حماتى كانت معزومه عند أهل بنتها جانوا جايين من البلد زياره وحماتى عشان ترفع راس بنتها قدامهم قررت انها تعذمهم بس بدل ما تعذمهم عندها عزمتهم عندى لقتها بتكلمنى قبلها بيوم بتقولى انا لسه جايه من عند مياده وعزمت اهلها كلهم اعملى حسابك بكره فى عزومه ل ٣٥ فرد سمعت كلامها واتصدمت يتعزموا امته وفين دول لاقتنى بقولها ـ ازاى يا حماتى وليه ماقولتيش قبلها بفتره طويله احنا صرفنا كل فلوسنا فى داخله العيد ولبس العيال لقتها بتقولى بمنتهى البرود ـ اتصرفى واستلفى من امك انتى عايزه تصغرينى وتصغرى بنتى وجوزك سكت شوية وأنا الدم غلي في عروقي، يعني الست بدل ما تعتذر جاية تقولي استلفي من أمك؟ وكأني فاتحة جمعية عشان عزايم سيادتها! بلعت ريقي بالعافية وقلتلها: ـ يا حماتي 35 فرد دول مش شوية، ده فرح مش عزومة! وبكرة؟ طب أجيب منين أكل يكفي العدد ده كله؟ وبعدين بيتي أنا مش فندق تحجزي فيه بمزاجك. لقتها صوتها علي في التليفون وقالتلي: ـ بت علي! انتي هتعلميني الأصول؟ أنا قلت كلمة وتتنفذ. جوزك لو عرف إنك كسفتيني قدام نسايبه هيقلب الدنيا عليكي. وبعدين أمك عندها الخير كله، خليها تنفعك بحاجة بدل ما انتي قاعدة كده. قفلت السكة في وشي وهي بتبرطم بكلام مسمعتوش، رميت الموبايل على الكنبة وجسمي كله كان بيرتعش من كتر الغيظ. 35 فرد؟ يعني محتاجة خروف أو تلات أربع تجواز حمام وفراخ، ده غير المقبلات والحلو.. والميزانية؟ الميزانية حرفياً فيها اللي يكفينا أسبوع بالعافية! قعدت على طرف الكنبة ودموع القهر في عيني، مفيش 5 دقايق ولقيت جوزي داخل من الباب، باين عليه التعب من الشغل، بيبصلي لقى وشي مخطوف: ـ "مالك يا ست الكل؟ حد زعلك؟" بصلي وهو بيلمح دموعي اللي بدأت تتساقط غصب عني، قرب مني وقعد على طرف السرير، مدي إيده ومسح على شعري بهدوء. فضلت أحكي له كل حرف قالته أمه، وكلامها اللي نزل على قلبي زي السم، وإزاي جابت سيرة أهلي وطلبت مني أستلف منهم. طول ما أنا بحكي، ملامحه كانت بتتحول، من الاستغراب للضيق، لحد ما لقيت ملامحه بدأت تتغير وبدأ يرسم ابتسامة غامضة على وشه، وكأنه عرف هيعمل إيه أو عرف نقطة ضعف أمه في الموقف ده. لما خلصت كلامي وكنت بتهته من كتر القهر، مسك إيدي ، وبص في عيني بابتسامة طمنتني شوية، وقال بنبرة واثقة: ـ "خلاص يا حبيبتي، اهدي وماتشليش هم خالص. اللي حصل حصل، وأمي طبعها مش هيتغير، بس أنا عارف أتعامل معاها إزاي." سكت لحظة، وبعدين كمل وهو بيغمزلي بابتسامة خبيثة: "سيبيلي أنا الموضوع ده، هعرف أخرجك من المأزق ده زي الشعرة من العجين، وهخلي العزومة تتم من غير ما تمدي إيدك لأهلك ولا حتى نلمس الميزانية اللي شايلة همها. نامي إنتي بس وريحي أعصابك، وبكرة الصبح كل حاجة هتكون اتحلت." بصيتله بذهول: "بجد يا علاء؟ أنت ناوي على إيه؟ وازاي هنحل معضلة الـ 35 نفر دول؟" ضحك وقام وقف، شدني من إيدي وقومني معاه، حط إيده على كتافي وقال بنبرة مليانة ثقة: ـ "بصي يا ستي، جهزي نفسك وجهزي العيال، إحنا بكرة خارجين.. هنسيب البيت كله ونخرج، وما تشغليش بالك بأي حاجة، أنا هظبط كل الترتيبات مع أمي، والنتيجة هتكون في صالحنا ومش هتصرفي قرش من اللي محوشينه لعيالك." فتحت عيني على الآخر: "خارجين؟ وإيه مصير الناس اللي جايين؟ أمك هتعمل فينا إيه لما تلاقي البيت فاضي؟" قرب مني أكتر وهمس في ودني: "سيبيني أنا أواجه أمي، وسيبيني أنا أحل موضوع الضيوف ده بطريقتي.. كل اللي عليكي بكرة تصحي الصبح، تلبسي أحلى طقم عندك إنتي والولاد، وتستنيني قدام الباب، ومن غير ما تفتحي بوقك بكلمة واحدة.. فاهمة؟" بصيتله وأنا مش مستوعبة، بس نظرة الثقة في عينه خلتني أحس بنوع من الراحة اللي بقالي ساعات بدور عليها. ضحكت ضحكة خفيفة وقلتله: "أنا مش فاهمة أنت ناوي على إيه، بس أنا موافقة.. المهم أبعد عني وجع القلب ده." تاني يوم الصبح، مكنتش مصدقة عيني لما لقيت علاء بيصحيني الساعة ٦ الصبح، صوته كان هادي ومتحمس، والعيال لسه نايمين في سابع نومة. هز كتفي برفق وهو بيوشوشني: ـ "ولاء.. ولاء، قومي يا حبيبتي، الشنط جاهزة والعربية تحت، جهزي العيال عشان نلحق نتحرك قبل الزحمة." قمت وأنا بفرك عيني بذهول: ـ "ساعة ٦؟ يا علاء احنا رايحين فين بالظبط؟ والبيت.. والضيوف؟ أمك لو عرفت إننا مشينا هتقلب الدنيا!" علاء وهو بيساعدني ألم باقي هدوم العيال بسرعة: ـ "بقولك سيبي الموضوع ده عليا، قولتلك هحلها بطريقتي. إحنا النهاردة يومنا بعيد عن أي وجع دماغ، إحنا رايحين نقضي اليوم على البحر.. غيري جو وارتاحي، وسيبيني أنا أواجه العواقب لما نرجع." بصيتله وأنا قلبي بيدق بخوف وفرحة في نفس الوقت، الخطة جريئة ومجنونة، بس فكرة إني ههرب من "عزومة الـ 35 فرد" في يوم هادي على البحر كانت فكرة خيالية. لبست بسرعة، شلت العيال وهم لسه نص نايمين، ونزلنا للعربية. طول الطريق وعلاء هادي جداً، مشغل الراديو بيغني معاه، كأنه رايح مشوار عادي خالص، مش كأنه هربان بمراته وعياله من كوارث عائلية. على الساعة ٩ الصبح، كنا وصلنا، هواء البحر النضيف ضرب في وشي، حسيت لأول مرة من امبارح إن صدري اتفتح. قعدنا على الشط، علاء نزل يجيب فطار، وسابني مع العيال قدام الماية، ولقيت موبايله بيرن.. كان رقم حماتي. قلبي وقع في رجلي، بصيت للموبايل وهو بيرن ومكتوب "ماما".. خفت أرد، وخفت ماردش، والضغوط بدأت ترجع تسيطر على أعصابي من تاني. الموبايل في إيدي عمال يرزع، صوت النغمة كان بيزيد من توتري وكأنها بتخترق هدوء البحر. "ماما" مكتوبة على الشاشة بخط عريض، وكل رنة بتدق في قلبي كأنها إنذار خطر. بصيت لعلاء، كان لسه بيشتري الفطار من الكشك القريب، وعيونه بتدور عليا وعلى العيال وهو بيضحك. رديت نظري للموبايل، صوابعي بتترعش فوق زرار الرد.. أرد وأسمع صوتها وهي بتزعق وتطالبني بالأكل والناس اللي أكيد وصلوا دلوقتي؟ ولا أعمل "تجاهل" وأبوظ خطة علاء؟ الرنة فصلت، وخدت نفسي.. مفيش ثواني ولقيتها رنت تاني! كأنها حست إني ماسكة الموبايل. الدنيا بدأت تلف بيا، وصوتها في خيالي وهو بيقول "بت يا ولاء.. انتي هتعلميني الأصول؟" بدأ يتردد في ودني. فضلت ساكتة، الموبايل في إيدي وكأنه جمرة نار، لحد ما شفت علاء جاي من بعيد، شايل الأكياس في إيد، وبيشاورلي بالإيد التانية وهو بيبتسم. الموبايل رن للمرة التالتة، ولأول مرة مكنتش عارفة أعمل إيه.. أرد وأفجر الموقف، ولا أستنى علاء هو اللي يواجه؟ علاء وصل قدامي، شاف الموبايل في إيدي وشاف علامات الرعب على وشي، وقف مكانه ونظرته اتغيرت. الرنة كانت مستمرة، صوت الرينج تون بيجرح هدوء الشط، وأنا واقفة متجمدة، لا قادرة أرد ولا قادرة أقفل. علاء ساب الأكياس على الرملة، وقرب مني بهدوء من غير ما ينطق، مد إيده وأخد الموبايل من إيدي، فضل باصص للشاشة ببرود وهو مستني الرنة تقف لوحدها.. والتوتر في أعصابي كان واصل لدرجة إني حاسة إني هقع من طولي. أول ما الموبايل سكت، علاء ضغط بإصبعه على زرار الإغلاق وقفل موبايلي تماماً.. مش بس كده، ده طلع موبايله هو كمان من جيبه، وبكل ثبات انفعالي، عمل نفس الحركة وقفل موبايله هو كمان. بصيتله بذهول، عيوني وسعت من الصدمة أنت.. أنت بتعمل إيه؟ دي لو عرفت إننا قافلين الموبايلات هتولع فينا لما نرجع! أنت مش خايف؟ بصلي بنظرة كلها ثقة، وكأنه رامي كل هموم الدنيا ورا ضهره، شدني من إيدي وقعدني على الكرسي اللي فرشه على الرمل، وابتسامة هادية اترسمت على وشه يا ولاء، إحنا هنا عشان ننسى، مش عشان نستنى العقاب. طول ما الموبايلات مفتوحة، هي هتفضل محوطانا في يومنا. سيبك منها دلوقتي، واستمتعي بالبحر، لأننا النهاردة.. إحنا مش موجودين لأي حد. قعد قدامي، فتح أكياس الفطار وبدأ يحضر الأكل للعيال، كأنه مفيش 35 بني آدم مستنيين في بيتنا، وكأنه مش هو اللي كان لسه بيقولي سيبي الموضوع ده عليا. سألت بصوت واطي ومتردد طيب والضيوف؟ والناس اللي في البيت؟ هنعمل إيه لما نرجع؟ رفع عينه في عيني وهو بيناولني ساندوتش لما نرجع، هنبقى نفكر. لكن دلوقتي، مفيش غيرنا إحنا والولاد والبحر.. كلي يا ولاء واهدي، صدقيني، الليلة دي هتكون أول ليلة في حياتنا بنقرر فيها إننا نعيش لنفسنا، مش للناس. فضلت باصة لعلاء وأنا مش مستوعبة، الضمير في قلبي بيأنبني وفي نفس الوقت حاسة بنشوة غريبة لأول مرة. قعدت على الرملة وجنبي العيال بيلعبوا، ومسكت الساندوتش بس مش عارفة أبلعه من كتر التفكير. قطعت الصمت ده وقلتله يا علاء، أمك ست كبيرة، ومش متعودة حد يطنشها، والناس دي أكيد وصلوا دلوقتي عند البيت ومحدش بيفتح.. ده لو عرفوا إننا سافرنا هتبقى فضيحة! علاء سكت للحظة، شرب بق مية وبص للبحر بتأمل، وبعدين التفت ليا وبنبرة واثقة وهادية جداً قال يا ولاء، يا حبيبتي، افهميني.. أمي مش صغيرة، دي ست قوية وعارفة الدنيا بتمشي إزاي كويس جداً. هي اللي حطت نفسها في الموقف ده وهي اللي تخرج منه. بصيتله باستغراب تقصد إيه؟ إنها عارفة تتصرف؟ هز رأسه بتأكيد وهو بيكمل بالظبط. أمي لما لقتني مش موافق على العزومة دي، عملت اللي في دماغها، يبقى هي اللي تتحمل النتيجة. هي عارفة كويس إني بشتغل وتعبان، وعارفة إن ظروفنا متسمحش، ومع ذلك أصرت.. يبقى لازم تتعلم إن فيه حدود للتدخل في بيتي. صدقيني، هي مش هتقف مكتوفة الأيدي، هتلاقي ألف حل وحل عشان ترفع راسها قدام نسايبها، يمكن تطلب أكل من بره، يمكن تتصرف وتجيب أي حاجة.. المهم إنها في الآخر هتفهم إن وليد مش شطرنج بتلعبه زي ما هي عايزة. حسيت بكلماته بتطمني، كأنها بتشيل حمل تقيل من على كتافي. كملت كلامها وهي بتهز رجلها بتوتر يعني إحنا مش هنرجع نلاقي مصيبة؟ ضحك ضحكة صافية، مد إيده ومسك شعري ورا ودني وقال أكبر مصيبة هي إننا نعيش حياتنا بنرضي الناس على حساب سعادتنا. ارتاحي بقى، وسيبي ماما تتعامل.. هي ست مدبرة وعارفة كويس إنها غلطت في حقي وحقك، والدرس ده هو اللي هيخليها تحترم خصوصيتنا بعد كده. غمضت عيني وأنا باخد نفس عميق، وفعلاً لأول مرة من سنين، حسيت إن أنا وعلاء بقالنا كيان لوحدنا، بعيد عن تحكمات ماما. بس الفضول فضل ياكلني.. يا ترى هي فعلاً عرفت تتصرف؟ ولا هي دلوقتي بتولع في البيت من الغيظ؟ حماتي كانت في البيت في موقف لا تحسد عليه، ماشية في الشقة زي الأسد المحبوس، وشها أحمر من كتر الغيظ وكل دقيقة تبص في الساعة، والضيوف من بلد بنتها قربوا يوصلوا. طلعت الموبايل للمرة المليون، رنت على علاء.. مقفول. رنت عليّ أنا.. مقفول. رمت الموبايل على التربيزة وهي لمحة نيوز بتبرطم بغل وشياطين الدنيا كلها في عينيها يا بجحتك يا ولاء! أكيد هي.. أكيد العقربة دي هي اللي سخنت الواد علاء وخلته يهرب بمراته وعياله عشان يكسفوني ويكسروا كلمتي قدام الناس! دي أكيد خططت لكل ده، خلت ابني يعق أمه ويقفل تليفونه عشان ما أعرفش أجيبهم.. ماشي يا ولاء، أنا بقى اللي هوريكي، لو ما خليت علاء يطلقك عشان تربيتك القليلة دي مبقاش أنا! وفجأة.. جرس الباب رن. نطت من مكانها كأن فيه عفريت قرصها، وضربات قلبها بقت مسموعة. الضيوف وصلوا، والبيت فاضي، وأنا وعلاء مش موجودين. وقفت قدام المراية بسرعة، حاولت تمسح آثار الغضب من على وشها وترسم ابتسامة صفرا باهتة، وهي بتكلم نفسها لازم أتصرف.. لازم أطلعهم هما اللي غلطانين، هقول إنهم تعبوا فجأة واضطروا يخرجوا لطارئ، المهم أبيض وشي قدام أهل ميادة.. يا رب استرها معايا في المصيبة دي! فتحت الباب وهي بتستقبلهم بترحيب مبالغ فيه وضحكة مجلجلة، بس كان باين على عينيها إنها بتغلي، وكل ما حد من الضيوف يسأل عن علاء أو عني، كانت بتمثل ببراعة وتغير الموضوع بسرعة عشان تغطي على غيابنا. بعد ما قفلت الباب على الضيوف اللي بدأوا يقعدوا في الصالة ويتبادلوا أطراف الحديث، دخلت الأوضة التانية بسرعة وهي بتنهج من كتر الغيظ والخوف. طلعت الموبايل واتصلت بأكبر محل مشويات في المنطقة، صوتها كان بيترعش بس حاولت تبان طبيعية وهي بتطلب أوردر ضخم ألو.. أيوه يا ابني، عايزة دليفري حالا.. 5 كيلو كباب وكفتة، و فرخات مشوية، ومقبلات وسلطات تكفي 35 فرد.. اه، عايزة الأكل يوصل في خلال نص ساعة بالظبط، العنوان كذا.. كذا.. وفتحت المحفظة وطلعت مبلغ كبير جداً، أكتر بكتير من اللي كانت مخططاه، ودفعت ديبوزيت محترم بالتحويل عشان