أختي أخدت تحويشة بنتي اللي عندها 7 سنين عشان تشتري هدايا غالية لولادها... ولسه عندها الجرأة تقول لها: "هما أولى منك" الجزء الأول — ولاد خالتك أولى بالحاجات دي منك. دي كانت الجملة اللي قالتها أختي لبنتي الصغيرة اللي عندها سبع سنين وهي بتاخد منها البرطمان اللي كانت حوشّت فيه كل فلوسها. أنا ماكنتش أعرف ساعتها. ولو كنت عرفت، العزومة العائلية دي ماكنتش هتعدي بالضحك المزيف والكلام المعسول، ولا كانت أختي هتقف قدام الكل وكأنها أكرم ست في الدنيا. قبلها بأسبوع، بدأت ألاحظ إن سلمى متغيرة. بنتي اللي طول عمرها رغّاية وما بتسكتش، بقت هادية بشكل غريب. كانت ماشية في البيت شايلة برطمان التحويشة وحاضناه كأن حد هيخطفه منها في أي لحظة. افتكرت إنها مجرد مرحلة أطفال. ساعات بيتعلقوا بلعبة أو دمية أو حتى حجر صغير. لكن عمري ما تخيلت إن حد من عيلتي نفسها يكون خوّفها بالشكل ده. يوم الجمعة رحنا بيت أمي وأبويا عشان اللمة الأسبوعية. جوزي أحمد كان شايل صينية رز، وأنا ماسكة كيس فيه عصاير وحاجات للعشا. ريحة الفحم والكفتة المشوية والسلطات المالية المكان كله. وكل حاجة كانت باينة طبيعية... لحد ما شفت أختي منى واقفة جنب السفرة وحواليها أكياس هدايا شيك كتير. منى طول عمرها بتحب تعمل شو وتلفت الأنظار، لكن اليوم ده كانت عاملة نفسها نجمة حفلة. سقفت بإيديها بصوت عالي وقالت: — يا جماعة، قبل ما ناكل عندي مفاجآت صغيرة ليكم. الكل اتجمع حواليها، وأنا استغربت. من شهر واحد بس، كانت منى بتكلمني وهي بتعيط، بتقول إنها مش قادرة تدفع فاتورة الكهربا ولا مصاريف المدرسة ولا قسط العربية. وفجأة بقت واقفة توزع هدايا غالية كأنها كسبت جايزة كبيرة. أول حاجة طلعتها كانت كوتشي ماركة معروف لابنها عمر. بعدها ادت لبنتها ملك جراب تابلت غالي جدًا فيه كيبورد وقلم إلكتروني. العيال اتلموا حوالي الهدايا، وأمي حطت إيدها على صدرها من الفرحة. — يا بنتي يا منى، إيه الكرم ده كله؟ أحمد مال عليّ وهمس: — هي جابت الفلوس دي منين؟ ما رديتش. لأني كنت مركزة مع سلمى. منى طلعت علبة صغيرة ملفوفة بورق وردي ومدتها لبنتي بابتسامة مصطنعة. — ودي لأحلى بنت أخت في الدنيا. كل العيون راحت ناحية سلمى. لكن الغريب إنها ما فرحتش. ما فتحتش الهدية. خدتها وحطتها على رجليها وبصت للأرض. قلت لها بهدوء: — افتحيها يا حبيبتي. هزت راسها بالرفض. في اللحظة دي، قلبي اتقبض. لكن منى لسه ما خلصتش. طلعت ظرف ذهبي وادته لأمي وأبويا. — ودي هدية مخصوص ليكم... يوم كامل في سبا فاخر، مساج وعناية وكل حاجة متدفعة. أمي كانت هتعيط من الفرحة، وأبويا ابتسم ابتسامة كبيرة. — إحنا فخورين بيكي يا بنتي. فخورين. بيها هي. بعدها بصتلي منى بنفس الابتسامة المستفزة اللي أعرفها من وأنا صغيرة وقالت: — وإنتِ يا نادية؟ جبتِ إيه معاكِ؟ وفجأة المكان كله سكت. أنا أصلًا ماجبتش هدايا، لأنها بنفسها كانت باعتالي رسالة قالت فيها: "ما تجيبيش حاجة... المهم نتجمع." حسيت بنظرات الناس كلها عليّ. واحدة من قرايبنا قالت بصوت واطي: — مش دي نادية اللي دايمًا بيقولوا شغلها كويس ومرتاحين ماديًا؟ وشي ولّع من الإحراج. أما منى فكانت قاعدة مبسوطة وواضح إنها مرتبة كل حاجة من قبلها. كانت عايزة تطلع نفسها الأخت الكريمة الحنينة... وتطلعني أنا البخيلة اللي ما بتفكرش غير في نفسها. وفي وسط كل ده، سلمى كانت لسه قاعدة ساكتة، ماسكة الهدية كأنها تقيلة أوي. لسه ماكنتش أعرف الفلوس دي كلها جات منين. لكن بعد ساعات قليلة اكتشفت الحقيقة. وحاجة عمري ما كنت أتخيل إنها تحصل... ## الجزء الثاني بعد العشا، اللمة بدأت تتفض تدريجيًا. الرجالة قعدوا في البلكونة يشربوا شاي ويتابعوا الماتش، والستات دخلوا المطبخ يغسلوا المواعين ويظبطوا المكان. أنا كنت واقفة مع أمي ومنى بنرص الأطباق، وطول الوقت ده نظرات منى كانت حامية، كأنها مستنية مني أي كلمة عتاب أو سؤال عشان