رجعت من المستشفى من غير رجل، ومستنية سند عيلتي... لكن مرات ابني زقت العكازة من تحتي ووقعتني على الأرض وقالت: "إنتِ مبقتيش ست البيت هنا". واللي عمله ابني بعدها كسر قلبي بجد. الجزء الأول — قومي لوحدك يا أم أحمد... كفاية الحمل اللي إنتِ عاملاه علينا. دي كانت أول كلمة سمعتها من مرات ابني "منى" أول ما رجعت بيتي بعد ما فقدت رجلي. أنا عندي 67 سنة، وكنت فاكرة إن أصعب حاجة عدت خلاص: الحادثة، والعربية الإسعاف، والعملية، ولما فوقت في المستشفى وبصيت للمكان الفاضي اللي كانت فيه رجلي اليمين. لكن طلعت غلطانة. أصعب حاجة ما كانتش إني فقدت جزء من جسمي... أصعب حاجة إني اكتشفت إن في بيتي ناس مستعدين ياخدوا مني آخر حاجة فاضلة ليا... كرامتي. أحمد، ابني الوحيد، كان قاعد على الكنبة ومسك الموبايل. حتى ما قامش لما دخلت متسندة على العكازة. أما منى، فقربت مني فعلًا... لكن مش علشان تساعدني. وقفت تبصلي بابتسامة مستفزة كأن وجعي مضايقها. وقالت: — ما تبتديش بقى تمثيلك... الدكتور قال إنك تقدري تتحركي. حاولت أعدي من جنبها علشان أوصل أوضتي. ضهري كان مولع نار، ومكان العملية بيوجعني، وكل خطوة كانت بالعافية. وفجأة... حسيت بخبطة قوية. منى ضربت العكازة برجليها. وقعت على الأرض. الألم شق جسمي كله... لكن اللي كسرني بجد إني سمعت ضحكة أحمد. وقال وهو لسه قاعد مكانه: — يا ماما... ما تكبريش الموضوع أوي. فضلت مرمية على الأرض، بحاول أخد نفسي. منى قربت مني شوية. افتكرتها هتمد إيدها تساعدني. لكنها واطية على ودني وهمست: — إنتِ مبقتيش ست البيت هنا... ولازم تفهمي ده كويس. في اللحظة دي... باب الشقة اتفتح بعنف. كانت أم حسن، جارتنا من أكتر من عشرين سنة. دخلت وشها أصفر من الصدمة. وأول ما شافتني على الأرض صرخت: — إنتوا بتعملوا إيه؟! دي لسه طالعة من المستشفى! أحمد قام بسرعة واتوتر. وقال: — هي اللي وقعت لوحدها. أم حسن ساعدتني أقعد. وبعدين بصت لمنى بنظرة عمري ما شوفتها منها قبل كده. وقالت: — يا أم أحمد... لازم أحكيلك على حاجة. منى اتغير لونها. وقالت بعصبية: — أم حسن... خليكي في حالك. لكن أم حسن كملت كلامها. مسكت إيدي وقالت بصوت واطي: — يوم الحادثة، بعد ما الإسعاف أخدتك، شفت منى داخلة أوضتك. قلبي دق بسرعة. وقالت: — طلعت شوية أوراق وفلوس وملف أزرق... وبعدها خرجت البلكونة وحرقت حاجة. حسيت الدم بيتجمد في عروقي. وسألتها: — أوراق إيه؟ بصت لأحمد قبل ما ترد. وقالت: — وشفت كمان راجل غريب داخل البيت. مش من قرايبكم. منى كانت مستنياه. وقفوا يتكلموا شوية... وسمعت جملة لحد النهارده مش قادرة أنساها. منى رجعت لورا خطوة. وقالت بصوت عالي: — كدب! لكن أم حسن ردت بثبات: — الراجل قال: "العجوزة عمرها ما هترجع زي الأول." الصمت نزل على الشقة كلها. بصيت لمنى... وبعدين بصيت لابني. أحمد ما كانش شكله متفاجئ. كان شكله خايف. وفي اللحظة دي... بدأت أفكر إن الحادثة يمكن ما كانتش حادثة أصلًا. لكن اللي ما كنتش أعرفه... إن اللي هكتشفه بالليل هيكون أبشع بكتير من كل اللي سمعته. ## الجزء الثاني أم حسن مشيت بعد ما رمت القنبلة دي في نص الصالة، وسابت وراها نار قايدة في قلبي. أحمد قفل الباب وراها بسرعة، ووشه كان جايب ألوان، باصص في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. أما منى، فكانت واقفة تنهج، وعينيها بتلف في الصالة زي الديب المحبوس، وبتحاول تلملم شتات نفسها بعد ما اتفضحت. نزلت دموعي حامية على خدي، مش من وجع جسمي ولا من قهرتي وأنا مرمية على الأرض، لأ... الدموع دي كانت دموع الصدمة في ابن عمري، اللي ساب مراته تمد إيدها عليا وتوقعني، والظاهر كده إنه عارف بلاوي تانية تشيب الراس. سندت على الكنبة بكل قوتي، ورفعت نفسي بالعافية وأنا بصرخ فيهم بصوت مبحوح من الوجع: — شيلوني... رجعوني أوضتي! أحمد جه يجري عليا، وشه باين عليه الندم بس ندم ممزوج بالخوف، مسكني من إيدي وقال بصوت واطي وهو بيترعش: — تعالي يا أمي.. تعالي هسندك. لكن منى زعقت فيه بغل: — سيبها! هي مش كانت بتدلع وعايزة تعمل شو قدام الست أم حسن؟ خليها تقوم لوحدها بقى عشان تعرف إن زمان أول تحول، والبيت ده خلاص مبقاش بتاعها! بصيت لأحمد ومستنية يزعق، مستنية يضربها، مستنية ياخد بحق أمه اللي اتهانت في بيتها اللي بنته بطوبة طوبة من شقا عمرها وعمر أبوه الله يرحمه. لكن أحمد وطى راسه وخدني من تحت باطي وسندني من سكات، ودخلني الأوضة وقفل الباب وراه بسرعة من غير ما ينطق كلمة واحدة في حق مراته. قعدت على السرير، وجع عمليتي كان هيموتني، بس وجع قلبي كان أشد. بصيت لأحمد وهو واقف جنب الباب زي العيل المغلطان، وسألته بصوت مكسور: — الملف الأزرق ده فيه إيه يا أحمد؟ ومين الراجل اللي دخل بيتي وأنا بيموت في المستشفى؟ إنت عارف حاجة؟ رد عليا يا ابن بطني! أحمد بلع ريقه وبص يمين وشمال، وفرك إيديه ببعض وقال بتلعثم: — يا ماما... أم حسن ست خرفة وبتحب تعمل مشاكل وتألف قصص. مفيش ملفات ومفيش رجالة دخلت. إنتِ بس تعبانة من تأثير البنج والعملية وبيتهيألك حاجات. ارتاحي دلوقتي وكل حاجة هتبقى تمام. وسابني وخرج قبل ما أرد عليه، وقفل الباب وراه. الساعات مرت عليا في الأوضة دي وكأنها سنين. الدنيا ضلمت، والليل جه، وجاب معاه هدوء مرعب في الشقة. كنت قاعدة في الضلمة، مش عايزة أولع النور، دموعي نشفت وحل محلها خوف وتفكير مش ملاحقة عليه. الملف الأزرق... افتكرت! ده الملف اللي فيه عقد الشقة، وعقد المحل اللي سابهولي جوزي الله يرحمه، وشوية دهب كنت شايلاهم للزمن تحت مرتبة السرير. حسيت برعب هز طولي. حطيت إيدي تحت المرتبة بالراحة وبقيت أدور... أدور... ومفيش! المكان فاضي! الذهب اختفى، والملف اللي كان متشال في الدولاب ورا الهدوم ملوش أثر. عرفت ساعتها إن أم حسن ما بتخرفش. إن فيه مصيبة سودا بتحصل من ورا ضهري، وإن ابني يا إما شريك فيها، يا إما مغمى عينيه ومساق ورا مراته زي الأعمى. على الساعة اتنين بالليل، والشقة هسس ومفيش فيها صوت، سمعت خروشة برة الأوضة. حركت جسمي بالراحة خالص، ومسكت العكازة من غير ما أعمل أي صوت، وابتديت أتسحب على رجلي الواحدة وأنا سانة ضهري على الحيطة لحد ما وصلت لباب الأوضة. فتحت الباب سنة صغيرة... خرم إبرة بس أشوف منه الصالة. الصالة كانت ضلمة، بس كان فيه نور خفيف جاي من المطبخ، وصوت همس واطي جداً. اتسحبت أكتر لحد ما بقيت قريبة من المطبخ، وبقيت سامعة كل كلمة بتتقال بوضوح. كانت منى وأحمد واقفين بيتكلموا بصوت شبه مسموع. منى كانت بتقول بغضب مكتوم: — بقولك إيه يا أحمد، متبقاش خيبان وخوفك ده هيضيعنا! أم حسن شافتني وأنا بحرق العقد القديم، والراجل المحامي استلم مننا التنازل الجديد اللي عليه بصمتها وهي غايبة عن الوعي في العناية المركزة. يعني الشقة والمحل بقوا بتوعنا رسمي وقانوني! أحمد رد عليها وصوته كان بيرتعش من الخوف: — يا منى بس أم حسن لو اتكلمت وقالت إن فيه راجل دخل، والمحكمة شكت في البصمة، هنروح في داهية! دي أمي برضه، وأنا قلبي واجعني عليها بعد اللي حصلها في الحادثة... ضحكت منى ضحكة صفرا خبيثة وقالتله: — قلبك واجعك؟ هههه، ما تنساش يا حيلتها إن الحادثة دي هي اللي ريحتنا وخليتها تمضي وهي مش حاسة بالدنيا. لولا سواق الميكروباص اللي إدينا له القرشين عشان يزنق عليها بالعربية وهي تعدي الشارع، ما كناش هنعرف ناخد منها العقود ولا نلوي دراعها! دبرنا كل حاجة ونجحنا، جايلك قلب تضعف دلوقتي وتضيع شقا عمرنا اللي خبيناه؟ في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا. حسيت إن الأرض بتهتز تحتيا، والنفس اتكتم في صدري. الحادثة... ما كانتش حادثة! ابني... ابني الوحيد اللي كبرته وعلمته وجوزته من شقايا، اتفق مع مراته عشان يموتوني أو يعجزوني؟ دفعوا فلوس لسواق عشان يخبطني بالعربية عشان ياخدوا الشقة والمحل؟ جسمي كله ساب، ومبقتش قادرة أقف على رجلي التانية. العكازة أفلتت من إيدي وخبطت في الأرض بعنف، وأنا وقعت على ركبي وصرخت صرخة طلعت من جحيم قلبي: — ياااااا رب!! يااااا رب ارحمني! الصوت هز الشقة. أحمد ومنى جريوا من المطبخ وهما مخضوضين. أول ما شافوني مرمية على الأرض وسامعة كل حاجة، وش أحمد بقى أبيض كأنه ميت، ووقع على ركبه قدامي وبدأ يعيط ويقول: — يا ماما... والله العظيم ما كان قصدي أموتك! هي اللي قالتلي هنخوفها بس عشان ترضي تكتب لنا البيت! والله العظيم أنا بحبك يا أمي! أما منى، فملامحها اتغيرت وبقت زي الشيطان. قربت مني وبصتلي بكل جبروت، وزقت أحمد في كتفه وقالتله: — قوم يا خايب! طالما عرفت يبقى خلاص، اللعب بقى على المكشوف! بصتلي وقالت بنبرة كلها تهديد ووعيد: — اه يا حماتي... إحنا اللي عملنا كده. وبصمتك الجميلة منورة على عقد بيع الشقة والمحل. ودلوقتي إنتِ ست عاجزة، برجل واحدة، مالكيش أي قيمة ولا تقدري تعملي أي حاجة. لو فتحتي بقك أو حاولتي تشتكينا، هنرميكي في دار مسنين ومحدش هيسأل فيكي، وهيقولوا ست خرفت بعد الحادثة. البيت ده مبقاش بيتك، وإنتِ هنا مجرد ضيفة لحد ما نموتك بالبطيء! بصيت لأحمد ومستنياه ينطق، مستنياه يدافع عني، لكنه كان قاعد في الأرض بيعيط زي الحريم وساكت، مسلم لمراته كل حاجة. في اللحظة دي، وسط الدموع والكسرة والوجع اللي ملوش آخر، حسيت بقوة غريبة بتدخل قلبي. القوة دي مش من جسمي، دي قوة من عند ربنا. بصيت لمنى ولقطت عيني في عينها، وقولت بصوت قوي، ثابت، هز جدران الأوضة: — البيت ده بيتي... واللي خلقني وخلقكم مش هيسيب حقي. إنتوا فاكرين إنكم كسرتم رجلي فبقت عاجزة؟ لأ... أنا لسه فيا نفس، وربنا حي مش بيموت. رميت نظرة أخيرة على أحمد، نظرة كانت بمثابة إعلان وفاته في قلبي، وقولتله: — خسارة فيك اللقمة اللي طفحتها لك من شقايا يا أحمد. من الساعات دي، إنت مش ابني، وأنا خصيمتك ليوم الدين قدام ربنا. منى ضحكت وقالت: — وريني بقى هتعملي إيه يا ست العريفة! وريني مين هيصدقك ومين هيقف معاكي! الليل عدا وأنا نايمة في الأرض في الصالة، محدش فيهم هان عليه يشيلني أو يسندني. منى دخلت نامت وأحمد دخل وراها يقفل على نفسه وهو بيبكي في صمت. فضلت باصة للسقف، وجع رجلي المبتورة كان بيصرخ، بس عقلي كان شغال زي الساعة. مش هستسلم. مش هسيب حقي للي حاولوا يموتوني وسرقوا شقا عمري. أول ما الشمس بدأت تطلع ونور ربنا ملى الشقة، سمعت حركة خفيفة برة الباب. كان صوت كنس في السلم... ده صوت مقشة أم حسن جارتي! الست دي بتصحي كل يوم الساعة ستة الصبح تكنس قدام شقتها. استجمعت كل قوتي، وزحفت على بطني وعلى إيديا ورجلي الواحدة لحد ما وصلت لباب الشقة. رفعت إيدي بالعافية وبدأت أخبط على الباب بكل ما أوتيت من عزم وأنا بنادي بصوت مخنوق: — أم حسن... الحقيني يا أم حسن! الصوت كان واطي، بس الجار الوفي بيبقى قلبه حاسس. سمعت صوت المقشة وقع على الأرض، وخطوات أم حسن بتجري على بابي. — أم أحمد؟ إنتِ بتنادي يا حبيبتي؟ مالك؟ فيكِ إيه؟ قولت لها والدموع مغرقة وشي: — افتحي الباب يا أم حسن.. السلسة مش محطوطة، لفي المفتاح وافتحي الحقيني! أم حسن فتحت الباب بسرعة، وأول ما شافتني مرمية على الأرض بالمنظر ده، صرخت وحطت إيدها على بوقها: — يا مصيبتي! إيه اللي عمل فيكِ كده؟ فين أحمد؟ فين الزفتة مراته؟ مسكت في جلابيتها وقولت لها وعيني بتلمع بشرر: — وطي صوتك يا أم حسن مش عايزة حد يحس بينا... اسمعيني كويس، أحمد ومنى هما اللي عملوا فيا الحادثة، وسرقوا عقودي وبصموني وأنا غايبة عن الوعي. أنا محتاجة موبايلك حالا.. ومحتاجة تروحي تجيبي لي حد... حد هما مش هيموتوا من الخوف منه وبس، ده هيوديهم ورا الشمس! أم حسن بصتلي والغل ملى عينيها وقالت: — قوليلي مين وأنا أطير أجيبهولك حالا، الشياطين دول لازم يتربوا! قولت لها والابتسامة بدأت تترسم على وشي رغم الوجع: — كلمي.. ## الجزء الثالث — كلمي "حسين"، ابن أختي المغترب اللي لسه راجع من السفر الأسبوع اللي فات. حسين شغال مستشار في النيابة يا أم حسن، وهو الوحيد اللي هيعرف يرجع لي حقي بالقانون من الحرامية دول من غير ما يلمحوا ليهم أثر. وكمان هاتي لي تليفونك أكلم حد تاني. أم حسن عينيها لمعت ببريق أمل، وطلعت الموبايل بسرعة من جيب جلابيتها وادتهوني وهي بتقول بصوت واطي وبتتلفت حواليها: — خدي يا حبيبتي، كلمي اللي إنتِ عايزاه وأنا هطير على بيت أختك أجيب حسين وآجي، مش هأخر عليكي، دقيقتين وهتلاقيني هنا. خدت منها الموبايل وإيد بيترعش، وطلبت رقم كنت حافظاه زي اسمي، رقم "حج مجدي" المحامي القديم بتاع جوزي الله يرحمه، الراجل ده هو اللي كاتب العقد الأصلي بتاع الشقة والمحل، وعنده نسخة تانية متشالة في مكتبه من سنين. رد الحج مجدي وصوته كله نوم: — ألو.. مين معايا؟ قولتله وصوتي مخنوق بالدموع: — أنا أم أحمد يا حج مجدي.. الحقني، أنا بتموت وبيتي بيتسرق مني. الراجل فاق فجأة وصوته اتغير: — لا حول ولا قوة إلا بالله! أم أحمد؟ حمد الله على سلامتك يا أختي، أنا عرفت بالحادثة وكنت جاي أزورك النهارده.. مالك؟ إيه اللي حصل؟ حكيت له في دقيقتين الملخص المفيد، قولتله إن أحمد ومنى بصموني وأنا في العناية، وإنهم غيروا العقود، وإن الحادثة مكنتش قضاء وقدر. الراجل صرخ من الصدمة وقال: — نهارهم مش فايت! البصمة على عقود بيع والشخص غايب عن الوعي في المستشفى دي تزوير وجناية توديهم في داهية! أنا ربع ساعة بالكتير وهكون عندك ومعايا نسخة العقود الأصلية المسجلة، متخافيش يا أم أحمد، حقك في رقبتي. قفلت السكة ومسحت دموعي، ورجعت الموبايل لأم حسن اللي كانت واقفة مستنية، وهزت راسها وطارت على السلم عشان تجيب حسين ابن أختي. قفلت الباب بالراحة وزحفت تاني لحد ما قعدت في ركن الصالة، ساندة ضهري على الحيطة ومستنية المعركة اللي هتبدأ كمان شوية. على الساعة سبعة ونص الصبح، باب أوضة أحمد اتفتح. خرجت منى وهي بتمط في جسمها وبتتثاءب بكل برود، وأول ما عينيها جت عليا وأنا قاعدة في الأرض، ضحكت بسخرية وقالت: — يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إنتِ لسه صاحية وقاعدة في الأرض زي العمل الردي كده؟ ما قولتلك خلاص، الشو ده مبقاش يأكل معانا عيش، قومي ادخلي أوضتك مش عايزين كآبة على الصبح. في اللحظة دي خرج أحمد وراها، وشه كان باهت وهالات سودا تحت عينيه، باصلي بنظرة كلها انكسار وخزي، ومقربش مني ولا نطق. بصيت لمنى وقولتلها بمنتهى الثبات والهدوء اللي في الدنيا: — البيت ده بيتي يا منى، والقعدة دي قعدتي، واللي يضايق من وجودي الباب يفوت جمل. منى برقت عينيها وحطت إيدها في وسطها وقالت بشر: — لأ ده إنتِ لسه بجحة بقى ومش عايزة تجيبيها لبر! أحمد.. شيل أمك دي ارميها جوه الأوضة واقفل عليها، مش ناقصين قرف على الصبح! أحمد خطى خطوة ناحيتي وهو متردد، ولسه بيمد إيده عشان يشيلني، فجأة الباب اتفتح بعنف، ودخل منه إعصار! دخل حسين ابن أختي، بطوله وهيبته اللي تخوف، ولابس بدلة رسمية وعينيه بتقدح شرار، ووراه الحج مجدي المحامي ماسك في إيده ملف أسود، ومعاهم أم حسن وعسكريين شرطة من برة الباب! أحمد رجع لورا تلات خطوات وشه اتخطف، ومنى إيدها نزلت في جنبها والابتسامة اتمسحت من على وشها تمامًا. حسين جرى عليا ونزل على ركبه في الأرض، أخدني في حضنه وهو بيقول بصوت كله حنان ووجع: — خالتي! يا حبيبتي يا خالتي.. إيه اللي عملوا فيكِ ده؟ حقك عليا، أنا جيت خلاص ومحدش يقدر يمس شعرة منك. بصيت لحسين ودموعي نزلت، وشاورت على أحمد ومنى وقولتله: — دول اللي دبروا الحادثة يا حسين.. دول اللي سرقوا عقود الشقة والمحل وبصموني وأنا بين الحياة والموت في المستشفى.. دول اللي رمتني في الأرض وقالتلي متبقيش ست البيت هنا. حسين وقف طوله، وبص لأحمد ومنى بنظرة خلت ركبهم تخبط في بعضها. التفت للحج مجدي وقال بصوت جهوري: — اتفضل يا حج مجدي، قولنا الموقف القانوني إيه بالظبط. الحج مجدي فتح الملف الأسود وطلع منه العقود الأصلية وقال بثقة: — دي العقود الأصلية المسجلة في الشهر العقاري باسم الحجة أم أحمد من أكتر من خمس بؤبؤ عينيها. وأي عقد تاني مع الأستاذ أحمد أو مراته يعتبر باطل ومزور، لأننا معانا شهادة رسمية من المستشفى وتوقيتات العناية المركزة تثبت إن الحجة كانت فاقدة للوعي تمامًا في اليوم اللي هما بيدعوا إنها بصمت فيه! يعني تزوير في أوراق رسمية، واستغلال حالة مريض. منى حاولت تتشطر وتصرخ وقالت: — إنتوا داخلين تتهجموا علينا في بيتنا ولا إيه؟ البيت ده بتاع جوزي بأوراق رسمية والمحامي بتاعنا معاه العقود! حسين ضحك ضحكة مكتومة كلها سخرية وقال لها: — المحامي بتاعكم؟ قصدك الأستاذ رأفت اللي برضه اتقبض عليه من نص ساعة بتهمة الاشتراك في تزوير عقود؟ أحمد أول ما سمع الجملة دي، وقع على الكنبة وصوته طلع بالعياط: — يالهوي.. ضيعتينا يا منى! ودتيني في داهية! أنا قولتلك بلاش.. قولتلك دي أمي! منى لفت عليه وزعقت فيه بغل: — اخرس يا فاشل يا ابن أمك! إنت اللي خوفت وضيعتنا! حسين رفع إيده وشاور للعساكر اللي واقفين على الباب وقال بنبرة حاسمة: — يا عسكري.. اتفضل اقبض على المتهم أحمد والمتهمة منى بتهمة التزوير، والنصب، والاعتداء على سيدة مسنة وعاجزة. وفيه تهمة تانية لسه بنحقق فيها وجاري ضبط وإحضار سواق الميكروباص اللي اعترف بكل حاجة تحت التهديد، يعني الشروع في ق..