تتامري
غريبة في بيت عيلة
«مش هتبطلي بقى تتأمري وتتحكمي في بيت مش بيتك؟! هنا صاحبة البيت هي أمي، وهي اللي تقرر نوضب ولا نصلح ولا نعمل إيه!»
زعق طارق وهو بينهج من الغضب، ريقه ناشف وعينه بتطق شرار، وصوته فيه مزيج مرعب من الغل والعجز 😠.
«أنتِ فاهمة أنتِ بتعملي إيه؟! ليوم الدين هفضل أسمع أفكارك دي؟! أنا زهقت من قرفك وزهقت من حشر مناخيرك في كل حاجة!» صوته علي أكتر لدرجة إنه بقى شبه الصريخ.
حكايات مني السيد
إيمان كانت واقفة جنب الشباك، صوابعها المتلجة لافة حوالين مج الشاي بلبن اللي برد من بدري ☕. مبصتلوش؛ مكنش فيه فايدة من الكلام. كانت عارفة كويس السيناريو اللي جاي بعد كدة. الشريط بيعيد نفسه تاني. نفس الكلام السام.. نفس البرود اللي بياكل في عضمها.
«مش هتبطلي تتحكمي في بيت ناس تانية؟!» طارق كرر الجملة تاني ببرود وقسوة، كأنه بيغرز سكاكين في قلبها. «أمي هي صاحبة الشقة دي، وهي اللي تقول نصلح ولا نهد!»
الكلمة اللي وجعتها ووقفت في زورها كانت: شقة ناس تانية.
إيمان حطت المج براحة على سور الشباك. خمس سنين جواز، منهم تلاتة في الشقة دي وسط حيطان خانقة. ورغم كل ده، لسة الشقة غريبة عنها، كأنها ضيفة تقيلة 🕯️.
«يا طارق، أنا كل اللي قلته إن مواسير المطبخ بتنقط مية ومبوظة الخشب والحيطة»، قالتها بصوت هادي ومكتوم. «دي سباكة ومحتاجة تتصلح فوراً، مش دلع ولا رفاهية…»
«اخرسي خالص!» خطى خطوة واسعة ناحيتها، فإيمان رجعت خطوة لورا بدافع الخوف الفطري. «أمي عايشة هنا بقالها تلاتين سنة وعمرها ما اشتكت! وتيجي واحدة زيك تعلمنا نعيش إزاي ونعمل إيه في بيتنا!» متوفرة على روايات و اقتباسات
في اللحظة دي، ظهرت الحاجة نادية من الممر، كأنها كانت واقفة مستنية الإشارة عشان تدخل. وشها كان شارد بالضيق، وإيديها لسة مبلولة من غسيل المواعين. في عينيها كانت بتلمع نظرة النصر المعتادة. متوفرة على روايات و اقتباسات
«يا إيمّي.. ليه دايماً منكدة على طارق ومزعلاه؟» صوتها كان ناعم ومصطنع الشفقة، بس مليان سم. «الواد بيرجع شقيان وتعبان من برة، وأنتِ مش وراكي غير طلبات وتوضيب ومصاريف على الفاضي…»
حاجة جوة إيمان اتقطعت 💔. المشهد ده، الست دي، جوزها.. كل حاجة بتتكرر بنفس التفاصيل المملة كأنهم في تمثيلية بايخة. والذنب في الآخر ذنبها هي. دايماً إيمان هي الغلطانة.
«يا طنط نادية، المية مغرقة الدنيا تحت الحوض، أنا مش بتبلى على حد ولا بألف»، قالتها بصوت واطي ويدوب مسموع.
«مية؟!» حماتها لوحت بإيدها وهي بتبص للسقف بملل. «حتة قماشة قديمة ونمسحها وخلاص، مش مستاهلة نرمي فلوسنا في الأرض على كلام فارغ.»
طارق طلع علبة السجاير وولع واحدة قدامها، رغم إنه عارف إن صدرها بيتعب من الدخان وهي مريضة حساسية. نفخ الدخان في وشها بمنتهى البرود والاستفزاز 🚬.
«أمي عندها حق. مفيش فلوس للخيالات بتاعتك دي. المرتب يدوب بيكفي بالعافية.»
“بس كان فيه فلوس لغسالة الأطباق الجديدة اللي جبتها لمامتك الشهر اللي فات، وفيه فلوس لرحلة العمرة بتاعتها برضه”، فكرت إيمان في سرها، بس مقالتش حاجة. مكنش فيه أي فايدة. في البيت ده، صوتها ملوش أي صدى ولا قيمة.
