بيت طفولتي
وسط المكتب، لقيت جواب متغلف بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط إيده اللي لسه حافظة تفاصيله: **”إلى ابنتي السما التي لم تستسلم.. افتحي الخزنة اللي تحت رجلك، بس اعرفي إن البيت ده ما كنش سكن، البيت ده كان سجن لشيء هما بيدوروا عليه.”**
فجأة، سمعت صوت “تكة” خفيفة جاية من صالة البيت.. صوت خشب السلم وهو بيزيق تحت وزن حد طالع. أنا لوحدي في البيت، والباب مقفول بالمفتاح.
نزلت عيني للأرض، لقيت بلاطة خشب مهزوزة.. رفعتها بإيد بتترعش، لقيت خزنة حديد صغيرة ومعاها مفتاح قديم وشريط كاسيت. شغلت المسجل اللي كان محطوط على المكتب، وطلع صوت أبويا، بس كان صوته تعبان، بينهج كأنه بيجري:
> “سامحيني يا بنتي.. خسرت البيت قصاد حياتكم. الراجل اللي اشتراه في المزاد زمان ما كانش شخص عادي، ده كان واحد من اللي “أبوكي” خد منهم الأمانة. فضلت سنين بحرس البيت ده من بره وأنا بعيد عنكم عشان أشتت انتباههم. لو فتحتي الخزنة دي، هتلاقي (عقد ملكية) لأراضي في قلب القاهرة، قيمتها تخليكي مش بس ترجعي البيت، دي تخليكي تشتري الحي كله.. بس العقد ده هو اللي موّتني، وهو اللي خلاهم يهددوني بيكي وبأخوكي.”
>
صوت تزييق السلم بقى أقرب.. بقى بره باب الأوضة المهدودة دي بالظبط.
ثواني، والباب اتفتح.. قلبي كان هيقف، بس اللي دخل ما كانش “شخص غريب”.
كان **كريم**.. أخويا.
واقف ووشه شاحب، وفي إيده نسخة من المفتاح القديم. بص للحيطة المهدودة وللأوضة، وعينه لمعت بدموع مش مفهومة.. هل هي دموع فرحة ولا صدمة؟
قرب مني وهمس: “أمي قالت لي إنك هتعمليها.. أمي ما كانتش بتعيط خوفاً عليكي من الأوضة يا سما، أمي كانت بتعيط لأن (الوقت جه) عشان نخلص اللعبة دي.”
كريم مد إيده وخد مني العقد، وبص لي بابتسامة غريبة وقال: “أبويا ما ماتش يا سما.. أبويا مستنينا بره، والناس اللي طردونا زمان، هما دلوقتي اللي مستنيين العقد ده عشان “يفتحوا” المقبرة اللي البيت ده مبني فوقيها.”
في اللحظة دي، النور قطع في البيت كله.. وما فضلش غير نور الفلاش اللي في إيدي مهزوز، وصوت أمي على الموبايل اللي لسه في جيبي بيرن تاني.. فتحت الخط وأنا مرعوبة، لقيت صوتها بيقول بهدوء مرعب: **”ما تصدقيش كريم يا سما.. كريم مات في الحادثة مع أبوكي من عشر سنين.. اللي واقف قدامك ده هو اللي خد البيت أول مرة.”**
بصيت للي واقف قدامي.. الفلاش جه على وشه.. ملامحه بدأت تتغير، والابتسامة وسعت بطريقة مش بشرية.
لقيت نفسي محبوسة في أوضة مقفولة بالطوب، في بيت ملهوش مخرج، ومعايا “شخص” لابس وش أخويا، ومعايا سر يغير تاريخ العيلة كله.
مسكت الشاكوش بكل قوتي، وقررت إن البيت اللي ضحيت بعمري عشان أشتريه.. هيكون هو المكان اللي هنهي فيه الكابوس ده للأبد.