بين القمة و الهامش بقلم نورهان العشري المدير التنفيذي للشركة مكنش مـ . ـتخيل أن بنت عاملة النظافة هي اللي هتنقذ شركته، الدنيا كلها وقفت عند اللحظة اللي قالت فيها ـ ال Bug في السطر 400. رائف، المدير التنفيذي لشركة “النورس جروب” كان ماشي يمين وشمال في أوضة العمليات زي الأسد المحبوس في قفص. بدلته الإيطالية اللي تكلف كتير، واللي عادة بتديه إحساس بالقوة، النهارده كانت عامله زي قيود. شد ربطة عنقه بعنـ . ـف وهو بيبص على الشاشات الكبيرة اللي على الحيط. كل حاجة كانت باللون الأحمر. المشـ . ـكلة مش مجرد عطل، دي كانت كارثة رقمية حقيقية. المنحنيات كانت بتطيح، والخسائر بالملايين بتزيد بالدقيقة. النظام المركزي اللي بيربط الفروع في طوكيو ولندن ونيويورك، وقع خالص. —عايز تفسيرات حالًا و مش عايز اسـ . ـمع أعذار! أنا بدفعلكم فلوس كتير! المفروض إنكم أفضل مهندسين في البلد! و مش عارفين تقولولي ليه السيرفر وقف؟ المهندسين، حوالي عشرين شخص، رجالة و ستات، كانوا بيكتبوا بسرعة ووشوشهم شاحبة. رئيس قسـ . ـم التقنية، اللي عادة مـ . ـتعجرف، كان بيرتعش. —يا فندم… الكود الرئيسي اتعطل. نظام الأمان هنج و منع الوصول. زي ما يكون الكمبيوتر قرر يقفل نفسه. بنحاول نعيد تشغيل بروتوكولات الطواريء، بس… —بس مفيش حاجة ! قاطعه رائف وهو بيخبط على الطاولة ـ لو مش اتحل في خلال عشر دقايق، هرفدكوا كلكوا من الشركة! ومش هتعرفوا تشغلوا في أي مكان تاني حتى ولو في طابونة التوتر كان جامد لدرجة إن النفسية بقت في الأرض. وفي نص الفوضى و اللخبطة و حبس الأنفاس اللي مسيطرين على الجو، الباب اتفتح بصوت خفيف. وخلت ميار، لابسة يونيفورم التنضيف، ومعاها عربية التنضيف ووشها مليان اعتذار. لكن مش لوحدها، كانت ماسكة في ايدها الصغيرة بنتها تيا، سبع سنين، ضفايرها سوداء لامعة وشنطتها المدرسة وردية. كانت عاملة كأنها كائن غريب وسط البساطة والصلابة و التجهم دا كله حكايات نورهان العشري ميار للأسف مكنش عندها اختيار، المدرسة قفلت بسبب تسرب الغاز ومفيش حد تسيب معاه البنت. حاولت تخلي تيا تقعد في أوضة الأدوات، لكن الطفلة اتخضت من صراخ رائف وجريت وراها. رائف، اللي كان غضـ . ـبه زي الجحيم و عايز اي حاجة ينفجر فيها بص عليهم بغضـ . ـب. بالنسبة له، الوقت ده، هما مش بشر، هما مجرد عائق من ضمن العوائق اللي عماله تظرهله من الصبح مشى ناحية البنات بخطوات كبيرة. و قال بانفعال —إيه ده يا جماعة؟ صـ . ـرخ وهو بيشاور على البنت و كمل بسخـ . ـرية جافة ـ دا بقى حضانة مش مكتب! مين دي أن شاء الله ميار خفضت راسها، محتضنة البنت وقالت بتوتر ـ أنا آسفة يا مستر رائف… دي بنتي ومكنش عندي مكان اسيبها فيه. بس كنا بنجمع الزبالة من السلات عشان منزعجكش حضرتك —إنتي ازعجتيني خلاص ! قاطعها بانفعال ـ بصي حواليك! إحنا بنخسر ملايين! شركتي بتغرق وإنتي جايبه بنتك معاكي تفسحيها هنا ؟ امشي دلوقتي! إنتي مفصولة! اطلعي بنتك وعربية التنضيف دي قبل ما أجيب الأمن! دمـ . ـوع ميار ظهرت. فقدان الشغل يعني عيشة صعبة أو مستحيلة. الإهانـ . ـة كانت نـ . ـار في قلبها، لكن خـ . ـوفها على بنتها كان أشد و اقسى رائف التفت وفضل يصـ . ـرخ على المهندسين. ـ مصير الشركة مـ . ـتعلق على خيط لو اتقطع ضعنا. لكن محدش لاحظ إن تيا، بعيد عن البكـ . ـاء، انفصلت عن إيد ماما. عينها الكبيرة كانت بتبص على الشاشة الكبيرة، خطوط الكود بتلمع بسرعة. بينما رائف بيصـ . ـرخ، ميار بتجمع حاجتها وبتستعد تمشي، تيا خطت خطوة للأمام، وبعدين كمان خطوة و رفعت يدها الصغيرة وقالت بصوت صافي: —ال Bug في السطر 400. الهدوء سيطر على الجميع. كل الكتابة توقفت. صراخ رائف سكت. كل الناس بصوا على البنت الصغيرة. ـ إيه اللي قولتيه دا؟ سأل رائف بدهشة. تيا ما رجعتش ورا و مخـ . ـافتش مشيت ناحية الشاشة الكبيرة بثقة. و قالت ـ بابا علمني ده أشارت للشاشة وهي بتكمل ـ انتو بتحاولوا تدخلوا بالقوة، بس النظام شايف أن ده هجـ . ـوم. فيه حلقة مفرغة في بروتوكول التحقق. باختصار كل ما تحاولوا أكتر، يقفل أكتر. رئيس التقنية ابتسـ . ـم بخجل وقت . سيبوها تكمل هي فاهمة… رائف كان مصدوم وهو شايف بنت صغيرة بتحل أزمة شركته في ثواني. حاول يقولها يتكلم بس معرفش يقول ايه بس هي كملت كلام حكايات نورهان العشري ـ دي مشـ . ـكلة بسيطة. همست الطفلة، ثم ضغطت على “إنتر”. الشاشات انطفت للحظة. قلب رائف وقف فيها تقريبا لكن فجأة، سـ . ـمعوا صوت صفارة. و ظهر شريط تحميل على الشاشة. و كانت المفاجأة النظام رجع يشتغل تاني و كل حاجة تمام. الأحمر اتحول للأخضر. كل حاجة رجعت. ـ نجحنا! صاح واحد من المهندسين ـ النظام رجع! الصراخ بالفرحة ملى الأوضة. الموظفين بقوا يحـ . ـضنوا بعض بسبب أنهم مش هيخسروا شغلهم، بعضهم بكى من الراحة. كمان نزلت تيا من الكرسي، خدّت شنطتها، ورجعت لميار اللي كانت بتبصلها وكأنها معجزة قدامها الناحية التانية رائف كان واقف، مـ . ـتجمد، بص للبنت وبعدين للشاشة، مش قادر يستوعب. و أخيرا فاق و خرج دفتر الشيكات من درج مكتبه وكتب مبلغ وسلمه للبنت. وهو بيقول باختصار ـ خدي ده تيا خدته، وخبأته في شنطتها، ومسكت إيد مامـ . ـتها وهي بتقول ـ يلا يا ماما… دلوقتي عندنا فلوس لأدوية جدو ولعجلة جديدة. ميار دمـ . ـوعها نزلت من الفخر، ورفعت راسها لأول مرة، وبصت لرائف في عيون بنظرة تحدي، وبعدين قالت المرة الجاية لما تشوف حد في شغل مـ . ـتواضع، افتكر تيا. وياريت تعامل الكل باحترام، من أول الرئيس لحد للبواب. مين عارف مين ممكن ينقذك، أو مين يقدر أنه بيربي عقل ممكن يغير العالم.؟ مشيت و سابته بعد أن هدأت العاصفة و خمدت همسات الموظفين، بقيت الغرفة صامـ . ـتة تقريبًا، ولكن ميار كانت واقفة عند باب المكتب، تتنفس بعمق بعد الشدة اللي مرت بيها، وعيناها تبحث عن نظرة، عن أي علامة على تقدير أو اعتراف. رائف، اللي كان واقف مـ . ـتجمد من كلامها فجأة. قلبه كان بينبض بسرعة، شعور غريب، مش الغضـ . ـب، مش الغطرسة، شعور مختلف. إحساس غريب بالاحترام… وبالاعجاب. —ميار… ابتلع ريقه وهو بيحاول يلاقي الكلمـ . ـات ـ شـ . ـكرًا أنتي عندك حق. ميار رفعت حاجبها، وابتسامة بسيطة لونت شفتيها، بس عينها كانت، مـ . ـتحفظة. و كذـ . لك نبرتها وهي بتقول ـ العفو رائف ضحك ضحـ . ـكة قصيرة، كأنه بيحاول يقولها ما خلاص بقى فكيها عدى اليوم و فضلت هي شاغله تفكيره و مر أسبوع و في يوم كان داخل كافية الشركة في وقت العمل فكان فاضي الا هي اللي كانت قاعدة على ترابيزة لوحدها بتشرب قهوتها بهدوء رائف قرب منها، ابتسامة واثقة، وعيونه مركزة عليها وهو بيقول ـ يا ترى هلاقي حد يعملي قهوة ولا هتشربي لوحدك؟ اتصدمـ . ـت لدرجة أن الكوب اتهز في إيدها و وقع بضع قطرات قهوة على شفايفها و أيدها حست بالاحراج و خصوصا وهو بيبصلها بمكر فحاولت يكون صوتها ثابت لما قالت ـ حضرتك قهوتك ايه؟ ـ سادة. ـ حاضر هعملك. مكنش عايزها تقوم ميعرفش ليه عشان كدا قالها ـ اشربي قهوتك الأول.حكايات نورهان العشري اتحرجت أنه قاعد معاها و بان عليها عدم الارتياح و عشان كدا قال ـ مالك؟ في حاجة مضيقاكي ؟ رفعت عينها و بصتله و كأنها عايزة تقوله أنت و تقريبا هو فهم وقال بابتسامة ـ مـ . ـتضايقة عشان قاعد معاكي ميار بخفة ـ مـ . ـتضايقة عشان مينفعش حضرتك تقعد معايا. ابتسـ . ـم رائف، وحط كوعه على الطاولة، وقال بخفة: —عارفة؟ أنا مش بس معجب بشجاعتك في المكتب لكن طريقة تفكيرك. دماغك كمان عجبتني حاجة تاني خالص.؟ ميار شربت من فنجان القهوة بتاعها، وعيونها مازالت مركزة على وجهه، بتحاول تبين له إنها “قـ . ـاسية”، لكنها كانت حاسة إن الجو بينهما مش عادي. — مستر رائف ايه لازمة الكلام دا؟ رائف بابتسامة ـ خايفة مني ولا ايه؟ شجاعتك راحت فين؟ ميار بحدة ـ موجودة و مفيش سبب يخليني اخـ . ـاف منك. رائف ضحك، وبص في عيونها مباشرة: — اهو ده بقى اللي عجبني اوي التحدي اللي في عيونك. ـ حضرتك عايز مني ايه؟ رائف بصراحة: ـ عايز اعرفك. أنا طبعا عارف انك أرملة، و عارف الظروف الخارجية المحيطة بيكي بس حاسس اني عايز أعرفك من جوا. ميار بتوتر: ـ ليه! رائف بابتسامة هادئة: ـ مسـ . ـمعتيش قبل كدا عن واحد شاف واحدة جميلة و حب يتعرف عليها ؟ ميار بخفوت: ـ سـ . ـمعت. بس مكنتش البنت عاملة نظافة عنده في الشركة.. رائف بنبرة جذابة: ـ حلو عشان نبقى مختلفين عن أي حد.. شعرت بأنها تريد الهرب لذا قالت بارتباك: ـ مستر رائف أنا بعتذر منك عندي شغل ولازم اقوم. عن اذنك.. أنهت جملتها و هرولت من أمامه و عينيه لازالت تتابعها بشعور غريب يتضاعف بداخله لأجلها. حيائها و جمالها و عزتها و حتى طفلتها الرائعة جميعها أشياء تجعلها مميزة و تجعله يريد الاقتراب منها أكثر ★★★ مرت عدة أيام، كانت ميار تحاول فيها جاهدة تجنب “رائف”، تكتفي بأداء عملها في صمـ . ـت وتغادر بمجرد انتهاء ورديتها. لكن رائف لم يكن يراها كعاملة نظافة منذ تلك اللحظة؛ كان يراها امرأة تحمل كبرياءً لا تكسره الظروف. في أحد المـ . ـساءات المـ . ـتأخرة، كانت الشركة شبه خالية، والهدوء يلف الممرات إلا من صوت هطول المطر العنيف في الخارج. كانت ميار تنهي تنظيف المكتب الكبير لرئيس مجلس الإدارة، حين لاحظت أن باب مكتب رائف ما زال مواربًا، وصوت أنفاسه المكتومة يخرج مـ . ـتهدجًا. دخلت ببطء، لتجده جالسًا على الأرض خلف مكتبه، واضعًا رأسه بين يديه، والظـ . ـلام يغمر الغرفة إلا من إضاءة بسيطة من شاشة اللابتوب. ـ مستر رائف؟ حضرتك كويس؟ رفع رأسه ببطء، ووجهه كان شاحبًا، وعيناه مليئة بتعب لم تره فيه من قبل. لم يكن “الأسد” الذي يزأر، بل بدا وكأنه إنسان مكسور تحت ثقل مسؤولية هائلة. ـ أنا تمام يا ميار.. مجرد صداع. اقتربت منه بخطوات مـ . ـترددة، ورأت بجانبه صورة قديمة محطمة الإطار، وصورة أخرى لوالده المؤسس الراحل. أدركت في لحظة أن هذا الرجل الذي يملك الملايين، يعيش في وحدة قاتـ . ـلة، ويحمل على عاتقه إرثًا يخشى أن يفشل فيه أمام ذكرى والده. ـ مش عـ . ـيب إن الواحد يتعب.. العـ . ـيب إنه يمثل القوة وهو بيمـ . ـوتمن جوه. قالتها وهي تضع زجاجة مياه بجانبه. نظر إليها رائف بعمق، وفي لحظة صدق نادرة، قال بصوت مخنوق: ـ الكل شايف رائف “الناجح”، “القوي”، “المـ . ـتغطرس”.. بس مفيش حد بيسألني إذا كنت خايف ولا لأ. النهاردة ذكرى وفـ . ـاة والدي، والشركة كانت كل حياته.. بحس إني لو غلـ . ـطت غلـ . ـطة واحدة، هخون ثقته فيا وهو في قبـ . ـره. ميار، بقلبها الأمومي وفطرتها الطيبة، نسيت في تلك اللحظة أنه مديرها. جلست على طرف الكرسي المقابل له وقالت بهدوء:حكايات نورهان العشري ـ تيا بنتي لما بتغلـ . ـط في الكود وهي بتلعب، بتعيط وتقوللي “أنا فشلت يا ماما”. بقولها إن الكود مش هو اللي بيحدد قيمـ . ـتك، لكن محاولتك هي اللي بتعمل منك بطلة. والدك أكيد فخور بيك مش عشان الأرقام، لكن عشان أنت لسه واقف على رجلك وبتحارب. صمـ . ـت رائف، وشعر لأول مرة منذ سنوات بأن هناك من يفهمه حقًا، ليس طمـ . ـعًا في ماله، بل إحساسًا بروحه. مد يده بتردد، ولمـ . ـس طرف يدها التي كانت تستند إلى المكتب. ـ ميار.. أنا عمري ما قابلت حد زيك. أنتي بتشوفي الحاجات اللي الكل بيغمض عينه عنها. ميار شعرت برعشة في قلبها، لكنها لم تسحب يدها هذه المرة. نظرت في عينيه ورأت “الإنسان” خلف القناع. ـ عشان أنا عيشت في الظل كتير يا مستر رائف، والظل بيخلينا نشوف النور أوضح من أي حد تاني. قام رائف ووقف أمامها، وفي تلك اللحظة، وسط هدوء الشركة المظلـ . ـمة وصوت المطر، لم يعد هناك مدير وعاملة، بل كان هناك قلبان بدأا يدركان أن المـ . ـسافات الطبقية مجرد أوهام أمام صدق المشاعر. ـ شـ . ـكرًا يا ميار.. أنتي مش بس أنقذتي شركتي مع بنتك، أنتي النهاردة أنقذتي روحي. ابتسـ . ـمـ . ـت ميار بصدق، ولأول مرة، لم يكن في عينيها تحدٍ أو خـ . ـوف، بل كان هناك “وعد” ببداية جديدة، بداية تتخطى حدود المكاتب والرتب، لتصل إلى عمق الإنسانية. ★★★ بعد مرور أسابيع على تلك الليلة، تغيرت الأجواء في الشركة تماماً. لم تعد ميار “عاملة نظافة” في نظر رائف، بل أصبحت “بوصلته” التي يعود إليها كلما ضاقت به الضغوط. رائف قرر أن الوقت قد حان ليضع حداً لهذه الحيرة، ولم يجد مكاناً أنسب من المكان الذي بدأت فيه الحكاية.. “غرفة العمليات”. في يوم عطلة رسـ . ـمية، اتصل رائف بميار وطلب منها الحضور للشركة لأمر “طارئ جداً” يخص النظام. وصلت ميار وهي تلهث من القلق، لتجد الأنوار خـ . ـافتة، والشاشة الكبيرة التي شهدت عبقرية تيا لا تعرض أكواداً هذه المرة، بل كانت تعرض صوراً مجمعة: تيا وهي تضحك، ميار وهي تعمل بجد، ولقطات عفوية لهما معاً في الكافية. رائف كان واقفاً في منتصف الغرفة، بقميص أبيض بسيط، بعيداً عن البدلات الرسـ . ـمية المـ . ـتصلبة. ـ في إيه يا مستر رائف؟ خضتني! السيستم وقع تاني؟ رائف اقترب منها ببطء، وعيونه تلمع بصدق لم تعهده منه. ـ السيستم بتاعي أنا هو اللي وقع يا ميار.. ومن يوم ما شفتك وأنا مش عارف أعمله Restart. ميار تراجعت خطوة، وقلبها بدأ يدق بعنـ . ـف. ـ حضرتك بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة.. ـ لا أنتي فاهمة يا ميار. أنتي أكتر واحدة بتفهم في لغة القلوب قبل لغة الأرقام. أنا بقالي سنين عايش في “Bug” كبير.. فاكر إن الفلوس والقوة هما كل حاجة. لحد ما دخلتِ أنتي وتيا الغرفة دي، وقلبتوا كياني. شفت فيكي العزة، والجمال اللي بجد، والشجاعة اللي كنت بفتقدها في نفسي. وقف أمامها مباشرة، وأمسك يدها برفق، وهذه المرة لم تسحبها. ـ ميار.. أنا مش عايز “عاملة” في شركتي، ولا عايز “موظفة”. أنا عايز شريكة لحياتي. عايز اللي علمـ . ـتني الاحترام تعلمني إزاي أحب الحياة من تاني. بصوت مرتجف سألته: ـ والناس؟ والفرق اللي بيني وبينك؟ أنت مدير “النورس جروب” وأنا.. حكايات نورهان العشري قاطعها بوضع إصبعه على شفتيها برقة: ـ أنتي “ميار”.. المرأة اللي قدرت تكسر غرور رائف السيوفي. أنتي اللي بنتك أنقذت ملاييني، وأنتي اللي روحك أنقذتني من الوحدة. الفرق اللي بتتكلمي عنه ده أنا مش شايفه، أنا شايف قدامي ملكة. ثم نزل على ركبة واحدة، وأخرج علبة مخملية زرقاء، فتحها ليظهر خاتم من الماس يلمع كالنور في وسط الظـ . ـلام. ـ ميار.. تقبلي تتجوزيني؟ تقبلي نربي تيا سوا، وتكوني أنتي الأمان اللي كنت بدور عليه طول عمري؟ دمـ . ـوع ميار نزلت بغزارة، لكنها كانت دمـ . ـوع فرح وعوض عن كل سنوات الشقاء. نظرت إليه طويلاً، ثم أومأت برأسها بالموافقة وهي تهـ . ـمس بصوت يملؤه الحب: ـ موافقة يا رائف.. موافقة. في تلك اللحظة، ظهرت “تيا” من خلف أحد الأجهزة وهي تقفز بفرحة: ـ يعني رائف هيبقى بابا؟ وهيعلمني أكواد أكتر؟ ضحك رائف بصوت عالٍ وهو يضم ميار وتيا معاً في حـ . ـضن واحد، مدركاً أن أعظم صفقة ربحها في حياته لم تكن في البورصة، بل كانت في هذه الغرفة الصغيرة. تمـت بين الحب والهامش بقلم نورهان العشري