تفتح المزاد وتثبت للكل إنها "الأخت الأفضل". حاولت أتجنبها على قد ما أقدر، مش خوف منها، لكن عشان اليوم يعدي من غير نكد على أمي وأبويا. بس قلبي ماكانش مرتاح. شكل سلمى وبكائها الصامت، وحضنها الخايف للهدية المقفولة، كان عمال يلف في دماغي زي الدوامة. استأذنت منهم وطلعت برة المطبخ بحجة إني هشوف سلمى بتعمل إيه. دخلت الأوضة الجوانية اللي العيال كانوا بيلعبوا فيها، لقيت عمر وملك عمالين يتنططوا بالكوتشي الجديد ويجربوا القلم الإلكتروني على التابلت، وصوت ضحكهم مالي الأوضة. أما سلمى، فكانت قاعدة في ركن لوحدها، والعلبة الوردية الصغيرة لسه مقفولة زي ما هي ومحطوطة جنبها على السرير. قعدت جنبها على طرف السرير، وأخدتها في حضني. حسيت بجسمها الصغير بيكش وبيتنفض. — مالك يا قلب ماما؟ الهدية مش عاجباكي؟ منى خالتو جابتلك إيه؟ سلمى بصتلي وعيونها مليانة دموع محبوسة، شفايفها كانت بترتعش وكأنها عايزة تتكلم بس فيه خوف جواه مانعها. — مش عايزاها يا ماما... خديها رجعيها لها. أنا مش عايزة حاجة منها. — ليه بس يا حبيبتي؟ دي خالتو بتصالحك، وإنتِ كنتِ نفسك في السلسلة الفضة اللي شوفتيها الأسبوع اللي فات، يمكن تكون هي؟ افتحيها بس وشوفي. بإيد ترتعش، سلمى بدأت تقطع الورق الوردي. ولما العلبة الكرتون ظهرت وفتحتها، لقيت جواها فعلاً سلسلة فضة رقيقة جدًا، وفيها دلاية على شكل قلب. السلسلة كانت غالية، وشكلها شيك أوي. بس أول ما سلمى شافتها، انفجرت في العياط. حطت إيدها على بوقها عشان صوتها ما يطلعش والعيال ما ياخدوش بالهم، وارتصت في حضني وهي بتترعش. — مش عايزاها... دي بفلوسي أنا يا ماما! دي فلوس البرطمان بتاعي! الكلمة نزلت عليّ زي الصاعقة. دماغي وقفت عن التفكير لثواني. — فلوسك؟ فلوس إيه يا سلمى؟ فهميني بالراحة، برطمان إيه اللي بتتكلمي عنه؟ سلمى وهي بتشهق من كتر البكا، بدأت تتكلم وصوتها بيقطع قلبى: — يوم السبت اللي فات، لما خالتو منى جات لنا البيت وإنتِ كنتِ في المطبخ بتعملي القهوة... دخلت ورايا الأوضة وشافتني وأنا بطلع البرطمان من الدولاب وبأعد الفلوس اللي حوشتها من عيديّتي ومصروفي عشان أشتري العجلة. جسمي كله سقع وأنا بسمعها. كملت سلمى: — خالتو أخدت مني البرطمان وقالت لي إن عمر وملك محتاجين حاجات أهم للمدرسة، وإنهم أولى بالفلوس دي مني، عشان إنتِ وبابا معاكم فلوس كتير وتقدروا تجيبوا لي كل حاجة. قالت لي لو قولت لكِ، ربنا هيزعل مني ومشتريش العجلة خالص... وأخدت الفلوس ومشيت. أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا. الأوكسجين اتقطع عن صدري. أختي؟ شقايق عمري؟ تدخل بيت أختها، تستغفلها، وتسرق شقى وتحويشة طفلة عندها سبع سنين؟ مش بس سرقت الفلوس، دي كسرت بنتي وخوفتها، وكمان جاية بفلوس البنت تشتري هدايا وتعمل بيهم "شو" قدام العيلة كلها وتطلعني أنا البخيلة؟ الشيطان في اللحظة دي عمى عيني. قمت وقفلت باب الأوضة على العيال براحة، وطلعت الصالة. كنت ماشية مش شايفة قدامي، الدم كان بيغلي في عروقي. لقيت منى قاعدة في الصالة مع أمي، حاطة رجل على رجل، وبتشرب الشاي وبتتكلم بنبرة الفخر والتعالي بتاعتها: — أهو الواحد برضه لازم يمتع عياله ويفرح أبوه وأمه، الفلوس بتروح وتيجي يا أمي، المهم الواجب والأصول. وقفت قدامها. الظاهر إن وشي وملامحي كانوا مرعبين لدرجة إن ضحكة منى اختفت فجأة، وأمي اتعدلت في قعدتها بقلق. — في إيه يا نادية؟ وشك قالب كدة ليه؟ بصيت لمنى وقالت بصوت هادي، بس هدوء ما قبل العاصفة: — قوليلي يا منى... السلسلة الفضة اللي جوة دي، كلفتك كام؟ والكوتشي الماركة؟ والسبا الفاخر بتاع ماما وبابا؟ تمنهم كام بالظبط؟ منى لوت بوزها ورجعت لورا بنبرة مستفزة: — وإنتِ مالك يا نادية؟ بتفتشي ورايا ليه؟ هو كرمي مضايقك أوي كدة عشان جيت وإيدك فاضية؟ — كرمك؟ — صوتي بدأ يعلى، وأحمد جوزي سمع الصوت وطلع من البلكونة هو وأبويا — كرمك ده من فلوس بنتي يا حرامية! الكلمة هزت الصالة. أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وأبويا وقف وهو مبرق: — إيه الكلام الفارغ ده يا نادية؟ إنتِ اتجننتي؟ بتتهمي أختك بالسرقة؟ أحمد جه بسرعة وقف جنبي وحط إيده على كتفي يحاول يهديني: — اهدي يا نادية، في إيه؟ إيه اللي حصل؟ أنا ماكنتش سامعة حد. كنت باصة لمنى اللي وشها جاب ألوان، وعيونها بدأت تروح وتيجي في الصالة من التوتر، بس حاولت بسرعة تلبس وش الضحية. وقفت وبدأت تصرخ ودموعها تنزل في ثواني: — أنا حرامية يا نادية؟ أنا اللي جاية وفاتحة بيتي وقلبي وجايبة هدايا بآلاف الجنيهات عشان أفرحكم، تتبلي عليّ كدة؟ عشان إنتِ مابتقديش حد وبخيلة وعايزة تنكدي على العيلة؟ يا بابا شوف بنتك بتقول عليّ إيه! أبويا زعق بصوت هز الحيطة: — بس! مش عايز اسمع صوت! اتكلمي باحترام يا نادية وقولي في إيه، وإيه حكاية فلوس بنتك دي؟ شورت على الأوضة اللي فيها سلمى وقلت وأنا دموعي بتنزل من القهر: — بنتي جوة بتموت من الرعب. بنتي اللي كانت بقالها أسبوع ساكتة ومش طبيعية وماسكة برطمان تحويشتها كأنها خايفة من ضلها. منى الأسبوع اللي فات استغفلتني وأنا بعمل لها قهوة في بيتي، ودخلت ورا سلمى الأوضة، وأخدت منها برطمان فلوسها كله! الفلوس اللي البنت محوشاها قرش على قرش عشان تشتري العجلة اللي طالباها مني بقالها سنة! منى صرخت: — كدابيييين! البنت بتألف! أنا آخد فلوس عيلة؟ — سيبيني أكمل! — زعقت فيها لدرجة إنها رجعت لورا — مش بس أخدت الفلوس، دي قالت لبنت عندها سبع سنين "ولاد خالتك أولى بالحاجات دي منك"، وهددتها إنها لو اتكلمت ربنا هيزعل منها! جاية بفلوس بنتي اليتيمة اللي حوشتها، تشتري كوتشيات ماركة وجراب تابلت وتعملي سبا لأمي وأبويا عشان تطلعي إنتِ الست الكريمة وأنا البخيلة؟ ده إنتِ بجاحتك ملوش آخر! لسه عندك الجرأة تقفي قدام الكل وتقولي لها هما أولى منك؟! أحمد جوزي أول ما سمع الكلام ده، ملامحه اتقطعت غضب. بص لمنى وقال بنبرة ترعب: — الكلام ده بجد يا منى؟ إنتِ عملتِ كدة في سلمى؟ منى بدأت تتهته، الوش القوي بتاعها بدأ يتشقق: — أنا.. أنا ما سرقتش! أنا أخدتهم منها سلف.. كنت مزنوقة وقولت هعوضها.. والبنت وافقت! — وافقت؟! — صرخت فيها — طفلة عندها سبع سنين تآخدي منها برطمان فلوسها وتقولي وافقت؟ وهددتيها؟ وعملتِ بالفلوس شو وهدايا بدل ما تدفعي مصاريف بيتك اللي كنتِ بتعيطي بسببها؟ أمي قعدت على الكرسي وهي بتعيط وتلطم على وشها: — يا خيبتك يا منى.. يا كسرة نفسي فيكي يا بنتي.. بقا الهدايا دي كلها من فلوس البنت الصغيرة؟ تسرقي أختك؟ أبويا كان واقف، وشه بقا أحمر وعروقه بارزة. بص لمنى بنظرة عمري ما شوفتها في حياتي. نظرة خذلان تقطم الظهر. مشي خطوتين ناحيتها، ومسكها من دراعها بغضب: — الفلوس دي كام يا منى؟ منى كانت بتعيط وبترتعش: — كانوا.. كانوا تلاتة آلاف جنيه يا بابا.. كنت محتاجة ومحروجة أطلب من نادية.. — محروجة تطلبي منها فـ تسرقي بنتها؟ — أبويا زعق فيها، وطلع محفظته من جيبه، رمى الفلوس في وشها — خدي! خدي الفلوس اهي، غوري من وشي.. مش عايز اشوف وشك في بيتي تاني لحد ما تتعدلي وتعرفي الأصول! السلسلة والهدايا دي كلها تترد لأصحاب المحلات، والفلوس ترجع لنادية حالا! منى أخدت الفلوس وهي بتعيط من الفضيحة والإهانة، ولمت شنطتها وعيالها اللي خرجوا يجوا على صوت الزعيق وهم مش فاهمين حاجة، ومشيت تجري من البيت وهي بتبص لي بنظرة غل عمري ما هنساها. أنا ماهمنيش كل ده. جريت على الأوضة، أخدت سلمى في حضني وقعدت أعتذر لها وأبوس إيديها ورأسها. — سامحيني يا قلب ماما.. أنا أسفة إني ماخدتش بالي.. فلوسك هترجع لك، والعجلة هتكون عندك بكرة الصبح، ومحدش في الدنيا يقدر ياخد منك حاجة تاني. أحمد دخل ورايا، قعد على ركبه قدام سلمى وباس رأسها وقال لها: — طول ما أنا عايش يا سلمى، محدش يقدر يزعلك، ولا خالتو ولا غيرها. اليوم ده عدى، بس الشرخ اللي حصل في العيلة ما اتصلحش. منى مشيت وهي شايفة إني فضحتها ودمرت صورتها قدام أبويا وأمي، وأنا قفلت بيتي وبابي على نفسي وعلى بنتي، وقررت إن أختي دي مش هتدخل بيتي تاني. بس الحكاية مخلصتش هنا.. لأن منى ما سكتتش. بعد يومين بالظبط، لقيت حماتي بتكلمني في التليفون ونبرة صوتها غريبة أوي، وبتقولي: "إيه اللي أنا سمعته عنك وعن بنتك ده يا نادية؟ صحيح اللي منى بتقوله؟" عرفت ساعتها إن منى بدأت رحلة الانتقام، وإنها قررت تقلب الدنيا عليّ وتتبلى عليّ وعلى بنتي عشان تغسل وساختها قدام الناس... ## الجزء الثالث لما سمعت صوت حماتي في التليفون ونبرتها الناشفة دي، حسيت بغصة في حلقي. حماتي ست شديدة وبتحب تمشي كلامها، ومن يوم ما اتجوزت أحمد وهي بتدور لي على الغلطة، فما صدقت لقت "حكاية" تجر رِجلي فيها. أخدت نفس طويل وحاولت أبان هادية: — أهلاً يا ماما، منورة. منى قالت لكِ إيه بالظبط عشان تقولي كدة؟ — قالت لي إنك طردتيها من بيت أبوكي وفضحتيها قدام الغريب والقريب، وإنك متبلية عليها إنها أخدت فلوس من بنتك! ومش كدة وبس يا نادية، دي بتقول إنك مخلية البنت الصغيرة لسانها طويل وبتتبلى على خالتها الكبيرة، وإن أحمد جوزك وقف يتفرج على أخته وهي بتهين أختك من غير ما يحشها! ده كلام يصح برضه؟ إحنا ناس بتوع أصول وما نحبش الفضايح، والناس بدأت تتكلم! الكلام كان بينزل على وداني زي مية النار. منى مش بس بتغسل إيدها من السرقة، دي كمان بتقلب حماتي عليّ وبتلعب بلعبة "الأصول والشرف" اللي هي أبعد ما يكون عنها. — يا ماما، الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة — قلتلها وصوتي بيترعش من كتر الغيظ — أختي منى دخلت بيتي واستغفلتني وسرقت تحويشة طفلة عندها سبع سنين، وهددتها عشان ما تتكلمش. ولما واجهتها بجريرتها قدام أبويا وأمي، اعترفت بلسانها وأبويا بنفسه طردها من البيت. لو إنتِ عايزة تصدقي كلام واحدة سرقت لحمها ودمها، ده شيء يرجع لك، بس أنا ما أسمحش إن حد يجيب سيرة بنتي بكلمة وحشة. — جرى إيه يا نادية؟ إنتِ هتعلي صوتك عليّ ولا إيه؟ — حماتي زعقت في التليفون — أختك غلطت أو ما غلطتش، دي حاجة بينكم، لكن تدخلوا أحمد في مشاكلكم وتخلوا منظره وحش قدام عيلة أختك؟ أنا ابني ما يقفش الموقف ده! على العموم، أنا جاية لكم بكرة أنا وحماكِ وعم أحمد الكبير عشان نقعد ونشوف الحكاية دي، وما يصحش البيوت تتخرب بسبب برطمان فلوس وعجلة! قفلت السكة في وشي من غير ما تستنى رد. قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي على راسي، حاسة إن الدنيا كلها بتلف بيا. أنا مش ملاحقة على صدمة أختي اللي سرقت بنتي، ولا ملاحقة على البجاحة والافترا اللي هي عايشة فيه. منى بدل ما تختفي وتداري خيبتها، راحت تدور على نقطة ضعفي... ونقطة ضعفي هي بيتي واستقراري مع أحمد. بالليل، لما أحمد رجع من الشغل، كان باين عليه التعب والهم. حط مفاتيحه على الترابيزة وقعد جنبي، أخد إيدي بين إيديه وقال لي: — نادية.. أمي كلمتني في الشغل اليوم كله. بصيت له بقلق: — وقالت لك إيه؟ أحمد اتنهد تنهيدة طويلة: — منى راحت لها البيت، وقعدت تعيط وتلطم، وقالت لها إنك بتغيري منها ومن عيشتها، وإنك عملتِ التمثيلية دي كلها عشان تكسري فرحتها بالهدايا اللي جابتها لولادها. وأمي طبعاً صدقتها، وقالت لي إن عمي الحاج مصطفى جاي معانا بكرة عشان "يصالحونا" على بعض، بس بشرط.. إنك تعتذري لمنى قدام العيلة كلها! أنا قمت وقفت من مكاني كأن عقرب لدغني: — أعتذر؟! أعتذر لمين يا أحمد؟ للحرامية اللي سرقت بنتك؟ للست البجحة اللي دخلت بيتنا وخوفت سلمى وهددتها بـ ربنا؟ إنت مستوعب إنت بتقول إيه؟ لو الدنيا كلها اتقلبت، أنا مش هعتذر لها، ولو على القعدة دي، أنا مش هحضرها! أحمد قام ورايا وأخدني في حضنه وهو بيحاول يهديني: — اهدي يا نادية، والله العظيم أنا عارف الحقيقة، وعارف إن منى كدابة وحرامية وبجحة كمان. أنا ما وافقتش أمي على كلامها، وقلت لها إن منى اعترفت بلسانها قدام حمايا. بس إنتِ عارفة أمي وعمي، لو ما قعدناش ووضحنا الأمور، هيطلعونا إحنا اللي غلطانين في حق العيلة كلها. أنا عايزك تقفي قوية، وتواجهيهم بالحق، وأنا ضهرك وسندك ومش هسمح لمخلوق ييجي عليكي ولا على بنتنا. كلام أحمد طيب خاطري شوية، بس الخوف والتوتر كانوا عمالين ينهشوا فيا. نمت ليلتها وأنا بحلم بكوابيس، وبنتي سلمى كانت بتصحى في نص الليل مخضوضة وتستخبى في حضني، وتقولي: "ماما.. هي خالتو منى هتيجي تاخد العجلة الجديدة؟" تاني يوم العصر، الباب خبط. أحمد فتح، ودخلت حماتي ومعاها حمايا، ووراهم عم أحمد، الحاج مصطفى، راجل كبير له هيبة وكلمته مسموعة في العيلة كلها. وطبعاً.. كانت المفاجأة الكبيرة إن منى واقفة وراهم، ماسكة في دراع حماتي وعاملة نفسها مكسورة وجناحها مكسور، وعيونها باصة للأرض بخبث. قعدوا كلهم في الصالة، وأنا دخلت سلمى أوضتها وقفلت عليها عشان ما تشوفش الوشوش دي تاني. طلعت وقعدت جنب أحمد، والسكوت كان سيد المكان، لحد ما الحاج مصطفى اتنحنح وقال بصوته الجهوري: — جرى إيه يا جماعة؟ إحنا طول عمرنا عيلة واحدة وبيوتنا مفتوحة لبعض، إيه الكلام اللي يزعل اللي بنسمعه ده؟ نادية ومنى أخوات، والدم ما يبقاش مية. إيه حكاية السرقة والفضايح اللي اتقالت في بيت الحج أبو نادية؟ حماتي اتدخلت بسرعة وبنبرة لئيمة: — أهو يا حاج مصطفى، نادية الله يهديها مسكت في كلمة قالتها أختها بهزار مع البنت الصغيرة، وقامت عملت منها قصة ورواية، واتهمت أختها شقيقتها بالسرقة، وطردتها من بيت أبوها عشان تكسر نفسها قدام قرايبها. بصيت لحماتي ولقيت نفسي مش قادرة أسكت: — هزار يا ماما؟ لما أخت تدخل أوضة طفلة وتآخد برطمان تحويشتها اللي بقالها سنة بتجمع فيه، وتقول لها "ولاد خالتك أولى منك بالحاجات دي"، وتهددها عشان ما تتكلمش، ده يبقى هزار؟ ولما تآخد الفلوس دي تشتري بيها هدايا ومنظرة قدام العيلة، وتطلعني أنا البخيلة، ده يبقى هزار؟ منى فجأة رفعت رأسها وبدأت تعيط بنياحة مصطنعة: — والله العظيم يا حاج مصطفى أنا ما سرقت حاجة! أنا كنت بمر بظروف صعبة، ولقيت البنت بتلعب بالفلوس، فقلت لها يا سلمى يا حبيبتي خالتو محتاجة الفلوس دي سلف وهردها لك بكرة، والبنت ضحكت وأدتهملي! أنا كنت نية خيرة، وكنت جايبة لها السلسلة الفضة دي عشان أفرحها وأرد لها جزء من الفلوس بهدية حلوة! بس نادية طول عمرها بتكرهني وبتغير مني عشان أنا عيالي متفوقين في المدرسة، فاستغلت الموقف عشان تفضحني! أنا ضحكت من كتر البجاحة والذهول. الست دي بتألف فيلم سينما وهي واقفة! — بتغير منك؟ أغير منك على إيه يا منى؟ على قلة أصلك ولا على مد إيدك على فلوس عيلة؟ إنتِ اعترفتِ قدام بابا وماما، وأبويا رمى الفلوس في وشك وطردك! جاي هنا تعملي دور الضحية؟ الحاج مصطفى رفع إيده عشان يسكتنا: — بس يا بنتي إنتِ وهي. يا منى، حتى لو كان سلف، ما يصحش تآخدي فلوس من طفلة من غير إذن أمها وأبوها، ده غلط وأصولاً ما ينفعش. ويا نادية، الأخت برضه حيطة مائلة، ومهما كان دي أختك الكبيرة، وكان لازم تداري عليها وتتحل في الغرف المغلقة، مش تفضحيها قدام العيلة وتخلي سيرتكم على كل لسان. حماتي هزت رأسها تأييداً: — عليك نور يا حاج مصطفى، ده اللي أنا بقوله. نادية غلطت في حق أختها الكبيرة، ولازم دلوقتي تبوس على رأس أختها وتتأسف لها، وعشان النفوس تصفى، السلسلة الفضة تفضل مع سلمى، والموضوع ده يتقفل هنا وما يخرجش برة العتبة دي. منى بصت لي بنظرة نصر وشماتة، وكأنها بتقولي: "شفتِ؟ أنا كسبت الجولة دي." أنا حسيت إن دمي كله هرب من جسمي. بصيت لأحمد مستنية الموقف بتاعه. كنت عايزة أشوف هل جوزي، السند اللي وعدني بالدعم، هيسكت قدام ضغط أهله وعمه؟ هل هيجبرني أطأطئ رأسي للحرامية اللي كسرت بنتنا؟ أحمد كان قاعد ساكت، وشه باصص للأرض، وإيديه مكلبشة في بعضها. حماتي زعقت له: — جرى إيه يا أحمد؟ ما تنطق وتقول لمراتك تقوم تخلص الموضوع وتعتذر لأختها! ولا إنت خلاص مبقاش لك كلمة في بيتك؟ أحمد أخد نفس عميق، ورفع رأسه. بص لعمّه، وبعدين بص لأمه، ونظراته كانت حادة وصارمة لدرجة إن الصالة كلها سكتت فجأة. وقف على رجليه، وبص لمنى وقال بصوت هز الحيطة: — أنا مش هخلي مراتي تعتذر لحد. واللي المفروض يعتذر ويخرج من البيت ده وميعتبوش تاني هي منى! حماتي وقفت مصدومة: — إنت بتقول إيه يا واد إنت؟ أنت هتصغرنا قدام عمك؟ أحمد كمل وصوته بيعلى وثقته بتزيد: — يا عمي الحاج مصطفى، إنت راجل بتعرف الأصول، والرسول عليه الصلاة والسلام قال "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". منى ما أخدتش الفلوس سلف، منى دخلت بيتي في غيابي وغياب مراتي، وسرقت طفلة يتيمة الأب... أيوة، سلمى بنتي أنا بربيها، بس هي في الآخر طفلة ملهاش ذنب. منى خوفت البنت وهددتها بـ ربنا، وجاية هنا بكل بجاحة تكدب وتألف قصص عشان تطلع نفسها بريئة. أنا مراتي شريفة وست الأصول، وما غلطتش لما دافعت عن بنتها وعن بيتها. بص لمنى وكمل بغضب أعمى: — السلسلة الفضة دي هتاخديها وتغوري بيها من هنا، والـ ٣ آلاف جنيه اللي حمايا رماهم في وشك هيرجعوا لـ سلمى قرش ينطح قرش. وأقسم بالله يا منى، لو سمعت اسم نادية أو اسم بنتي على لسانك في أي مكان، أو روحتي اشتكيتي لحد تاني، أنا هعمل فيكي محضر سرقة رسمي في القسم، وهخلي الفضيحة تبقى بـ مجلدات والكل يعرف حقيقتك! منى وشها بقا أبيض زي الورقة، ووقعت في الأرض وهي بتعيط بجد المرة دي من الخوف، لأنها عارفة إن أحمد لو قال كلمة بينفذها. حماتي كانت عمالة تزعق وتلطم على صدرها من تصرف ابنها، وحمايا وعمه كانوا واقفين مبرقين ومش عارفين يقولوا إيه بعد ما أحمد حسم الموضوع بـ المحضر والقانون. الحاج مصطفى وقف وأخد عصايته وقال بنبرة أسف: — خلاص يا أبو أحمد، الكلام خلص. ابنك بيتكلم بالحق والقانون، ومنى غلطت وغلطها كبير وما يتسكتش عليه. يلا بينا نمشي، والبيوت ليها أسرارها. خرجوا كلهم من البيت، وحماتي تبص لي بنظرات كلها غل وتوعد، ومنى ماشية تجر أذيال الخيبة والفضيحة للمرة التانية، بس المرة دي قدام عيلة جوزي كلها. قعدت على الكنبة وأنا بنهج، وأحمد جه قعد جنبي وأخدني في حضنه. حسيت براحة لا توصف، بس جوايا كان فيه غصة.. أنا عارفة إن منى مش هتهدى، وإن الطعنة اللي جاية منها هتبقى أقوى بكتير، لأن الست اللي تسرق طفلة وتخرب بيت أختها، ممكن تعمل أي حاجة عشان تنتقم لشرفها اللي ضاع قدام الكل. وبالفعل، ممرش أسبوع واحد، لحد ما جالي تليفون من بابا، وصوته كان مرعوب وبيقول لي: "الحقي يا نادية.. أختك منى عملت مصيبة، والشرطة بتبحث عنكِ وعن أحمد!"... ## الجزء الرابع والأخير لما سمعت صوت بابا في التليفون وهو مخضوض وصوته بيرتعش، حسيت بركبي سابت واللقمة وقفت في زوري. — في إيه يا بابا؟ شرطة إيه اللي بتبحث عننا؟ إحنا عملنا إيه؟ — منى يا نادية.. أختك اتجننت رسمي! راحت القسم وعملت فيكي وفي أحمد محضر تزوير وسرقة وصلات أمانة! بتقول إن أحمد استغل وجودها في بيته من أسبوع، ومضاها غصب عنها تحت التهديد على وصلات أمانة بـ٥٠ ألف جنيه، وإنك إنتِ اللي خططتِ لكل ده عشان تاخدوا شقتها وتطردوها! القوة لسه كانت عندي في البيت بيسألوا عليها وعليكم عشان يلموا الموضوع، وباباها مكسور وراسه في الأرض يا بنتي.. الحقوا شوفوا هتعملوا إيه! الخط قطع، وأنا فضلت واقفة في مكاني زي التمثال. التليفون وقع من إيدي على السجادة، وعيني جت في عين أحمد اللي كان لسه قايم من على السفرة. — في إيه يا نادية؟ أبوكي ماله؟ — منى.. منى بلغت عننا في القسم يا أحمد.. بتقول إننا مضيناها على وصلات أمانة غصب عنها! الشرطة بتدور علينا! أحمد ملامحه اتقبضت، وعروق جبهته برزت بشكل يخوف. بس الغريبة إنه ما اتهزش، أخد نفس طويل وقال ببرود غريب: — كنت عارف.. كنت حاسس إن بجاحتها وقذارتها هتوصلها لكدة. الست اللي تسرق طفلة وتعيش في دور الضحية، متستبعديش منها أي مصيبة. اهدي يا نادية، البسي وعقلي بنتك، وإحنا هننزل حالا نروح القسم برجلينا.. اللي معاه الحق عينه قوية ومبيخافش. نزنا والدموع مغمية عيني. كنت ببص لسلمى اللي كانت ماسكة في إيدي ومرعوبة من شكلنا ومن النزلة المستعجلة دي. ركبنا العربية وأحمد سايق وعيونه على الطريق زي الصقر، مبيتكلمش ولا كلمة، بس الكلبشة اللي مأكلش بيها على الدريكسيون كانت بتقول إن جواه بركان هينفجر في وش الكل. وصلنا القسم، ودخلنا على مكتب رئيس المباحث. أول ما دخلنا، لقيت منى قاعدة على كرسي، وحواليها جوزها عصام اللي أول مرة يظهر في الصورة، وكان واقف وعامل فيها سبع الرجال وجاي ياخد حق مراته. منى أول ما شافتني، حطت المنديل على عيونها وبدأت تنوح بصوت عالي: — أهو يا فندم! أهو الباشا اللي مضااني على الوصلات، وأهي أختي اللي غدرت بيا وخططت لكل ده عشان تذلني وتفضحني قدام الناس! عصام جوزها زعق: — إحنا ناس بتوع أصول يا باشا، وميرضيكش إن مراتي تتثبت في بيت أختها ويتأخد توقيعها بالإكراه! إحنا عايزين حقنا والوصلات دي تتعدم حالا! الظابط بص لأحمد وبصلي بنظرة فاحصة، وبعدين خبط بالملف على المكتب وزعق: — بس! مش عايز اسمع صوت! اتفضل اقعد يا أستاذ أحمد.. إيه ردك على المحضر والكلام اللي مكتوب ده؟ مرتك وأختها بينهم مشاكل عائلية، إيه اللي دخلك تضّي ست على وصلات أمانة بـ٥٠ ألف جنيه؟ أحمد قعد بكل ثقة، وحط رجل على رجل، وبص للظابط بكل هدوء وقال له: — يا فندم، أنا راجل شغال في شركة محترمة وعمري ما دخلت قسم شرطة، والست دي أخت مراتي. الحكاية ومفيها مش وصلات أمانة.. الحكاية إن الست دي دخلت بيتي وسرقت تحويشة بنتي الصغيرة اللي عندها سبع سنين، ولما واجهناها قدام حمايا وحماتي، اعترفت بلسانها، ولما جات لي بيتي مع أهلي عشان تتبلى علينا، طردتها. الست دي جاية تعمل محضر كيدي عشان تداري على فضيحتها وعشان تجبرنا نتنازل عن تمن السرقة اللي سرقتها. عصام صرخ: — سرقة إيه وكلام فارغ إيه؟ إنت بتتبلى على مراتي عشان تداري على الوصلات؟ فين إثباتك إنها سرقت؟ الظابط بص لأحمد: — كلام جوزها مظبوط يا أستاذ أحمد. الست معاها تقرير طبي مبدئي بيقول إن فيه سحجات في إيدها، وبتقول إنك ثبتها ومضيتها.. وإنت كلامك كله عن سرقة قديمة ملهاش إثبات رسمي. فين الوصلات دي أصلاً؟ منى بتقول إن الوصلات معاك في جيبك أو في بيتك. في اللحظة دي، منى بصت لي بنظرة شماتة قاتلة، وكأنها بتقول بـ عيونها: "لبستوا القض9ية يا نادية، وهحبس جوزك وأكسر عينك." أحمد ابتسم حتة ابتسامة صغيرة، وطلع تليفونه من جيبه وحطه على مكتب الظابط. — يا فندم، أنا راجل متعلم، وبعرف القانون كويس. وعارف إن الست دي مريضة بالكدب والافترا. يوم ما جات لي البيت هي وعمي وأمي عشان يقعدوا القعدة العرفية ويجبروا مراتي تعتذر لها، أنا كنت حاسس بالشر في عيونها. فقبل ما أفتح باب الصالة وأتكلم معاهم، فتحت تسجيل الصوت في الموبايل، وسبت الموبايل على الرف جنب التلفزيون.. والتسجيل ده فيه كل تفاصيل القعدة من أول دقيقة لأخر دقيقة. منى وشها فجأة بقا أصفر زي الليمونة، وحاولت تقف: — تسجيل إيه؟ ده كداب! ده مركب صوتي! — اقعدي يا ست أنتِ ومتقاطعيش! — الظابط زعق فيها وأخد الموبايل من أحمد، وشغل التسجيل. الصوت طلع واضح في المكتب. صوت حماتي وهي بتقول: "ما تنطق يا أحمد وتقول لمراتك تقوم تخلص الموضوع وتعتذر لأختها!".. وبعدين صوت أحمد وهو بيرد بالحق.. والأهم، صوت عم أحمد الحاج مصطفى وهو بيقول بـ الحرف: "منى غلطت وغلطها كبير وما يتسكتش عليه.. تآخد فلوس من طفلة من غير إذن أمها وأبوها، ده غلط وأصولاً ما ينفعش.. يلا بينا نمشي." وبطبيعة الحال، مفيش أي سيرة لـ وصلات أمانة، ولا تهديد، ولا إكراه، بل بالعكس، التسجيل أثبت إن منى مشيت بـ رجليها ومع أهله ومن غير ما حد يلمسها! الظابط قفل التسجيل وبص لـ منى وعصام بنظرة كلها غضب وازدراء: — بقا جاية تتبلي على أختك وجوزها وتعملي محضر كيدي وتزوري تقرير طبي عشان تداري على سرقة؟ وعاملة حكاية ورواية وووصلات أمانة بـ٥٠ ألف جنيه؟ ده إنتِ ليلتك بيضا! عصام بص لـ منى بذهول وعيونه كانت هتطلع من مكانها: — يعني مفيش وصلات؟ يعني إنتِ مديتي إيدك على فلوس البنت الصغيرة بجد؟ وجرّرتيني وراكي القسم عشان أعمل سبع الرجال وأنا مضحوك عليا؟ فضحتينا وخليتي شكلي زبالة قدام الحكومة؟ منى بدأت تعيط بـ رعب حقيقي المرة دي: — يا عصام والله كنت خايفة.. كنت عايزة أرد اعتباري بعد ما نادية فضحتني قدام أبويا وأمي.. الظابط خبط على المكتب بصوت عالي: — رد اعتبار بالبلطجة والتزوير والبلاغ الكاذب؟ يا عسكري! خدهم هما الاتنين على الحجز، واعملي محضر بلاغ كاذب وتزوير في أوراق رسمية للست دي، وجوزها يتextended معاه لحد ما نشوف مشاركته في البلاغ الكاذب إيه! منى صرخت ولمت القسم عليها وهي بتقع على ركبها وتبوس على إيد الظابط: — تبوس إيدك يا باشا بلاش الحجز! أنا أسفة! يا نادية ابوس رجلك قولي لجوزك يتنازل! أنا أختك يا نادية.. لحمك ودمك! هتبّيتيني في التخشيبة؟ بصيت لها وأنا قرفانة منها ومن دموعها التماسيح دي. — لحمي ودمي؟ إنتِ نسيتي اللحم والدم لما دخلتي بيتي وسرقتي بنتي؟ نسيتي اللحم والدم لما وقفتي وسط العيلة تقولي للبنت "ولاد خالتك أولى منك"؟ نسيتي الأصول لما جيتي تتبلي على جوزي وعايزة تخربي بيتي وتحبسيه؟ إنتِ معندكيش لا أصل ولا دم يا منى.. واللي يعمل يِشيل. أحمد مسك إيدي وأخد سلمى في حضنه وبص للظابط: — إحنا تمن الفلوس بتاعة البنت رجع لنا يا فندم، وإحنا مش طالبين غير إن القانون ياخد مجراه في البلاغ الكاذب ده عشان الست دي تعرف إن الله حق، وإن بيوت الناس المحترمة مش لعبة في إيدها. خرجنا من القسم وأنا حاسة بـ حمل جبل انزاح من على صدري. الهوا البارد بتاع الليل ضرب وشي، وحسيت لأول مرة من أسبوع إني قادرة أتنفس بجد. أبويا كان مستنينا برة القسم، واقف ساند على عصايته وعيونه مليانة دموع خجل وأسف. أول ما شافنا، جه علينا وحضنّي وأخد أحمد في حضنه: — سامحوني يا ولادي.. سامحيني يا نادية يا بنتي، أنا ربيت وخلفت بس معرفتش إن الشجرة يطلع منها ثمرة خبيثة زي منى. أنا تبريت منها قدام ربنا وقدام الناس كلها، وبيتي مقفول في وشها ليوم الدين. أحمد باس رأس حمايا وقال له: — إنت فوق راسنا يا حاج، والعبد في التفكير والرب في التدبير، والمهم إن الحق ظهر والكل عرف مين الصادق ومين الكداب. رجعنا بيتنا بالليل. الأوضة كانت هادية، وريحة الأمان رجعت تملى المكان تاني. دخلت أوضة سلمى، لقيتها قاعدة على السرير، وجنبها العجلة الجديدة اللامعة اللي أحمد جابها لها الصبح، البرطمان الجديد بتاعها محطوط على الكومودينو وفيه الفلوس كاملة وزيادة عليها كمان. سلمى بصت لي بابتسامة صافية، الابتسامة الرغاية الحنينة اللي كنت عارفاها وطارت منها الأسبوع اللي فات. — ماما.. أنا كدة خلاص ربنا مش زعلان مني؟ والعجلة بتاعتي ومحدش هياخدها؟ قعدت جنبها وأخدتها في حضني وبست عيونها: — ربنا عمره ما يزعل من الشاطرين يا قلب ماما. العجلة بتاعتك والفلوس بتاعتك، وبيتك ده أمانك.. ومحدش في الدنيا كلها، مهما كان قريبه أو غريب، يقدر يمد إيده على حاجة تخصك طول ما أنا وبابا عايشين في الدنيا. أحمد دخل وقعد جنبنا، لفينا دراعاتنا حوالين بعض، وفي اللحظة دي عرفت إن الضربة اللي متموتش بتقوي. منى أخدت جزاءها، وحماتي وعيلة أحمد عرفوا إننا خط أحمر ومحدش يقدر ييجي علينا بالباطل، والأهم من كل ده.. إن بنتي رجعت لها ضحكتها، وعرفت إن الأصول مش كلام وشو وهدايا غالية بفلوس مسروقة.. الأصول هي الحق والصدق والأمان اللي بنزرعه في قلوب ولادنا. وانتهت الحكاية، والباب اتقفل على أصحابه بالخير، والشر راح لـ أصحابه يربيهم من جديد.