تل عمد! لما منى سمعت كلمة "شروع في ق..تل" و"سواق الميكروباص"، رجليها مأشالتهاش ووقعت في الأرض تصرخ وتلطم على وشها: — لأ يا فندم! أنا ماليش دعوة! أحمد هو اللي كان عايز الفلوس والمحل! أحمد هو اللي قالي نعمل كده عشان أمه ناشفة ومش عايزة تدينا حاجة! أحمد صرخ فيها وهو بيعيط: — إنتِ بتتبلي عليا يا واطية؟ ده إنتِ اللي خططتي لكل حاجة من ألف للياء! العساكر دخلوا وكلبشوا إيديهم في بعض، والمنظر كان يشفي الغليل. أحمد وهو خارج ومكلبش، لف وشه وبصلي ودموعه مغرقة وشة وصاح بصوت يقطع القلب: — سامحيني يا أمي! بالله عليكِ سامحيني! أنا ابنك الوحيد.. هضيع في السجن يا أمي! بصيت له وقلبي كان بيتعصر، الأُمومة اللي جوايا كانت بتتحرك، بس افتكرت شكل رجلي المبتورة، وافتكرت ضحكته وأنا مرمية على الأرض، وافتكرت جبروت مراته وكسرة قلبي في بيتي. غمضت عيني ولفيت وشي الناحية التانية وقولت بصوت قوي: — القانون يا أحمد.. القانون هو اللي بيني وبينكم دلوقتي. اللي ميرحمش أمه وهي عاجزة، يستاهل اللي يجري له. أخدوهم وخرجوا، وصوت صريخ منى وعياط أحمد كان مسمع في الشارع كله، والمنطقة كلها اتفرجت عليهم وهما خارجين في الكلبشات. الشقة فضيت مفيش فيها غيري أنا وحسين والحج مجدي وأم حسن. حسين قعد جنبي على الأرض ومسك إيدي وقال: — خلاص يا خالتي، الكابوس انتهى، والشقة والمحل بتوعك ومحدش يقدر يقرب لهم. ودلوقتي إحنا لازم ننقلك لمستشفى نظيفة تتابع حالتك وتكملي علاجك لحد ما تبقي زي الفل، وأنا هقعد معاكي هنا مش هسيبك. أم حسن طبطبت عليا وقالت: — وأنا معاكي يا أم أحمد، ليل نهار مش هفارقك، إحنا عشرة عمر يا حبيبتي. حسيت براحة لأول مرة من يوم الحادثة، بس الراحة دي كانت مخلوطة بمرار ملوش آخر.. ابني الوحيد في السجن بسببي، وبسبب طمعه وجبروته. عدا أسبوعين وأنا في المستشفى الجديدة، حسين مسبنيش لحظة، وبدأ يشتري لي أحدث أجهزة للعلاج الطبيعي، وكمان قدم لي على رجل صناعية متطورة من برة مصر عشان أقدر أقف على رجلي تاني ومستناش سند من حد. وفي يوم، وأنا قاعدة في أوضتي بالمستشفى، دخل حسين ووشه كان مقلوب وفي إيده ورق، باصلي بنظرة غريبة وقالي: — خالتي.. التحقيقات في النيابة خلصت، وقض..ية التزوير والشروع في الق..تل خلاص هتحال للمحاكمة الأسبوع الجاي.. بس فيه حاجة تانية ظهرت في التحقيقات، حاجة تخص جوز منى القديم اللي مات من خمس سنين! قلبي دق بسرعة وسألته: — جوزها القديم؟ ماله يا حسين؟ حسين بلع ريقه وقال بصوت واطي: — النيابة أعادت فتح التحقيق في الوفاة بتاعته، وسواق الميكروباص اعترف على سر جديد يخص منى.. السر ده لو طلع صح، منى مش هتاخد مؤبد بس.. دي هتروح لحبل المشنقة! واللي اكتشفناه كمان إن أحمد كان عارف بالسر ده ومخبيه! سندت ضهري على السرير وحسيت إن الست دي مكنتش مجرد بني آدمة طماعة، دي كانت أفعى قاتلة، وإن ابني دخل في نفق ضلم ملوش آخر.. لكن المفاجأة الكبيرة اللي حصلت بالليل في المستشفى، خلتني أعرف إن اللعبة لسه مخلصتش، وإن فيه طرف تالت في المصيبة دي مكنش على البال ولا على الخاطر... ** الجزء الرابع والأخير بصيت لحسين وعيني متسعة من الصدمة، السرير اللي أنا نايمة عليه حسيت إنه بيلف بيا. منى مكنتش مجرد ست طماعة ومقشية، دي طلعت قاتلة! وجوزها الأولاني اللي قالوا إنه مات بسكتة قلبية، الظاهر كده إنها كانت السكتة اللي من صنع إيديها. واللي دب..