زوجه الابن

أغمض عينيه وهو يبكي.

“كانت فقط تقول: ابنتي… ابنتي.”

شعرت خديجة بسـ,ـكينٍ بارد يشق صدرها.

لأنها تذكرت فجأة وجه سميرة في آخر مرة رأتها فيها.

شاحبًا.

خائفًا.

ومليئًا برجاءٍ صامت لم تفهمه وقتها.

قال الشيخ عبد الرحمن بصرامة:
“وأين الطفلة الآن؟”

ارتجف مراد مجددًا.

ثم قال بصوتٍ خفيض:
“مع الرجل.”

تحرك الرجال نحوه فورًا.

لكن الشيخ رفع يده طالبًا منهم التراجع.

اقترب من مراد وقال:
“هل أعطيته الطفلة بالفعل؟”

هزّ رأسه ببطء.

“أخذها صباح اليوم.”

شهقت خديجة وكأن أحدهم طـ,ـعنها.

ثم صرخت:
“بعتها؟!”

أخفض رأسه ولم يجب.

وكان صمته أقسى من أي اعتراف.

اقتربت خديجة منه بسرعة.

ثم صفعت وجهه بقوة حتى التفت رأسه إلى الجانب.

دوّى صوت الصفعة في المقبـ,ـرة كلها.

وقالت وهي تبكي:
“هي ماتت وهي خائفة على ابنتها منك!”

بدأت النساء بالبكاء بصوتٍ مرتفع.

أما الرجال فراحوا ينظرون إلى مراد باشـ,ـمئزازٍ وغـ,ـضب.

قال أحدهم:
“اتصلوا بالشرطة فورًا.”

بينما أمسك آخر هاتفه بالفعل.

أما مراد فظل جالسًا فوق التراب، ينظر إلى النعش بعينين ضائعتين.

ثم همس:
“لم أكن أكره سميرة.”

ضحكت خديجة بمرارة.

ضحكة قصيرة ومكسـ,ـورة.

ثم قالت:
“لو كنت أحببتها… لما مـ,ـاتت بهذا الخوف.”

أخفض رأسه من جديد.

ولم يرد.

اقتربت خديجة من النعش ببطء.

وضعت يدها المرتجفة فوق الخشب.

ثم همست والدموع تسيل بصمت:
“سامحيني يا ابنتي… أقسم لكِ والله أقسم لك أنني سأعيد طفلتك. وسأربيها أنا بنفسي حتى تكبر وتصير عروسة.”

كانت كلماتها تخرج بصعوبة.

لكن شيئًا تغيّر بعدها.

شعر الواقفون به جميعًا.

ذلك الثقل الغريب الذي كان يملأ المكان…

اختفى.

نظر الرجال إلى بعضهم بدهشة.

ثم اقترب أربعة منهم بحذر.

أمسكوا النعش مرة أخرى.

ورفعوه.

هذه المرة…

ارتفع بسهولة.

كأنه لم يكن ثقيلًا يومًا.

تراجع الرجال بصدمة.

بينما أجهشت خديجة بالبكاء.

وأدركت في تلك اللحظة أن سميرة لم تكن عاجزة عن الرحيل…

كانت فقط تتمسك بالعالم حتى تطمئن على ابنتها.

تحرك موكب الجنـ,ـازة أخيرًا نحو القبر.

وكان صوت التراب تحت الأقدام حزينًا بصورةٍ لا تُحتمل.

أما مراد…

فبقي جالسًا وحده وسط المقـ,ـبرة.

والناس تمر بجانبه وكأنه لم يعد واحدًا منهم.

وفي تلك اللحظة، أدرك للمرة الأولى أن بعض الأخطاء لا يُصلحها الندم.

وأن بعض الأرواح…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *