جدي
لما جدي شافني واقفة قدامه بهدومي المبهدلة وشايلة ابني اللي لسه مولود بين إيدبا، وشه قلب في ثانية.
سألني بصوت زي التلج مش كان نص مليون جنيه في الشهر كفاية عليكي؟
بصيت في عينه بكل ثقة وقلتله والله ما دخل جيبي مليم واحد.
اتصدم للحظة.. وبعدها طلع موبايله فوراً وكلم المحاميين بتوعه.
أول ما عينه جت على ابني، بص للحافة المنسولة في البطانية القديمة قبل ما يبص حتى لوش الواد. ضم شفايفه بضيق، وكأن وجودي وصمة عار في القصر الرخام بتاعه.
المطر كان بيخبط في الواجهات الزجاج بتاعة قصر الهواري، والمنظر وراه كان عبارة عن أنوار القاهرة وهي سايحة في بعضها. كنت واقفة عند المدخل ببالطو رمادي قديم، حاضنة ابني اللي كان ماسك بصباعه الصغير فتلة دايبة من كمي.
جدي، الحاج منصور الهواري الحوت اللي العيلة كلها بتعمله ألف حساب فضل يمسحني بنظراته الحادة اللي كلها لوم.
كرر سؤاله تاني بقولك نص مليون جنيه كل شهر مكنش مكفي؟
السكوت ساد المكان..
عمتاي فوزية كانت واقفة متسمرة جنب الدفاية. وبنت عمي سلمى نزلت كوباية العصير من إيدها ببطء. أما حماتي إلهام فكانت رسمة على وشها ابتسامة صفراء باينة إنها مزيفة.
رديت عليه بكل برود قلتلك ما شفتش منهم جنيه.
ملامحه مننفجرتش، لكنها بدأت تتشقق زي الحجر اللي بيتعرض لضغط عالي.
بتقولي إيه؟
بقولك إني مخدتش أي حاجة من الفلوس دي.
ورا جدي، فوزية
وإلهام بصوا لبعض بلقم. سلمى قبضت إيدها على الكوباية بإنفعال. أما جوزي أدهم اللي معبرنيش ولا زارني مرة واحدة في أخر شهر حمل فطلع لقدام بابتسامته اللامعة اللي كلها كدب.
وقال بنعومة ليلى تعبانة يا جدي.. اكتئاب ما بعد الولادة مأثر عليها ومخليها مش دريانة هي بتقول إيه.
كنت هضحك من كتر الفجر.
من تلات أسابيع بس، ولدت في مستشفى حكومي عشان مصاريف المستشفى الخاص مدفعتش. ومن أسبوعين، جالي إنذار بطرد من الشقة. ومن أسبوع، أدهم قالي إني لازم أشكر ربنا على اللي أنا فيه.
ودلوقتي، واقفين كلهم تحت نجفة تمنها أغلى من كل اللي أملكه، لابسين أغلى براندات، وعاملين نفسهم خايفين عليا.
جدي لف ببطء ل أدهم.
أنا كنت بحول النفقة دي كل أول شهر.
أدهم هز رأسه من غير تردد طبعاً يا جدي.. عن طريق حساب العيلة، وماما كانت هي اللي بتشرف على الموضوع.
حماتي إلهام لمست العقد اللي في رقبتها بتوتر وقالت يا منصور يا أخويا، مش وقته الكلام ده خالص.
ابني اتململ في حضني، بوست جبينه بحنية وقلت لا، ده أنسب وقت للكلام.
عيني أدهم اسودت من الغيظ.. هو طول عمره بيكره النبرة دي مني، النبرة الهادية الواثقة اللي مبيعرفش يسكتها.
سنين وهما مطلعين عليا إني الغلبانة، بنت الناس البسيطة اللي اتجوزت سيد النسا ووقعت في عز مكنتش تحلم بيه.
ميعرفوش إني قبل ما أتجوز أدهم، كنت شغالة مراجعة حسابات في قضايا الأموال العامة.
ميعرفوش إني شايلة صور من كل ورقة وكل تحويل بنكي.
مخطرش على بالهم إن الست اللي سابوها بتغرق، كانت بتبني قضية عليهم في صمت طول الفترة دي.
جدي مسك الموباييل تاني وقال لسكرتيره كلملي مكتب المستشار عادل كامل فوراً.
عمتي فوزية بدأت تتهته بقلق يا بابا اسمعني بس..
رفع إيده وسكتها بحدة محدش يتحرك من مكانه.. مفيش مخلوق هيخرج من القصر ده النهاردة.
المستشار عادل وصل في أقل من نص ساعة، ومعاه اتنين من المساعدين بتوعه شايلين لاب توب وشنط أوراق. القصر اللي كان دايماً ريحته بخور وعود، بقى دلوقتي ريحته توتر يقطع النفس.
جدي قعد على الكرسي الكبير بتاعه، وصوته كان زي الرعد عادل، راجعلي كل التحويلات اللي طلعت من حساب مؤسسة الهواري لحساب ليلى في السنتين اللي فاتوا.
حماتي إلهام بدأت تعرق، وبقت تمسح وشها بمنديل غالي وهي بتقول بصوت مرعوش يا منصور يا خويا، البنت دي بتتبلى علينا عشان عايزة تلم قرشين زيادة.. أنت عارف أصلها وبساطة أهلها.
بصيت لها وابتسمت ببرود، وطلعت من شنطة البيبي فلاشه صغيرة.
قلت بهدوء ده كشف حسابي الحقيقي من البنك، والرسائل اللي كانت بتجيلي من أدهم وهو بيهددني إني لو طلبت مليم واحد هيحرمني من ابني.. ومعاهم كمان توكيلات مزورة باسمي كانت إلهام هانم بتستخدمها عشان تسحب الفلوس من البنك وتدخلها في حسابها الشخصي.
أدهم وشه بقى لونه أزرق، وحاول يخطف الفلاشه من إيدي هاتي الهبل ده يا ليلى! إنتي فعلاً اتجننتي!
جدي خبط بإيده على التربيزة الرخام خبطة هزت المكان سيبها يا أدهم! لو مديت إيدك عليها تاتية، هنسى إنك من دمي.
المحامي بدأ يعرض الأوراق على الشاشة الكبيرة اللي في الصالون. الأرقام كانت بتنطق بالحقيقة.. ملايين كانت بتخرج من حساب جدي، وبدل ما توصلني، كانت بتتحول لحسابات تانية بتنتهي كلها عند إلهام وأدهم وفوزية.
جدي بص لأدهم بنظرة حسرة وعار كنت بتسرق مراتك وابنك يا أدهم؟ كنت بتسيب لحمي يتبهدل في المستشفيات الحكومي وأنا باعتلك اللي يخليها تعيش ملكة؟
أدهم بدأ ينهار يا جدي أنا كنت بآمن مستقبلنا.. ليلى مكنتش هتفهم قيمة الفلوس دي..
قاطعته وأنا بقوم أقف بكل شموخ، وشايلة ابني اللي بدأ يصحى أنا فاهمة قيمة الفلوس كويس يا أدهم، وعشان كدة عرفت أحميكوا من نفسكم.. الأوراق اللي مع المحامي دلوقتي مش بس كشوف حساب، دي بلاغات رسمية هتوصل للنيابة الصبح بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال قاصر.
عمتي فوزية وقعت على الكرسي وهي بتعيط يا حاج منصور، استر علينا.. إحنا أهلك!
جدي وقف، وبان عليه كبر السن فجأة، لكن عينيه كانت لسه حادة. بصلي وقال حقك وحق الواد هيرجع يا بنتي.. تالت ومتلت.
وبعدين التفت للحرس بتوعه وقال جملة واحدة خدوا أدهم وإلهام وفوزية على الملحق القديم، ومحدش يدخلهم أكل ولا شرب لحد ما الصبح يطلع والمحامي يخلص إجراءات التنازل عن كل
اللي سرقوه.. واللي هيفتح بقه، هسلمه للمأمور بنفسي.
في اللحظة دي، ابني فتح عينيه وبصلي، وكأنه كان حاسس إن أمه خلاص جابتله حقه.
بصيت للقصر اللي كان حلمي في يوم من الأيام، واكتشفت إن أغلى حاجة فيه هي الكرامة اللي رجعتها، واللقمة الحلال اللي هربي عليها ابني بعيد عن سمومهم.
جدي قرب مني، وحط إيده على كتفي سامحيني يا ليلى.. البيت بيتك، ومن النهاردة إنتي اللي هتديري حسابات العيلة دي كلها.
ابتسمت، مش عشان الفلوس، لكن عشان شفت في عينيهم كلهم الانكسار اللي حاولوا يذوقوني منه سنين.. وخرجت من القصر وأنا عارفة إن الفجر اللي هيطلع بكره، هيكون فجر جديد ليا ولابني.
بعد ما جدي نطق حكمه، الصالون اتحول لساحة من العياط والترجي، بس الحاج منصور كان زي الجبل، مشفش منهم غير الخيانة.
أدهم حاول يقرب مني للمرة الأخيرة، ملامحه كانت مليانة غل وهو بيهمس فاكرة إنك كسبتي؟ إنتي دمرتي العيلة اللي لميتك من الشارع!
رديت عليه وأنا ماشية ناحية الباب وبمنتهى الثبات العيلة دي دمرت نفسها يوم ما نسيت الأصول والدين.. والشارع اللي بتعايرني بيه، علمني أكون ست بمية راجل، مش حرامية زيك.
خرجت من القصر والمطر كان بدأ يهدا، والهوا كان ريحته حرية.
الحساب يجمع
تاني يوم الصبح، المحامي عادل جالي الشقة الصغيرة اللي كنت مأجراها، ومعاه شنطة فيها أوراق كتير.
أولاً تم نقل ملكية فيلا المعادي باسمي واسم ابني كتعويض مؤقت.
ثانياً أدهم وقع على تنازل عن كل حصته في شركات الهواري لصالح ابنه ياسين.