حني بجد، إن أحمد ابني، حتة من قلبي، كان عارف ومخبي على جري..مة قت..ل عشان ملهوف عليها وعلى قرشينها! سألت حسين وصوتي بيترعش: — طرف تالت مين يا حسين؟ ومين اللي ملوش أمان وداخل في اللعبة دي كمان؟ انطق يا ابني، أنا مبقاش فيا حيل للصدمات. حسين لسه هيفتح بوقه ويتكلم، فجأة الباب بتاع الأوضة اتفتح، ودخلت ممرضة وشها مخطط من الخوف وبتقول بصوت واطي: — سيادة المستشار.. فيه واحدة برة منهارة وعمالة تصرخ وعايزة تدخل للحجة بأي طريقة، بتقول إنها أخت منى، ومعاها ورق وعايزة تسلمه للحجة بنفسها قبل ما البوليس يقبض عليها هي كمان! حسين وقف وبص للممرضة بحدة وقال: — أخت منى؟ خليها تدخل.. بس استني، أنا هقف ورا الستارة، عايز أسمع هتقول إيه من غير ما تحس بوجودي. دخلت البنت، اسمها "شيماء"، أخت منى الصغيره. كانت جاية بتنهج، وعبايتها متبهدلة، وعينيها منفوخة من العياط. أول ما شافتني، جريت ورمت نفسها تحت رجلي المبتورة وبدأت تبوسها وهي بتصرخ: — سامحينا يا حجة أم أحمد! بالله عليكِ سامحينا! أنا ماليش ذنب في اللي عملته أختي العقربة.. أنا جاية أنقذ نفسي وأنقذ اللي فاضل من حقك! قولتلها بقسوة وجمود عمري ما عشته قبل كده: — قومي من الأرض يا شيماء.. اللي يعمل عملة يتحملها. أختك حاولت تموتني وسرقت شقا عمري، وابني ضاع بسببها. جاية تقولي إيه بعد خراب مالطة؟ شيماء وقفت وهي بتمسح دموعها بآام العباية، وطلعت من الشنطة بتاعتها كيس بلاستيك أسود مقفول بضمير، وحطته على السرير قدامي وقالت بصوت واطي ومبحوح: — أختي منى مكنتش بتتحرك من دماغها يا حجة.. منى فيه حد كبير كان بيحركها زي العروسة اللعبة. الحد ده هو اللي جاب لها سواق الميكروباص، وهو اللي جاب لها المحامي المزور، وهو اللي كان بيمول كل حاجة عشان ياخد "المحل" بتاعك اللي في وسط البلد ويضمه للمحلات بتاعته! قلبي دق بسرعة، المحل بتاعي؟ ده محل دهب قديم وجوزي الله يرحمه كان شريك فيه مع... مع مين؟ برقت عيني وقولتلها: — أنطقي يا شيماء! مين الراجل ده؟ شيماء بلعت ريقها وقالت: — الحج "عبد الصمد".. شريك جوزك القديم! هو اللي اتفق مع منى من ورا أحمد ابنك. أحمد مكنش يعرف إن منى بتلعب لحساب عبد الصمد. أحمد كان فاكر إن المحل هيبقى ليه، لكن منى كانت موقعة عقد بيع ابتدائي للحج عبد الصمد بمجرد ما تبصمك على الورق، وكان المفروض تاخد منه اتنين مليون جنيه وتهرب بيهم برة البلد وتسيب أحمد يلبس القض..ية لوحده! الكيس ده فيه تليفون منى القديم وفيه تسجيلات بصوتها وصوت الحج عبد الصمد وهما بيتفقوا عليكي.. وعلى جوزها الأولاني كمان! في اللحظة دي، حسين خرج من ورا الستارة زي القضاء المستعجل. شيماء اتخضت ورجعت لورا، بس حسين مد إيده وأخد الكيس البلاستيك بسرعة وقال لها بلهجة حاسمة: — أنا المستشار حسين.. والورق والتليفون دول هينضموا لملف القض..ية حالا. إنتِ عملتي الصح يا شيماء، وشهادتك دي هي اللي هتحميكي من إنك تبقي شريكة في الجناية. اتفضلي معايا على المكتب برة عشان تثبتي أقوالك. شيماء خرجت مع حسين وهي بتبكي وتدعي على أختها اللي ضيعت العيلة كلها بطمعها. قعدت في الأوضة لوحدي، وبصيت للسقف ونور ربنا بيملى المكان. سبحان الله.. "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين". منى اللي كانت فاكرة نفسها أذكى من البشر، وبترتب عشان تسرقني وتق..