دخلت أوضة النوم، قفلت الباب وراها وقعدت على طرف السرير. إيديها كانت بتترعش بقوة. حست بغصة خانقة في زورها، بس معيطتش؛ دموعها كانت نشفت من كتر الوجع.
فجأة، الموبايل نور بمسألة اهتزاز. رسالة من زميلتها في الشغل، ياسمين: «إيمي، هتيجي النهارده الـ Event بتاع الشركة؟ الإدارة كلها هتحضر، والمدير هيرشح الأسماء للترقية الجديدة! لازم تيجي، دي فرصتك!»
إيمان بصت في الساعة: كانت ستة بالليل. الحفلة والتقديم هيبدأوا الساعة تمانية في مقر الشركة بالمهندسين. هي شغالة أخصائية تسويق (Marketing Specialist) في وكالة إعلانات متوسطة، والترقية دي كانت طوق النجاة اللي ممكن يغير حياتها كلها. حرية.. استقلال مادي.. مكان ملكها لوحدها تحت الشمس 🌞.
قامت بسرعة، غيرت هدومها، وحطت ميك اب خفيف يداري بهتان وشها، ولمت ورق المشروع بتاعها. وهي خارجة، لقت طارق قاعد مع والدته على الكنبة بيتفرجوا على التلفزيون وبيضحكوا بصوت عالي.
«أنا خارجة»، قالتها بنبرة هادية بس واضحة.
«على فين إن شاء الله؟» طارق سألها من غير ما يرفع عينه عن الشاشة.
«عندي بريزنتيشن وشغل مهم في الشركة.»
«في الوقت ده؟!» حماتها ضيقت عينيها بإنكار. «ومين هيحضر العشا للبيه؟»
«العشا جاهز في المطبخ، يدوبك هيتسخن بس.»
«تمام..» طارق ضحك بسخرية وهو بيبصلها أخيراً. «يعني بيتك وجوزك مش في حساباتك خالص؟ الشغل أهم مننا؟»
وقفت إيمان عند باب الشقة. كان جواه بركان عايز يصرخ في وشهم، تقولهم إنها هي اللي بتطبخ وتكنس وتمسح وبتشتغل شغلانتين عشان تسند البيت، في الوقت اللي هو وأمه قاعدين يقيموا مسلسلات ويتفرجوا على برامج. بس بدال ما تنفجر، قالت بصوت هادي وقوي:
«هرجع متأخر. متستنونيش.»
برد ليل القاهرة في فبراير قرص وشها أول ما نزلت الشارع، بس لأول مرة من سنين حست بنسمة الهوا بتدخل صدرها بجد. حست إنها بتتنفس. لوهلة قصيرة، كانت رايحة لمكان الناس فيه بتقدر تعبها وبتشوف قيمتها.
وهي في المترو، وسط زحمة الناس وريحة سكة الحديد المألوفة، الموبايل اتهز تاني: تلات مكالمات فائتة من رقم أرضي غريب. طلبت الرقم تاني وهي قلقانة.
«أستاذة إيمان مصطفى معايا؟» سألها صوت راجل محترم وجاد. «معاكِ مكتب الأستاذ ممدوح الشافعي، المستشار القانوني لتركات عائلة “المهدي”. كنا حابين نكلمك بخصوص إعلام وراثة وميراث خاص بحضرتك.»
«ميراث؟!» كررت الكلمة بذهول وهي مش مصدقة ودنها.
«أيوة يا فندم. عمتك، السيدة فريدة المهدي، الله يرحمها سابت وصية موثقة، وحضرتك الوريثة الوحيدة ليها.»
الدنيا لفت بإيمان في مكانها. عمتها فريدة اللي كانت عايشة برة مصر ومشافتهاش من وهي طفلة.. الست الطيبة ذات العيون الهادية اللي كانت دايماً بتبعتلها صورها القديمة.
«بس أنا.. مكناش بنتكلم كتير..» همست إيمان.
«رغم كدة، الوصية واضحة وصريحة. الميراث عبارة عن شقة سكنية في وسط البلد، ومبلغ مالي محترم في البنك. تقدري تشرفينا بكره الصبح لإنهاء الإجراءات؟»
شقة.. ملكها؟ مكان خاص بيها؟ حياة مفيش فيها تحكم ولا ذل.