ثالثاً حماتي إلهام وعمتي فوزية بقوا تحت الإقامة الجبرية في الملحق، والشرطة بدأت تحقق في التوكيلات المزورة.
المواجهة الأخيرة
بعد أسبوع، روحت القصر تاني بناءً على طلب جدي. المرة دي، دخلت من الباب الرئيسي والحراس بيؤدوا لي التحية. لقيت جدي قاعد في المكتب، وقدامه أدهم، اللي كان منظره يصعب على الكافر؛ دقنه طولت وهدومه اللي كانت بآلاف الجنيهات بقت مكرمشة وشكله مكسور.
جدي بصلي وقال ليلى.. أدهم عايز يطلب السماح قبل ما يخرج من البيت ده وميرجعلوش تاني.
أدهم بص في الأرض وقال بصوت واطي أنا آسف يا ليلى.. الفلوس عمتني، وماما كانت بتقويني عليكي.. اديني فرصة تانية عشان خاطر ابني.
بصيت له بكل هدوء وقلت له ابنك هيكبر ويعرف إن أمه مسبتش حقه، وهيعرف إن أبوه كان أول واحد خانه.. السماح عند ربنا يا أدهم، لكن مكاني ومكان ابني ملوش وجود في حياتك تاني.
البداية الحقيقية
جدي سلمني مفاتيح المكتب الكبير، وقالي جملة مش هنساها المال اللي ملوش صاحب أمين بيضيع.. وإنتي أثبتي إنك الأمينة الوحيدة في العيلة دي.
بدأت فعلاً أدير الحسابات، بس المرة دي بمبدأ جديد.. مبدأ العدل. رجعت الحقوق للعمال اللي كانوا مظلومين في المصانع، وخصصت جزء من أرباح العيلة لمؤسسة خيرية بتساعد الستات اللي بيواجهوا نفس ظروفي.
النهاية
أنا ليلى.. البنت اللي دخلوها بيتهم عشان يذلوها، فخرجت منه وهي شايلة مفاتيح المملكة، مش بالظلم ولا بالسرقة، لكن بالصبر والعقل.. وعرفت إن اللي معاه ربنا، عمره ما يضيع حقه أبداً.بعد شهور من اليوم ده، القصر اللي كان جدرانه باردة ومخيفة، بقى فيه روح تانية خالص. ياسين ابني بقى بيملا المكان بضحكته، وجدي الحاج منصور حالته الصحية والنفسية اتحسنت لما لقى حد مخلص بجد جنبه.
أما الباقي، فكان ده حالهم
أدهم جدي طرده من كل المناصب، واشتغل موظف بسيط في شركة بعيدة عن القاهرة بمرتب يدوب يكفيه، عشان يدوق طعم القرش اللي بييجي بالتعب، ومنعه يدخل القصر إلا بإذن مني عشان يشوف ابنه لدقايق.
إلهام وفوزية بقوا عايشين في عزلة تامة، الفلوس اللي كانوا بيعبدوها اتسحبت منهم، ومبقاش ليهم كلمة ولا هيبة، وبقوا بيشوفوا نظرات الاحتقار في عينين الشغالين قبل القرايب.
اللقاء الأخير
في يوم، كنت قاعدة في المكتب براجع ميزانية السنة الجديدة، ودخل عليا أدهم. كان باين عليه التعب والكسرة.
قالي بنبرة فيها رجاء ليلى.. أنا عرفت قيمتك متأخر. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت الفلوس، والاسم، وخسرتك إنتي وابني. مفيش أمل نرجع نبدأ من جديد؟
قمت من ورا المكتب، وقفت قدام الشباك اللي بيطل على جنينة القصر، وقلتله
يا أدهم، فيه كسر لما بيحصل في القلب مبيتصلحش. إنت مخسرتش الفلوس، إنت خسرت الأمان. والست ممكن تعيش من غير فلوس، لكن مستحيل تعيش من غير أمان مع راجل هان عليه لحمه ودمه.
سكت لحظة وكملت ابنك هيتعلم في أحسن مدارس، وهياكل أحسن أكل، وهيكبر يعرف إن الحق أحق أن يُتبع. إنت دلوقتي عندك فرصة تبقى بني آدم جديد.. استغلها بعيد عننا.
عهد جديد
جدي منصور دخل المكتب وشاف المشهد، طبطب على كتفي وقال بصوت مسموع
عارفة يا ليلى.. أنا كنت فاكر إن الثروة هي الأراضي والبورصة والعقارات، بس النهاردة بس عرفت إن الثروة الحقيقية هي الأصل الطيب. إنتي نورتي البيت ده وبيضتي وشي قدام ربنا.
ابتسمت وأنا شايفة ابني ياسين بيلعب في الجنينة، وحسيت براحة مش طبيعية. أنا مخدتش حق ابني بس، أنا أثبت لكل واحد ظالم إن الدنيا دوارة، وإن دعوة المظلوم ملهاش حجاب، خصوصاً لما تكون من أم شايلة ضناها في حضنها وبتواجه الدنيا لوحدها.
تمت.