جوزي واخواته

جوزي وإخواته كانوا فاكرين إنهم لما يسيبوني في نص الصحرا، على بعد مئات الكيلومترات من بيتنا، هيطلعوا أحسن فيديو مقلب.
ضحكوا وهما بيمشوا بالعربية، وصوتوا
حظ سعيد بقى!
أنا… مرجعتش.
وبعد خمس سنين، جوزي قدر يوصل لمكاني أخيرًا… لكن أول ما شاف مين اللي واقف ورايا، الابتسامة اختفت من على وشه في ثانية.
لحد النهارده، فاكرة صوت ضحكتهم والعربية وهي بتبعد عن محطة البنزين.
مكنتش ضحكة هزار.
كانت ضحكة قاسية…
جارحة…
من النوع اللي بيفضل محفور جواك، حتى بعد ما كل الذكريات التانية تبهت.
التراب كان بيطير ورا العربية وهي بتجري على الطريق الفاضي، وحر الشمس كان بيحرق كتافي، والخوف كان بيقبض على قلبي.
أحمد! صرخت وأنا بجري وراهم.
أحمد، استنى!
ولا حتى هدى السرعة.
بالعكس… ضحكتهم علت أكتر.
إخواته، كريم ومحمود، كانوا مطلعين موبايلاتهم من الشباك، وكل واحد فيهم بيصورني وأنا مرعوبة.
محمود صرخ وهو بيضحك
حظ سعيد يا ندى! قدامك بس تلتميت ميل تمشيهم لحد البيت!
وبعدها بثواني… العربية اختفت ورا ملف في الطريق.
وسابوني واقفة جنب محطة بنزين شبه مهجورة… في نص اللا مكان.
شنطتي كانت لسه جوه العربية.
وكمان المحفظة.
معيش ولا جنيه…
ولا نقطة مية…
ولا أي طريقة أرجع بيها البيت.
أنا أصلًا دخلت المحطة عشان أحمد قال إنه تعبان ومش قادر ينزل يجيب مشروب الطاقة بنفسه.
كنت بحاول أعمل حاجة حلوة لجوزي.
والمقابل؟
سابني تحت الشمس الحارقة… عشان هو وإخواته يحولوا خوفي لمحتوى يضحكوا بيه الناس.
عدى تقريبًا ساعة، وفجأة موبايلي اهتز.
البطارية كانت فاضل فيها واحد في المية.
رسالة من أحمد ظهرت على الشاشة
متزعليش يا حبيبتي… ده مجرد مقلب للقناة بتاعتنا. هنرجعلك حالًا. اهدي بس.
قبل ما ألحق أرد…
الموبايل فصل.
بصيت لانعكاس وشي على الشاشة السودة.
مصرختش.
ومعيطتش.
حسيت… ولا أي حاجة.
ده كان الراجل اللي وعدته أكمل معاه عمري.
واللي قرر إن خوفي، وتوتري، وإهانتي… حاجة تستحق تتصور وتتتنشر عشان ناس ميعرفوناش تضحك عليها.
في اللحظة دي…
حاجة جوايا اتغيرت.
من غير خناقة…
ولا صريخ…
ولا حتى عصبية.
القرار جه بهدوء.
ببرود.
وبشكل نهائي.
على الناحية التانية من الموقف، عربية فان قديمة وقفت عند طلمبة البنزين.
ست باين عليها التعب نزلت منها، فردت ضهرها، وبدأت تمون العربية.
وأنا ببص عليها…
فكرة واحدة بس كانت واضحة في دماغي.
أنا مش عايزة أحمد يرجع.
ومش عايزة أسمع اعتذار فارغ تاني.
ومش عايزة أركب العربية، وهو وإخواته قاعدين يعيدوا الفيديو ويضحكوا عليا.
ومش عايزة أكمل يوم واحد زيادة مع راجل شايف إن سلامتي مجرد نكتة.
طلعت شريحة الموبايل…
كسرتها نصين…
ورميت القطع في أقرب سلة زبالة.
وبعدين أخدت نفس عميق…
ومشيت ناحية الست اللي كانت واقفة جنب الفان.
أحمد وإخواته كانوا عايزين يعملوا فيديو عن اختفائي؟
تمام…
أنا هخليهم ياخدوا اللي كانوا بيتمنوه بالظبط.
وقتها كنت فاكرة إني بسيب ورايا جواز مؤذي وقاسي وبس.
مكنتش أعرف إن اختفائي هيكون أول حجر يقع… ويهد حياة أحمد اللي بناها بعناية، قبل ما يطلع صباح اليوم اللي بعده.
ركبت مع الست في الفان وأنا مش عارفة رايحة على فين لكن لأول مرة من ساعات حسيت إن فيه حد شايفني كإنسانة، مش كأداة للضحك.
الست بصتلي من المراية وقالت بهدوء إنتِ كويسة يا بنتي؟ شكلك مش من هنا.
حاولت أتماسك وقلت أنا اتبهدلت شوية بس.
كانت عارفة إن فيه حاجة غلط. يمكن من عيني، يمكن من التراب اللي كان على هدومي، يمكن من الطريقة اللي كنت ماسكة بيها نفسي بالعافية.
سكتت شوية، وبعدها قالت أنا اسمي سعاد. لو محتاجة توصلي لأي مكان قريب أنا أوصلك.
هزيت راسي، ومكنتش عارفة أقولها الحقيقة ولا لأ. إزاي أشرح لحد غريب إن جوزي، الشخص اللي المفروض يكون أماني، هو اللي رماني في وسط الصحرا؟
قلت لها بس محتاجة مكان أقدر أرتب فيه أفكاري.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت واضح إنك محتاجة أكتر من كده.