يضمنوا السرعة، وهي بتوعد نفسها إنها هترجع الفلوس دي من علاء تالت ومتلت بعد ما يرجع. قفلت الموبايل، ووقفت تاخد نفس عميق قدام المراية، بتبص لنفسها في الانعكاس وبتحاول تداري الرعشة اللي في إيديها. خرجت للضيوف تاني وهي لابسة قناع الست الكريمة المضيافة يا جماعة، علاء وولاء والله العظيم كانوا مجهزين كل حاجة، بس ولاء جالها مغص كلوي مفاجئ والواد علاء اضطر يوديها المستشفى هي والعيال، وأنا قلتلهم روحوا أنتوا وأنا أتصرف مع الضيوف.. البيت بيتكم! الضيوف بدأوا يباركو لها على كرمها وذوقها، بس هي كانت بتصطنع الابتسامة وقلبها بيضرب زي الطبول كل ما تسمع صوت عربية في الشارع، خايفة نرجع فجأة ونكشف الكدبة. بعد نص ساعة بالظبط، جرس الباب رن. حماتي قلبها وقع في رجلها، قامت بسرعة وكأنها بتجري من الموت، وفتحت الباب لعمال الدليفري اللي كانوا شايلين أكياس وصواني الأكل اللي تفتح النفس. دفعت الحساب وهي بتكتم غيظها من المبلغ اللي دفعته، ودخلت الأكل بسرعة للمطبخ. بنتها ميادة دخلت وراها المطبخ وهي بتهمس بقلق يا ماما.. ده الأكل ريحته باينة أوي إنه جاهز، لو الناس عرفوا هتبقى فضيحة! حماتي بصتلها بنظرة حادة انتي عايزة الناس تفتكر إني كدابة؟ إنجزي معايا، حطي الأكل في أطباقنا، وافرشي السفرة بسرعة، محدش هياخد باله من حاجة. بدأت حماتي وميادة ينقلوا الكباب والكفتة في أطباق البيت الصيني، وبدأت أم جوز ميادة اللي كانت ست ذوق وعايزة تساعد تدخل المطبخ وتمد إيدها معاهم. كانت بتساعدهم وهي بتنقي أحسن الأطباق وبترص الأكل بلمسات ستات بيوت شطار، وده خفف الحمل شوية عن حماتي اللي كانت بتتعامل بتوتر مبالغ فيه. السفرة اتفرشت، والأكل كان شكله يشرف، والضيوف قعدوا وكلوا وشكروا في كرم حماتي اللي مكنش له حدود. حماتي كانت بتتنفس الصعداء مع كل لقمة بياكلوها، وبتقول لنفسها أهو عدينا الموقف، ولا حد حس بحاجة ولا ولاء اللزقة دي كانت موجودة. بعد ما خلصوا الغدا، قدمت لهم الحلو والشاي والقهوة، وأهل بنتها أخدوا واجب الضيافة وزيادة، وقضوا وقتهم في الأحاديث الودية والضحك، وفعلاً الوقت عدى بسلام. وقبل ما الشمس تغرب واليوم يخلص، قام الضيوف عشان يمشوا، وحماتي ودعتهم بابتسامة عريضة وثقة وكأنها عملت معجزة. قفلت الباب وراهم، ووقفت في نص الصالة، بتنهج من كتر التوتر اللي عاشته، وهي مش عارفة إننا في اللحظة دي كنا لسه بنركب العربية عشان نرجع البيت. رجعنا البيت على الساعة تسعة بالليل، كان يوم طويل وهادي لدرجة إننا كنا نسينا نكد البيت تماماً. علاء دخل بالمفتاح، وأنا وراه شايلة الولاد اللي ناموا من التعب، أول ما الباب اتفتح، اتجمدت في مكاني. حماتي كانت واقفة قدام باب شقة ابنها في الطرقة، مش في بيتها، كانت واقفة لينا كأنها حارس بوابة مستني فريسته. إيدها في وسطها، وعينيها بتشرار نار، وشكلها كان يوحي إنها ما اتحركتش من مكانها لحظة واحدة من ساعة ما الضيوف مشيوا. بصيت لعلاء اللي كان لسه بيقفل الباب، لقيته اتنهد ببرود ولا كأنه مهتم، دخل وقفل الباب وراه ببطء شديد وهي واقفة بتراقب كل حركة مننا. حماتي ما استنتش دقيقة، صوتها هدر في الطرقة وهي بتشاور بإيدها في وشي يا بجحتكم! يا قليلي الأدب! جايين ببرود الأعصاب ده بعد ما فضحتوني وخليتوا شكلي زي الزفت قدام الناس؟ بصيت لعلاء مستنية رد فعله، وهو اللي كان واعدني إنه هيتصرف، لقيته ركن مفاتيحه على الترابيزة ببطء، ووقف قدام أمه بوش خالي من أي تعبير، وقال بهدوء مخيف فضحتك؟ يا أمي، إحنا اللي فضحناكي ولا إنتي اللي حطيتي نفسك في الموقف ده؟ حماتي اتجننت أكتر، قربت منه وضربت الأرض بإيدها أنت كمان بتفتح بوقك يا علاء؟ دي الهانم مراتك هي اللي شحنتك، هي اللي خلتك تهرب عشان تكسفني.. أدي الأكل اللي دفعته من دمي ومن شقايا عشان أغطي غلطتكم، وكل ده بسببكم! بصيت للأطباق في الحوض اللي باينة من باب المطبخ المفتوح، وبعدين بصيت لحماتي، ولقيت نفسي لأول مرة مش خايفة.. كنت حاسة إن القناع اللي كانت لابسته قدام الضيوف وقع، وفضلت بس الحقيقة المرة. علاء ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، وقرب من أمه خطوة، وقال بنبرة صوت تقيلة يا أمي، اللي يدفع فلوس عشان يغطي غلطته، ملوش حق يلوم غير نفسه. إحنا معملناش غلط، إحنا ريحنا أعصابنا من عزومة إنتي اللي فرضتيها.. ومتقوليش إن ولادك هما السبب في فضيحته اللي إنتي خايفة منها، لأن اللي بيخاف على كرامته، مبيحطش نفسه في مواقف أكبر من طاقته. علاء ملامحه اتغيرت فجأة، الهدوء اللي كان عليه اختفى تماماً وحل محله غضب مكتوم انفجر في وش أمه. خطى خطوة ناحيتها، وصوته عليّ وهو بيشاور بإيده على الشقة اللي إحنا واقفين قدامها انتي عارفة ظروفي كويس يا أمي! لسه خارجين من مصاريف العيد ولبس العيال، والبيت ميزانيته يا دوب ماشية بالعافية.. إنتي عايزة إيه بالظبط؟ عايزة مراتي تشحت عشان تعزم أهل أختي وتعملي فيها ست الكل قدامهم؟ حماتي اتفاجئت بحدته، اتراجعت لورا خطوة ووشها بقى أحمر من الغضب والذهول تشحت؟ إيه الكلام القليل الأدب ده يا علاء؟ أنا بقولك أصول، كان المفروض تتصرفوا، الدنيا سلف ودين! علاء قاطعها بصوت أعلي ونبرة قوية خلتني أحس إن لأول مرة فيه درع بيحميني الأصول مش إنك تحطينا في موقف زي ده وتطلبي من ولاء تروح تمد إيدها لأهلها! الأصول إنك تحترمي خصوصية بيتي وظروفي، مش تيجي تفرضي عزومة 35 فرد في يوم وليلة وتطلبي مني أتدين عشان شوية منظرة فارغة! ساد صمت رهيب في الطرقة، وصوت أنفاس علاء العالية كان مسموع. حماتي كانت بتبص له بصدمة، مش مصدقة إن ابنها اللي كان دايماً بيسمع الكلام وقف قدامها بالشجاعة دي وواجهها بالحقيقة اللي هي كانت بتحاول تهرب منها. بصيت لعلاء، كان عروق رقبته بارزة من كتر العصبية، وبعدين التفت لأمه وكمل وهو بيشاور على باب شقتنا أنا آسف يا أمي، بس العزومات اللي بتتعمل على حساب بيتي وكرامتي وضغط مراتي، ماليش فيها. وياريت الموضوع ده يتقفل هنا، لإن لو اتكرر، أنا مش هسكت. علاء ما أداهاش فرصة ترد، كمل كلامه بنفس النبرة الحادة اللي كانت بتزلزل الطرقة، وصوابعه بتشاور بغضب ناحية المطبخ وبعدين يا أمي، إنتي كان معاكي فلوس، ودفعتيها وطلبتي دليفري وعملتي العزومة! الفلوس دي والأكل ده، ليه ما طلعوش من الأول؟ ليه اعتبرتي إن مراتي خدامة، وإن ده واجبها المفروض تعمله غصب عنها؟ وليه اعتبرتيني بنك مفروض ياخد من لقمة عياله ويدفع عشان منظرة قدام الناس؟ اخد نَفَس عميق وكمل وعيونه مليانة عتاب إنتي مش فقيرة يا أمي، ومعاش بابا ربنا يبارك فيه كبير، ومستورة والحمد لله.. ليه قررتي تضغطي علينا إحنا؟ ليه قررتي إن كرامتك تترفع على حساب تعبنا وميزانية بيتي اللي دوبها مكفية؟ أنا مش صغير عشان تتصرفي في بيتي من ورا ضهري، ولا مراتي هي الخزانة اللي تفتحيها وقت ما تحبي. حماتي وقفت مذهولة، وشها جمد تماماً، وكأن كلامه كان صاعقة نزلت عليها. حاولت تفتح بوقها عشان ترد أو تبرر، بس الكلمات خانتها، لأن علاء واجهها بالحقيقة اللي كانت بتداريها ورا سلطة الأم. بصيت لعلاء وهو بيشدني من إيدي عشان ندخل الشقة، قبل ما يلتفت لها مرة أخيرة ويقول بنبرة حازمة يا ريت يا أمي تفهمي إن بيتي ده ليه خصوصية، وأنا وولاء شركاء، مش تابعين لأوامر حد. اللي حصل النهاردة ده آخر مرة يحصل فيه تجاوز في حقنا. دخلنا الشقة وقفل الباب ورا ظهره، سمعت صوت خبط خفيف على الباب بعدها، بس علاء ما اتحركش، وفضل واقف في الصالة، باصص لي ومستني أشوف رد فعلي بعد العاصفة اللي لمحة نيوز هو عملها. حماتي دخلت شقتها وهي بتجر أذيال الخيبة، قفلت الباب بهدوء مريب، مكنش فيه لا زعيق ولا خبط، كأن المواجهة اللي حصلت بره خمدت النار اللي كانت جواها وبدأت تسيب مكانها ل تأنيب الضمير اللي حاولت تهرب منه طول اليوم. قعدت على الكرسي الهزاز بتاعها، وطلعت الموبايل وهي إيديها لسه بتترعش، اتصلت ببنتها ميادة. أول ما ردت، حماتي بدأت تحكي لها اللي حصل، وهي بتدور على كلمة مواساة أو حد يأكد لها إنها مظلومة. لكن رد ميادة كان صدمة تانية تضاف لصدمة ابنها، ميادة قالت لها بصوت هادي بس كان فيه لوم واضح يا ماما، بصراحة أنا مستغربة.. إزاي تعملي عزومة مفاجأة زي دي؟ على الأقل كان ممكن تسيبيني أجيلك من كام يوم ونجهزها سوا، مش ترمي الحمل كله على ولاء. سكتت ميادة ثواني وبعدين كملت بوضوح يا ماما ولاء مش ملزمة بأهل جوزى ، ده بيتهم وهما حرين فيه، ولاء زي أختي وأنا مش هقبل إنك تضغطي عليها وتعملي مشاكل بينها وبين علاء عشان عزومة كان ممكن تترتب بذكاء أكتر من كده. الكلام وقع على ودن حماتي كأنه مية متلجة. لأول مرة، مفيش حد واقف في صفها، ولا ابنها ولا بنتها. سكتت حماتي ومردتش، اكتفت بإنها تقفل المكالمة، وقعدت لوحدها في الصالة الضلمة، باصة للفراغ، وهي بتفتكر نظرة علاء وهو بيواجهها، وكلام ميادة اللي كشف لها إنها المرة دي زودتها بجد. تاني يوم الصبح، صحيت وأنا لسه حاسة برواسب مبارح، خايفة أفتح باب الشقة وألاقي حماتي واقفة بنفس نظرات الغضب. لكن لما خرجت عشان أوصل العيال للمدرسة، لقيت حماتي طالعة من شقتها عادي جداً، لابسة ومستعدة وكأن مفيش أي حاجة حصلت. ابتسمت لي بفتور، وقالت بصوت هادي صباح الخير يا ولاء، الولاد ناموا كويس؟ رديت عليها باستغراب وأنا بحاول أداري ارتباكي صباح النور يا طنط.. الحمد لله، ناموا كويسين. بعدها بساعة، لقيت ميادة بتتصل بيا، وفتحت الكلام بتهريج وضحك وكأن امبارح ده مجرد حلم وحش وعدى. اتكلمنا في تفاصيل البيت والعيال، ومع الوقت، بدأت نبرة الكلام تتغير وتدخل في العتاب الرقيق. ميادة قالتلي بصوت كله ود بصي يا ولاء، أنا عارفة إن امبارح كان يوم تقيل عليكم، وعارفة إن ماما اندفعت شوية في موضوع العزومة.. بس أنتي عارفة هي غصب عنها، بتحب اللمة وبتحب تتباهى ببيتها. رديت عليها بصراحة يا ميادة، أنا مكنش عندي مشكلة في اللمة، بس الطريقة هي اللي كانت صعبة. ميادة كملت معاكي حق، وماما بدأت تفهم ده. هي النهاردة كانت بتكلمني وبتقول إنها مكانش قصدها تضغط عليكم، وأنتم كمان عصبتوا عليها بزيادة شوية. في الوقت ده، علاء كان داخل الصالة، سمع جزء من المكالمة، أخد الموبايل مني وقال لميادة إحنا مش عايزين مشاكل يا ميادة، بس اللي حصل امبارح كان لازم يحصل عشان كل واحد يعرف حدوده. لو ماما عايزة تصفي القلوب، الباب مفتوح، وإحنا بنحبها، بس بيتي له حرمته. بعد المكالمة، علاء قعد معايا، وأخدنا نفس عميق. كان واضح إن حماتي قررت تفتح صفحة جديدة، مش عن حب، لكن لأنها أدركت إن الصدام المباشر مش في صالحها. العتاب كان ضروري، وقررنا إننا هنحاول نعدي المرحلة دي، بس بشروطنا الخاصة وبحدود واضحة المرة دي. قعدنا كلنا مع بعض في صالة بيت حماتي، الجو كان لسه مشحون بشوية توتر، بس رغبة الكل في إن المية ترجع لمجاريها كانت واضحة. حماتي كانت قاعدة بهدوء، وميادة كانت بتلعب مع الولاد عشان تكسر الجليد. علاء بدأ الكلام، بص لأمه بنظرة هادية خالية من أي عصبية وقال يا أمي، إحنا مش عايزين نقطع بعض، ولا عايزين نعيش في نكد. إنتي عارفة غلاوتك عندي، بس بيتي له حرمته، وأنا وعلاقتي بمراتي لازم تبقى خط أحمر عشان نقدر نفضل كويسين. حماتي هزت رأسها وهي بتنزل عينيها في الأرض، وبصوت خافت قالت أنا عارفة إني اندفعت، ويمكن اتصرفت من غير تفكير في ضغوطكم. كنت عايزة أبيض وشي قدام الناس، مكنش قصدي أهين ولاء أو أضغط عليكم. أنا مسكت إيدها وقلت لها بصوت رقيق يا طنط، احنا مش زعلانين منك، كل اللي بنتمناه إننا نفضل عيلة واحدة متفاهمة. لو أي حاجة محتاجاها، أو عزومة حابة تعمليها، قولي لنا قبليها بوقفتها عشان نكون مستعدين ونشاركك ونشرفك. حماتي ابتسمت ابتسامة صادقة لأول مرة من أيام، وقالت خلاص، اللي حصل حصل، وأنا اتعلمت الدرس. اعتبروا اللي فات مات. الدنيا رجعت كأنها ما حصلش فيها حاجة، حماتي قامت دخلت المطبخ تجهز لنا كوبايتين شاي، وطلعت معاهم بسكويت كانت هي اللي عاملاه، وقعدنا كلنا بنضحك ونتكلم في أمور عادية زي ما كنا قبل الأزمة. علاء كان باصص لي ومبتسم، حاسس إنه أخد قراره الصح في الوقت الصح، وحسيت أنا كمان إن التمرد كان بداية لطريق جديد قايم على الاحترام المتبادل. تمت