أخدت نفس عميق وحست بدموع الفرحة بتلمع في عينيها: «أيوة طبعاً، هكون عندكم بكره تسعة الصبح.»
لما نزلت من محطة المترو، حست إن مشيتها اتغيرت. رجليها شالتها بثقة مكنتش عارفاها. البريزنتيشن في الشغل عدي كأنه حلم جميل: مديرها كان بيهز راسه بإعجاب شديد، وعينيه بتلمع بتقدير وفخر بشغلها.
رجعت البيت على الساعة حداشر بالليل. النور كان شغال. طارق كان واقف في الصالة، وشه أحمر من الغضب وعروق رقبته بارزة وجسمه بيترعش. متوفرة على روايات و اقتباسات
«كنتِ فين لحد دلوقتي؟!» زعق وهو بيشدها من دراعها بقسوة.
«قلتلك في الشغل.»
«كدابة!» ضغط على دراعها أكتر. «أنا كلمت ياسمين صاحبتك وقالتلي إن الحفلة خلصت من تسعة! كنتِ صايعة فين للوقت ده؟!»
إيمان شدت دراعها منه بقوة خلت صوابعه تسيب علامات حمراء على جلدها. بصتله ببرود غريب عليها وقالت:
«كنت مع المحامي. عمتي فريدة الله يرحمها سابتلي ورث.. شقة باسمي.»
طارق اتسمر في مكانه والكلمة لجمته. «شقة إيه؟»
«شقتي أنا»، بصت في عينه مباشرة لأول مرة من سنين من غير ما ترمش. «أنا هنقل حاجتي وهعيش هناك.»
الحاجة نادية طلعت من المطبخ ووشها مخطوف وباهت: «جرى إيه يا بت أنتِ؟! اتجننتي ولا إيه؟ مفيش ست محترمة تسيب بيت جوزها!»
وفي نفس اللحظة، الموبايل رن في إيد إيمان برقم غريب تاني.
«ألو؟» حكايات مني السيد
«مساء الخير يا فندم. معاكِ المهندس شريف من مكتب التطوير العقاري. كنا بنأكد مع حضرتك تفاصيل بخصوص شقة المرحومة السيدة فريدة في وسط البلد. حابة حضرتك تعرضيها للإيجار ولا ناوية تسكني فيها؟»
إيمان سكتت لثانية. لسة حتى مشافتش الشقة، بس كلمة بتاعتك وملكك كانت بترن في ودنها زي نغمة موسيقية بتداوي جروحها.
«لا، هسكن فيها طبعاً»، ردت بنبرة هادية وواثقة زي الصخر.
لما قفلت السكة، الصمت المرعب ساد الصالة. طارق كان بيبص لها كأنه واقف قدام واحدة تانية خالص غير إيمان الضعيفة المستسلمة.
«أنتِ أكيد بتهزري.. مش هتقدري تعملي كدة أصلاً! هتروحي فين لوحدك؟ إحنا هنا بيتنا وحياتنا وأمي اللي شايلاكي…»
«بيتك، وحياتك، وأمك أنت»، قاطعته إيمان بنبرة حاسمة. «أنا كنت هنا مجرد خيال مآتة بيخدمكم وخلاص.»
الحاجة نادية خدت خطوة لقدام، ورفعت راسها لفوق بتقليدها المعتاد: «أنتِ نكرتي الجميل بسرعة كدة؟ نسيتي مين اللي لمك واداكِ سقف يداريكِ؟ من غير طارق ومن غيرنا أنتِ متساويش…»
«من غيركم، أنا هعرف أتنفس لأول مرة في حياتي»، قالتها إيمان وهي واقفة مفرودة الظهر، والتردد والخوف اللي عاشوا جواها سنين دابوا تماماً في اللحظة دي. «بكره الصبح حاجتي هتكون برة البيت ده.»
عدت من جنبهم ببرود، وسابت وراها ريحة التغيير، والحرية، وبداية الشتا الجديد اللي هتدفا فيه لوحدها.
تاني يوم الصبح، شمس القاهرة طلعت صافية وجميلة بشكل غريب. النور الدهبي كان مالي الشوارع، ولأول مرة إيمان تحس إن الشمس بتطبطب عليها. كانت واقفة قدام مكتب المحامي في جاردن سيتي، قلبها بيدق بهدوء وثقة.
