الشقه
قدام عينيها. يعني هي هتفضل مسؤولة وملزمة قدام البنك بالتمويل العقاري ده لمدة عشرين سنة كاملة! هتدفع وهي ساكتة، بس الشقة مش بتاعتها ولا ليها فيها سنتيمتر واحد.. لو حصلت أي مشكلة أو هزة في الجوازة دي، هتعيش وتلاقى نفسها خسړت كل حاجة فلوس شقة جدتها اللي اتباعت، والشقة الجديدة، وفوق كل ده هتفضل تدفع في أقساط قسط ورا قسط لحاجة مش ملكها!
أحمد كان قاعد زي الصنم، باصص في شاشة تليفونه ومتهرب من عينيها تماماً.
الليلة دي، رانيا معرفتش تدوّق النوم. كانوا لسه عايشين في شقة إيجار جديد مؤقتةخطوة انتقالية بعد ما باعت شقتها ال 60 متر. أحمد نام فوراً وكأن مفيش حاجة حصلت، أما هي ففضلت صاحية، عيونها سارحة في سقف الأوضة والدهان المقشر بتاعه.
قامت رانيا براحة من غير ما تعمل صوت ودخلت المطبخ. قعدت على كرسي جمب الشباك، وضمت ركبها لصدرها. من ورا الإزاز، كانت أنوار قاهرة أكتوبر الهادية بتنور وتطفي من بعيد. هناك.. في الحي الجديد، كانت شقتهم المستقبلية بتناديهم، 150 متر وبتطل على جنينة واسعة. بكرة الصبح المفروض يروحوا البنك يوقعوا العقود النهائية.
افتكرت فجأة شقتها القديمة اللي باعتها.. مطبخها الصغير الدافي، وقصيّة زرع الجرانيوم الخبيزة اللي كانت على حرف الشباكالزرعة دي كانت بتاعة جدتها الله يرحمها. افتكرت خشب الأرضية اللي بيزيق وحفظت نغمته، شكل الشارع القديم والعيال وهي بتلعب تحت البيت في المغربية. افتكرت يوم ما قفلت باب الشقة دي لآخر مرة وهي بتسلمها للمشتري.. يومها طبطبت على الحيطة وهمست للأوض الفاضية سامحيني.. أنا بعتك عشان حلم البيت الكبير اللي هيجمع عيلتي.
والنهاردة بتكتشف إن البيت الكبير مش هيكون بيتها! هي دافعة 2 مليون جنيهكل ما تملك في الدنيا. وهتقعد عشرين سنة تدفع نص مرتبها للبنك.. وهي اللي اختارت ألوان الدهانات، ورسمت المطبخ خشب وماربل، وحلمت بأوضة الأطفال اللي شباكها كبير وبيجري فيه الشمس.
كل ده هيتكتب باسم أحمد.. وهي مجرد شريك ضامن؛ يدفع بس، ومن غير أي حق في الحيطة اللي بتسند عليها.
كان الدوسيه اللي فيه ورق بكرة محطوط على الترابيزة. رانيا فتحته بإيد بتترعش وقرت السطر ده تاني المشتري أحمد سيد أحمد عبد العال.. هو وبس.
دمعة نزلت من عينها ولمست الورق. بره، كانت خيوط الفجر الأولى بتطلع وتلون عمارات أكتوبر الرمادية بلون وردي دافي. كان باقي ساعات قليلة على ميعاد البنك.. ساعات قليلة عشان تاخد القرار الأخطر في حياتها توقع ولا ترفض?
الصبح طلع، والشمس كانت مالية المكان. رانيا منمتش دقيقة واحدة، بس حست بصفاء ذهني غريب وقوة مش عارفاها. جهزت الفطار، واستنت أحمد لما صحي، وقعدت قصاده على الترابيزة وبصت في عينه
يا إما الشقة تتكتب باسمنا احنا الاتنين بالنص، خمسين خمسين.. يا إما أنا مش هروح البنك