوصفش. لأول مرة بقيت لوحدي مع حفيدي. كنت بهدهده، وفجأة موبايلها اللي نسيته على الترابيزة نور برسالة من سامية: — كلمتي كريم في موضوع التنازل؟ لو العجوزة ما كتبتش البيت باسمه الدنيا هتبوظ. العجوزة. حسّيت نفسي اتخنقت. وبعدين رسالة تانية: — استغلوا آدم. قولوله عشان مستقبل الواد. أهم حاجة يضمنوا بيت التجمع الأول. ساعتها فهمت الحقيقة… هم ماكانوش عايزيني وسطهم. هم كانوا عايزيني مفيدة وبس… ولما أخلص، ياخدوا مني حتى البيت اللي لسه ريحته فيها ريحة محمود. “لكن اللي حصل بعد كده… محدش كان يتوقعه. والتكملة هتخليك تغيّر رأيك في كل الشخصيات. فضلت ماسكة الموبايل بإيدي… والرسايل قدامي بتلسعني أكتر من أي إهانة سمعتها في حياتي. “العجوزة”. الكلمة كانت كفاية تكسر حاجة جوايا. بس اللي وجعني أكتر… إن كريم كان عارف. ماقدرتش أواجهه وقتها. آدم كان نايم على صدري، وأنفاسه الصغيرة بتطلع بهدوء، وأنا ببص في وشه وبسأل نفسي: هو ده نفس الطفل اللي كنت مستعدة أبيع عمري عشانه؟ نفس الابن اللي كنت بحوش القرش فوق القرش عشان يوم ما يكبر مايحسش بالنقص اللي أنا وأبوه حسينا بيه؟ رجّعت الموبايل مكانه كأني ماشوفتش حاجة. ولما دينا رجعت، فضلت تبوس آدم وتضحك، وأنا كنت ببص لها لأول مرة من غير طيبة… من غير عذر. ومن اليوم ده… بدأت أفتح عيني. بقيت ألاحظ كل حاجة. لما كريم يكلمني بحنان فجأة قبل أي طلب. لما دينا تبعتلي صور آدم ومعاها كلام عن “استقرار مستقبله”. لما سامية تتعمد تمدح في البيت: — بصراحة يا مدام فاطمة، بيت التجمع ده تحفة… خسارة يبقى باسم حد لوحده. كل جملة بقت واضحة. كل حركة بقت محسوبة. وفي ليلة، كريم كلمني وقال: — عايزين نتغدى عندك بكرة… في موضوع مهم. عرفت. قلبي عرف قبل عقلي. اليوم ده جه… ودخلوا التلاتة. كريم، ودينا شايلة آدم، وسامية داخلة كأن البيت بيتها أصلًا. اتغدينا وسط كلام بارد ومجاملات مصطنعة، لحد ما سامية حطت الشوكة وقالت: — بصراحة يا مدام فاطمة، لازم الواحد يأمّن مستقبل ولاده بدري. وسكتت تبص لكريم. كريم خد نفس طويل وقال: — ماما… إحنا فكرنا إن الأفضل تكتبي البيت باسمي من دلوقتي. الكلمة نزلت عليّا تقيلة رغم إني كنت مستنياها. — يعني إيه؟ — يعني كله في الآخر هيبقى ليا… وإحنا أسرة واحدة. بصيتله شوية وقلت بهدوء: — وأبوك؟ تعبه؟ شقاه؟ كل ده يبقى “في الآخر”؟ دينا تدخلت بسرعة: — طبعًا محدش بينكر تعب حضرتك… بس إحنا بنفكر لمصلحة آدم. آدم. دايمًا آدم. يستخبوا وراه عشان يبرروا جشعهم. سألت كريم: — ولو كتبت البيت باسمك… هتفضلوا معتبريني أمكم؟ ولا هبقى ضيفة تقيلة؟ اتوتر وقال بعصبية: — إيه الكلام ده يا ماما؟ لكن سامية سبقت الكل وقالت: — بصراحة؟ الست الذكية تدي وهي عايشة بدل المشاكل بعدين. الست الذكية. ضحكت. أول ضحكة حقيقية من شهور. وقفت، وروحت ناحية الدولاب، وجبت ملف أزرق قديم. حطيته قدام كريم. فتح الملف… ووشه اتسحب فجأة. — إيه ده؟ — عقد البيت. سامية قربت بسرعة تبص. وقبل ما أي حد يتكلم، قلت: — البيت مش بس باسمي… ده عليه شرط قانوني واضح. محدش يقدر يتصرف فيه أو يورثه إلا بشروطي أنا. كريم بصلي بصدمة: — يعني إيه؟ — يعني أبوك كان فاهم الناس أكتر مني. الصمت ملي المكان. ولأول مرة… سامية مابقتش عارفة ترد. لكن اللي حصل بعد كده هو اللي قلب كل حاجة فعلًا… بعد أسبوع، كريم جه البيت لوحده. وشه مرهق، ودقنه طالعة، وعينيه حُمر كأنه ما نِمش. أول ما فتحت الباب، قال: — ممكن أدخل؟ دخل وقعد ساكت شوية… وبعدين فجأة انفجر: — دينا رفعت عليا قضية خلع. اتجمدت مكاني. قال بصوت مكسور: — وأمها خدت كل الدهب… وحتى العربية اللي اشتريتها باعتها. ماكنتش مستوعبة. كمل وهو بيبكي لأول مرة من سنين: — كانوا مستنيين البيت يا ماما… لما عرفوا إنه مش هيبقى باسمي، كل حاجة اتغيرت. قلبي وجعني عليه… رغم كل اللي عمله. الأم غصب عنها قلبها بيحن. لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت عربية برا البيت. وبعدين خبط جامد على الباب. فتحت… ولقيت سامية داخلة زي العاصفة، ووراها دينا. وشها كان مليان غضب وهي بتزعق: — ابنك ضحك علينا! قالنا البيت هيبقى باسمه! ضحكت وقتها… ضحكة هادية خوفتهم أكتر من أي صريخ. وبصيت لسامية وقولتلها: — وإنتِ؟ كنتِ مستنية آخد عمري كله وأديهولكم عشان ترموني آخر أيامي؟ دينا شدت آدم من إيد كريم بعنف وقالت: — يلا يا حبيبي… إحنا مالناش قعدة هنا. لكن آدم فجأة عيط… ومد إيده ناحيتي. — تيتا… الكلمة شقت قلبي. دينا حاولت تشده، لكنه فضل يصرخ: — عايز تيتا! ولأول مرة… شفت الخوف الحقيقي في عين دينا. لأن الطفل اللي كانوا بيستخدموه كورقة ضغط… اختارني أنا. خرجوا في النهاية. والبيت سكت تاني. كريم كان قاعد منهار على الكنبة، وأنا واقفة أبص لصورة محمود المعلقة على الحيطة. وحسّيت إني فهمت حاجة متأخر أوي… مش كل اللي بنقدمه لولادنا بيربي فيهم الوفا. أوقات… العطاء الزيادة بيخلق ناس فاكرة إن الحب حق مكتسب. قربت من صورة محمود ولمستها بإيدي، وقلت بصوت واطي: — كنت شايف كل حاجة يا محمود… حتى الحاجات اللي أنا ماكنتش عايزة أشوفها. وبعدين بصيت لكريم… وقولت الجملة اللي خلّت وشه يبهت: — البيت مش هيتكتب باسمك يا كريم… أنا كتبته بالفعل. رفع عينه بسرعة: — لمين؟ ابتسمت وأنا ببص ناحية أوضة آدم الفاضية… — للحفيد الوحيد اللي حبّني من غير مصلحة.