امي

لكن الناس ظلوا يتهامسون طويلًا أن رجالًا أكبر منه قرروا إسكاتَه قبل أن يتكلم أكثر.

أما نحن…

فلم نعد نملك طاقة للبحث خلف حقيقة أخرى.

كان يكفينا أن كل شيء انتهى أخيرًا.

وبعد أيام قليلة…

عادت أمي.

ليس هاربة هذه المرة.

ولا خائفة.

عادت في وضح النهار.

أتذكر أنني كنت أقف قرب النافذة حين رأيتها تنزل من سيارة الأجرة آخر الشارع.

كانت تحمل حقيبة صغيرة فقط.

وشعرها امتلأ بالخصلات البيضاء.

لكنها حين رفعت رأسها نحونا…

رأيت أمي نفسها.

ركضت نور نحو الباب أولًا وهي تبكي، بينما وقف أبي في مكانه للحظات طويلة وكأنه لا يصدق أن هذه اللحظة حدثت أخيرًا.

أما أنا…

فبقيت أحدّق فيها.

ثم اقتربت مني ببطء.

وقالت بصوت مرتجف:

“هل ما زال هناك مكان لي بينكم؟”

شعرتُ بدموعي تنزل قبل أن أجيب.

ثم احتضنتها أخيرًا.

احتضنت المرأة التي كرهتها نصف عمري…

قبل أن أفهم كم كانت تحاول حمايتنا وهي تنكسر وحدها.

وفي تلك الليلة…

عاد صوت ناظم الغزالي يملأ البيت من جديد.

وعاد أبي يُعد الشاي وهو يغني بصوت خافت.

أما أمي…

فجلست بيننا تضحك وتبكي في الوقت نفسه، وكأنها تحاول أن تعوض اثنتي عشرة سنة دفعة واحدة.

ولأول مرة منذ طفولتي…

شعرتُ أن البيت لم يعد خائفًا.

وفي آخر الليل، وقفتُ وحدي قرب المرآة أتأمل وجهي طويلًا.

ثم تذكرت تلك الطفلة الصغيرة التي ظلت سنوات تعتقد أنها السبب في انهيار عائلتها.

وهمستُ لها أخيرًا:

“لم يكن ذنبكِ أبدًا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *