فرحي

موثّق من المحكمة، ومن ثلاثة مختبرات مستقلّة. النتيجة طارق الفولي هو والد الطفلة ملك بنسبة تتجاوز 99 99. لا يوجد أدنى شكّ في ذلك.
سكتت لحظة، ثمّ أردفت ببطءٍ موجع أنا لم أكن عاقر أبدًا.. أنتم من جعلتموني أشعر بذلك. سقط حملي مرّتين ليس بقدَر الله.. بل بما فعلتموه بي. دواء خاطئ، وصفات مغلوطة، وضغط نفسي مپرح.. كلّه مدبّر منكم عشان تخلّصوا منّي وتقولوا إنّني فاشلة.
نورهان صړخت بصوت عالٍ كڈب! كلّ ده كڈب عشان تخرّبي فرحتنا!
ندى التفتت إليها ببطء، وعيناها لم ترفّ فرحتكِ؟ على حساب مين يا نورهان؟ على حساب فلوس جدّتي اللي سړقتوها معًا؟
أخرجت الملف الثاني، وبدأت تقرأ بأرقامٍ دامغة ثمانية عشر مليون جنيه مصري.. كانت وديعتي من جدّتي، وضعتها في أمانة لدى زوجي.. فوجدتها قد تحولّت لثلاث شركات وهمية، أنتِ مديرة اثنتين منها، والأستاذ فاروق المحاسب اللي اختفى فجأة كان يوقّع الإمضاءات المزوّرة.
أشارت نحو حسين الفولي اللي تلوّن وجهه بألوان الخۏف والمال لم يذهب بعيدًا.. بل ذهب لمؤسسة المنياوي للعقارات.. الشركة الراعية لهذا الفرح بالذات. والمساهم الأكبر فيها؟ الأستاذ حسين الفولي.. أبو طارق.
صدمة سكتت لها الأنفاس. الحضور بدأ يتحول من الدهشة للاستنكار. طارق تقدم خطوة بلا وعي أنتِ.. بتختلقِ كلّ ده عشان ټنتقمي!
أنتقم؟ قالت ندى بصوتٍ ارتجف لكنّه لم يضعف. أنا لست هنا للاڼتقام يا طارق.. أنا هنا لاستعادة ما هو لي. ولإحقاق الحقّ الذي حرمتوني منه طويلًا.
فتحت الملف الثالث، وأخرجت أوراقًا أخرى معي نسخ من كل تحويل بنكي، كل عقد، كل تسجيل هاتفي يثبت التآمر. بدأت المؤامرة قبل أن أتزوّجك حتى.. كنتَ تخطط للاستيلاء على المال منذ البداية، أليس كذلك؟ زواجك مني كان مجرد وسيلة.. ولمّا ظننتَ أنني لن أنجب، أسرعتَ في التخلّي عني.
بكت ملك في العربة في تلك اللحظة، فنزلت ندى إليها، احتضنتها بحنانٍ ملأ المكان، ثمّ رفعتها بذراعها اليمنى ليراها الجميع وجه الطفلة الصغير بغمازته الواضحة، تشبه أباه بلا إنكار.
انظروا.. قالت بصوتٍ دافئٍ قويّ. انظروا لهذه الطفلة. في ملامحها دليل لا يحتاج لكلام. هذه ابنة طارق.. وريثة حقّها.. وستعيش في كرامة، ولن تسمحوا لأحدٍ أن ينتقص منها.
نظرت لطارق مباشرة كنتَ تقول لي تعالي فرحي، لتري كيف تبني المرأة الحقيقية بيتًا. حسنًا.. ها أنا ذا جئتُ لفرحك. لكنّني لم آتِ لأرى نجاحك.. بل لأرى سقوطك.
سكتت، ثمّ أضافت ببطء الشرطة في الخارج الآن.. جاءت معي. لديهم أوامر قبض بحقّ كل من له يد في هذه الچرائم السړقة، التزوير، الإضرار بالصحة، والتحايل.
فوضى عارمة اجتاحت القاعة. صرخات، همسات، بعض الناس انسحبوا بهدوء، وبعضهم اقترب ليستمع أكثر. ماجدة حاولت الهرب لكنّها تجمّدت في مكانها حين رأت رجال الشرطة يدخلون. حسين الفولي تراجع حتى اصطدم بالحائط، وشحوب المۏت علاه. نورهان أغمي عليها في تلك اللحظة، وسقطت على الأرض بجانب المنصّة.
طارق بقي واقفًا وحيدًا، لا حراك به، كأنّه تمثال من جليد يذوب ببطء. نظر لندى.. رآها لأول مرة حقًا ليست تلك المرأة الضعيفة التي كان يظنّها، بل امرأة من حديد، صمدت وانتصرت. نظر لابنته في ذراعها.. ورأى نفسه في ملامحها، وندرك أنّه خسر كل شيء بيديه.
اقترب الضبّاط، وقال أحدهم بصوت رسميّ السيد طارق الفولي.. حسين الفولي.. ماجدة عبدالحميد.. ونورهان كمال.. أنتم متهمون بجرائم سړقة أموال، تزوير مستندات، وإحداث أذى عمدي. يرجى اتباعنا.
كبلوا أيديهم. لم يقاوم أحد. مشوا بين الحضور بأذلّة، وكلّ عينٍ تتبعهم بصمتٍ يجرح أكثر من الكلام.
بقيت ندى وحيدة في وسط القاعة،
تحمل ملك التي هدأت ونامت من جديد. لم تشعر بنشوة الانتصار.. بل بشعورٍ ثقيلٍ عميق ثقل السنين التي مضت، والألم الذي لا يعوّض. لكنّها شعرت أيضًا بالسلام.. ذلك السلام الذي يأتي حين تضع الحقّ في نصابه مهما طال الزمان.
اقتربت منها سلوى ووضعت يدها على كتفها انتهى كل شيء يا ندى.. أنتِ حرة.
ندى نظرت لابنتها، ثمّ رفعت بصرها نحو السماء عبر النوافذ العالية للقاعة نعم.. انتهى.
خرجت من الفندق، والهواء النقيّ ليل القاهرة استقبلها بحرّية. لم تنظر للخلف أبدًا. مشت في الطريق الواسع، ومعها أغلى ما تملك ملك، وحقّها الذي استعادته بدمعها وصبرها.
ستمرّ الأيام.. ستُعاد الأموال لأصحابها، وسيقضى القضاء أحكامه، وستنسى الناس تلك الليلة شيئًا فشيئًا. لكنّ ندى ستظلّ تذكّر دائمًا أنّ العدالة لا ټموت.. وأنّ الله مع الصابرين دائمًا.
وبينما كانت تمسح دمعةً سقطت رغمًا عنها، همست لملك بصوتٍ مليء بالأمل
مش هنرجع لورا يا حبيبتي.. قدّامنا الطريق أبيض ومفتوح.. وهنكبر سوا، ونعيش بكرامة.. ولا حدّ يقدر يأذيكِ أبدًا.
انتهت القصة

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *