ملايين
★★★
بعد مرور أسابيع على تلك الليلة، تغيرت الأجواء في الشركة تماماً. لم تعد ميار “عاملة نظافة” في نظر رائف، بل أصبحت “بوصلته” التي يعود إليها كلما ضاقت به الضغوط. رائف قرر أن الوقت قد حان ليضع حداً لهذه الحيرة، ولم يجد مكاناً أنسب من المكان الذي بدأت فيه الحكاية.. “غرفة العمليات”.
في يوم عطلة رسـ . ـمية، اتصل رائف بميار وطلب منها الحضور للشركة لأمر “طارئ جداً” يخص النظام. وصلت ميار وهي تلهث من القلق، لتجد الأنوار خـ . ـافتة، والشاشة الكبيرة التي شهدت عبقرية تيا لا تعرض أكواداً هذه المرة، بل كانت تعرض صوراً مجمعة: تيا وهي تضحك، ميار وهي تعمل بجد، ولقطات عفوية لهما معاً في الكافية.
رائف كان واقفاً في منتصف الغرفة، بقميص أبيض بسيط، بعيداً عن البدلات الرسـ . ـمية المـ . ـتصلبة.
ـ في إيه يا مستر رائف؟ خضتني! السيستم وقع تاني؟
رائف اقترب منها ببطء، وعيونه تلمع بصدق لم تعهده منه.
ـ السيستم بتاعي أنا هو اللي وقع يا ميار.. ومن يوم ما شفتك وأنا مش عارف أعمله Restart.
ميار تراجعت خطوة، وقلبها بدأ يدق بعنـ . ـف.
ـ حضرتك بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة..
ـ لا أنتي فاهمة يا ميار. أنتي أكتر واحدة بتفهم في لغة القلوب قبل لغة الأرقام. أنا بقالي سنين عايش في “Bug” كبير.. فاكر إن الفلوس والقوة هما كل حاجة. لحد ما دخلتِ أنتي وتيا الغرفة دي، وقلبتوا كياني. شفت فيكي العزة، والجمال اللي بجد، والشجاعة اللي كنت بفتقدها في نفسي.
وقف أمامها مباشرة، وأمسك يدها برفق، وهذه المرة لم تسحبها.
ـ ميار.. أنا مش عايز “عاملة” في شركتي، ولا عايز “موظفة”. أنا عايز شريكة لحياتي. عايز اللي علمـ . ـتني الاحترام تعلمني إزاي أحب الحياة من تاني.
بصوت مرتجف سألته:
ـ والناس؟ والفرق اللي بيني وبينك؟ أنت مدير “النورس جروب” وأنا.. حكايات نورهان العشري
قاطعها بوضع إصبعه على شفتيها برقة:
ـ أنتي “ميار”.. المرأة اللي قدرت تكسر غرور رائف السيوفي. أنتي اللي بنتك أنقذت ملاييني، وأنتي اللي روحك أنقذتني من الوحدة. الفرق اللي بتتكلمي عنه ده أنا مش شايفه، أنا شايف قدامي ملكة.
ثم نزل على ركبة واحدة، وأخرج علبة مخملية زرقاء، فتحها ليظهر خاتم من الماس يلمع كالنور في وسط الظـ . ـلام.
ـ ميار.. تقبلي تتجوزيني؟ تقبلي نربي تيا سوا، وتكوني أنتي الأمان اللي كنت بدور عليه طول عمري؟
دمـ . ـوع ميار نزلت بغزارة، لكنها كانت دمـ . ـوع فرح وعوض عن كل سنوات الشقاء. نظرت إليه طويلاً، ثم أومأت برأسها بالموافقة وهي تهـ . ـمس بصوت يملؤه الحب:
ـ موافقة يا رائف.. موافقة.
في تلك اللحظة، ظهرت “تيا” من خلف أحد الأجهزة وهي تقفز بفرحة:
ـ يعني رائف هيبقى بابا؟ وهيعلمني أكواد أكتر؟
ضحك رائف بصوت عالٍ وهو يضم ميار وتيا معاً في حـ . ـضن واحد، مدركاً أن أعظم صفقة ربحها في حياته لم تكن في البورصة، بل كانت في هذه الغرفة الصغيرة.