تلني بالبطيء، وتغدر بابني اللي باع أمه عشانها، طلعت في الآخر مجرد أداة في إيد راجل تاني، وكان ملعوب عليها زي ما لعبت على الكل! بعد أسبوعين كاملين من التحقيقات المكثفة، حسين جالي المستشفى والابتسامة مالية وشه، وفي إيده علبة قطيفة كبيرة وباقة ورد. قعد جنبي وقال بفخر: — مبروك يا أحلى وأقوى خالة في الدنيا.. القض..ية اتقفلت رسمي وصدر قرار الإحالة لمحكمة الجنايات. سألته بقلب متوجع: — وأحمد يا حسين؟ حصله إيه؟ حسين اتنهد ونزل راسه في الأرض شوية وقال: — أحمد اعترف بكل حاجة يا خالتي.. لما واجهناه بتسجيلات منى مع الحج عبد الصمد، وعرف إن مراته كانت بتغفل فيه وناوية تاخد الفلوس وتهرب وتسيبه يشيل شيلة الشروع في قت..لك لوحده، انهار تمامًا واعترف على كل البلاوي. اعترف إن منى هي اللي سممت جوزها الأولاني بالبطيء لحد ما مات، وهو كان عارف وساكت عشان تضمن الورث بتاعه. واعترف على الحج عبد الصمد اللي اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب برة البلد في المطار. دمعة نزلت من عيني مسحتها بسرعة وقبل ما تبرد، وقولت: — يستاهلوا.. كل اللي عمل حاجة يلبسها. ربنا مبيسبش حق حد يا حسين. حسين ابتسم وفتح العلبة القطيفة اللي في إيده، وطلع منها جهاز غريب.. كان "الرجل الصناعية" المتطورة اللي طلبها ليا من برة. وقال وهو بيعدل السرير: — يلا يا بطلة.. الدكتور قال إن مكان العملية خف تمامًا، والنهارده أول يوم هنجرب فيه الرجل الجديدة. أنا مش عايزك ترجعي بيتك وإنتِ مكسورة.. عايزك ترجعي وأنتِ واقفة على رجليكي، وست البيت غصب عن عين أي حد. مر شهر كامل.. وجاء يوم المحاكمة. أنا رفضت أروح المحكمة، مكنتش قادرة أشوف ابني في قفص الاتهام والكلبشات في إيده. بس حسين كان هناك، وجالي البيت بالليل بعد ما كل حاجة انتهت. كنت قاعدة في صالة بيتي، الشقة منورة، وريحة البخور مالية المكان، وأم حسن جارتي الوفية قاعدة جنبي بتشرب معايا الشاي. دخل حسين وباس راسي وقعد وقال بصوت هادي: — الحكم صدر يا خالتي.. منى والحج عبد الصمد أخدوا إعدام شنقًا، بتهمة القت..ل العمد لجوز منى الأولاني، والشروع في قت..لك والتزوير. أما أحمد... فأخد خمساشر سنة سجن مشدد بتهمة الاشتراك في التزوير والتستر على جري..مة والشروع في الق..تل. أم حسن شهقت وحطت إيدها على صدرها: — يا حفيظ يا رب! إعدام؟ يستاهلوا.. الحرامية القاتلين يستاهلوا حبل المشنقة. أنا غمضت عيني، وحسيت بنغزة في قلبي على ابني.. خمساشر سنة من عمره هيضيعوا ورا القضبان. بس رجعت افتكرت ضحكته وأنا مرمية على الأرض، وافتكرت لما ساب مراته تزق العكازة من تحتي وتقولي "مبقتيش ست البيت هنا". عرفت إن ده عدل ربنا في الأرض، واللّي يبيع أمه.. الدنيا كلها بتبيعه بأرخص تمن. حسين بصلي وقال بنبرة كلها تشجيع: — يلا يا خالتي.. وريني الخطوة الجميلة. وقفت.. رفعت طولي بثقة، ورجلي الصناعية شالتني بكل ثبات. مشيت في وسط الصالة من غير ما أتسند على حد، ومن غير عكازة. بصيت لبيتي، لجدرانه اللي عشت فيها عمري، وقولت بصوت عالي وواضح يسمعه الشجر والحجر: — أنا الحجة أم أحمد.. وكنت وهفضل أنا ست البيت هنا، وبإذن الله محدش هيكسرني تاني أبدًا. أم حسن زغرطت زغروطة هزت العمارة كلها، وحسين أخدني في حضنه وهو بيضحك. وفي اللحظة دي، عرفت إن الوجع بيقوي، وإن الحق لو غاب سنة.. بيرجع في ثانية، طالما صاحب الحق رامي حموله على اللي عينه مش بتنام. **تمت بحمد الله**