خلال الطريق، كان عقلي بيرجع لكل لحظة حصلت. ضحك أحمد. تصوير إخواته. الرسالة الباردة اللي قال فيها مقلب. كأن كلمة مقلب كانت كفاية تمسح الرعب اللي عشته.
وصلنا لبلدة صغيرة قريبة، وسعاد أصرت تاخدني عندها يومين لحد ما أعرف أتصرف.
أول ما دخلت بيتها، أعطتني كوب مية وقالت اشربي الأول وبعدين احكي.
لأول مرة من ساعات، دموعي نزلت.
مش عشان اللي حصل بس لكن عشان اكتشفت قد إيه كنت لوحدي وأنا متجوزة.
في نفس الوقت، أحمد كان راجع مع إخواته وهو متأكد إن الفيديو هيكسر الدنيا.
كانوا قاعدين في العربية بيضحكوا، وبيخططوا للمونتاج.
كريم قال المشهد بتاع جريها ورا العربية جامد أوي الناس هتموت من الضحك.
أحمد ضحك وقال هي هتزعل شوية بس لما تشوف المشاهدات هتهدى.
لكن بعد نص ساعة بدأ القلق يدخل قلبه.
اتصل بيا.
مرة مرتين عشر مرات.
الهاتف مغلق.
قال لنفسه أكيد بتعمل نفسها زعلانة.
عدى ساعة.
اتنين.
بدأت ملامحه تتغير.
فتح موقع مشاركة الفيديوهات اللي كانوا بينزلوا عليه المقالب، وبدأ يجهز المقطع للنشر.
لكن قبل ما يضغط زر الرفع وصلته رسالة من رقم غريب.
رسالة قصيرة جدًا.
فتحها
وتجمد مكانه.
لأن اللي كان مكتوب فيها كان أول علامة إن الموضوع مش مقلب انتهى بل بداية كابوس هو اللي هيعيشه.
وفي نفس اللحظة كان فيه شخص تاني بيشوف كل اللي حصل من البداية، وكان مستني اللحظة المناسبة يظهر.
وش أحمد اتغير لما عرف مين هو فتح أحمد الرسالة بإيد بتترعش.
كانت صورة.
صورة ليه وهو سايبني واقفة جنب محطة البنزين من بعيد.
وتحتها جملة واحدة
المقلب خلص يا أحمد بس دلوقتي جه وقت الحساب.
حاول يرد على الرقم، لكن الرسالة اتبعتت من رقم غير متاح.
بص لإخواته وقال إنتوا بعتوا الفيديو لحد؟
كريم ضحك وقال يا عم اهدى، مين هيهتم؟ ده مجرد هزار.
لكن أحمد لأول مرة ما ضحكش.
كان فيه إحساس غريب بيقوله إن اللي حصل مش هيتقفل بكلمتين اعتذار.
رجعوا لمحطة البنزين بسرعة.
كانوا فاكرين إني لسه هناك، قاعدة مستنية، أو زعلانة شوية.
لكن لما وصلوا
المكان كان فاضي.
لا أنا. ولا شنطتي. ولا حتى أثر لوجودي.
سأل أحمد العامل البنت اللي كانت هنا راحت فين؟
العامل بصله ببرود وقال البنت؟ آه كانت لوحدها ومش باين عليها إنها عارفة تعمل إيه.
سكت شوية، وبعدين كمل واحدة ست وقفت وخدتها معاها.
اتسمر أحمد مكانه.
خدتها فين؟
العامل هز كتفه معرفش.
رجع أحمد للعربية وهو حاسس لأول مرة إن الموضوع خرج من إيده.
اتصل بأهلي.
أول مكالمة كانت لأمي.
أول ما سمعت صوته قالت هي فين ندى؟
اتوتر وقال هي زعلانة بس.
سكتت أمي لحظة، وبعدين صوتها اتغير زعلانة؟ بنتي اختفت من محطة بنزين في نص الصحرا وتقول زعلانة؟
وقتها بدأ أحمد يفهم حجم الكارثة.
لكن اللي ماكانش يعرفه إن ندى ماكانتوش ناوية ترجع.
في بيت سعاد، كنت قاعدة على طرف السرير، ماسكة كوب الشاي وببص للفراغ.
سعاد دخلت عليا وقالت كلمتي حد من أهلك؟
هزيت رأسي لا.
ليه؟
سكت شوية، وبعدين قلت لأني لو كلمتهم هيحاولوا يرجعوني.
قعدت جنبي وقالت وإنتِ عايزة ترجعي؟
بصيت لها، وكانت أول مرة أقول الجملة اللي كنت خايفة أعترف بيها
أنا مش عارفة أنا كنت عايشة معاه إزاي كل السنين دي.
في اليوم التالي، اشتريت موبايل جديد بشريحة جديدة.
وأول حاجة عملتها
إني فتحت حساباتي القديمة.
لقيت عشرات الرسائل.
من أحمد. من إخواته. من أهلي.
لكن رسالة واحدة بس هي اللي شدت انتباهي.
كانت من شخص ما أعرفوش.
كتب فيها
ندى أنا كنت موجود يوم اللي حصل. وعندي دليل يقدر يغيّر كل حاجة.
وقفت مكاني.
لأن الشخص ده ماكانش مجرد شاهد
كان واحد من الناس اللي أحمد كان بيحاول يخبي عنهم الحقيقة.
فتحت الرسالة التالية
ولما عرفت
لمحة نيوز