جوه المكتب كل حاجة خلصت بسرعة: إمضاءات، أختام، استلام عقود ومفاتيح. المحامي ابتسم وبارك لها:
«ألف مبروك يا أستاذة إيمان. الشقة رسميًا بقت ملكك، العنوان: شارع سليمان باشا، وسط البلد، عمارة رقم 14.»
نزلت الشارع وهي ماسكة العقود في إيدها، وحاسة براحة وطمأنينة ملهاش حدود. الدنيا أخيراً ضحكتلها.
الشقة الجديدة كانت في عمارة فرنسية قديمة من عمارات وسط البلد الكلاسيكية، بلكوناتها حديد مشغول وجميل، والمدخل رخام عريض وأصيل. أول ما فتحت الباب، شمت ريحة الخشب القديم والذكريات. صالة واسعة بسقف عالي، وأرضية باركيه بتزيّق براحة، وشبابيك شيش خشبية كبيرة بتدخل ضوء الشمس الدهبي بتاع العصر.. المكان كان مريح ودافي بشكل غريب، كأنها كانت عايشة هنا طول عمرها.
على رف الشباك القديم، لقت دبدوب صغير من القطيفة المغبرة. شبه الدبدوب اللي كان عندها وهي طفلة صغيرة.
إيمان مشت صوابعها عليه براحة، وحست بقلبها بيتفتح. دموعها نزلت.. بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع غسلت كل الحزن والتعب اللي فات.
قضت تلات أيام بحالهم بتنضف، وبتدهن الحوائط بألوان مبهجة، وبتطرد تراب الماضي برة حياتها. كل ركن في الشقة بدأ ينطق بالحياة والبهجة تحت إيديها. هنا بداية حياتها الحقيقية. من غير إهانات، من غير عيون بتبص لها بـ غل وتقليل. هي وبس، تعبها، وسلامها النفسي.
في اليوم الثالث، تليفونها رن. كان طارق.
«إيمان.. إحنا لازم نتكلم. أنا غلطت، وأمي كمان كانت متنرفزة ومقصدتش. ارجعي بيتك يا إيمان، البيت من غيرك ضلمة ومفهوش روح.»
فضلت ساكتة كذا ثانية. صوته كان طالع مكسور، تائه، وضعيف. زمان، كانت هتضعف وتصدق وترجع جري. بس دلوقتي؟ لا. مابقاش فيه جوة قلبها لا زعل ولا حنين ليه.
«يا طارق، أنا مش شايلالك أي غل ولا كره في قلبي. بس أنا محتاجة أعيش.. أعيش بجد كإنسانة.»
فضل يتكلم ويحاول يفكرها بأيام زمان والعشرة، بس إيمان مكنتش بتسمع خلاص. كانت واقفة بتبص لـ خيوط الشمس وهي داخلة من الشباك بتنور جزيئات التراب في الهوا كأنها دهب طاير. الحياة، بالنسبة لها، كانت لسة بتبدأ حالاً.
بعد شهر..
إيمان كانت واقفة في مطبخها الجديد، بتعمل قهوتها الصبح وهي بتضحك من قلبها مع ياسمين في التليفون بعد ما استلمت منصبها الجديد في الشركة. بالليل بقت تنام في هدوء من غير كوابيس ولا خوف. أوقات كانت لسة بتفتكر صوت طارق وزعيق حماتها نادية، بس الأصوات دي بقت بعيدة وضعيفة زي صدى صوت في وادي مهجور.
بدال الضوضاء دي، كان فيه هدوء جميل مالي الشقة. هدوء ملوش نهاية. إيمان بقت هي صاحبة المكان: صاحبة بيتها، صاحبة قرارها، وصاحبة كل ثانية في عمرها.
شقة ملكها.. وحياة ملكها.
أما كلمة غريبة.. فـ اختفت من قاموس حياتها للأبد.
يتبع
بقلم منــي السيد
الفصل الثاني: ملامح الحرية والتراب
لم تكن شمس وسط البلد تشبه شمس أي مكان آخر؛ كانت تتسلل عبر شقوق الشيش الخشبي العريض لتصنع خطوطًا ذهبية مائلة على أرضية الباركيه، محملة بـ ذرات تراب خفيفة تتراقص في الهواء كأنها كائنات مجهرية تحتفل بالصباح.
حكايات مني السيد
استيقظت إيمان في السابعة صباحًا دون حاجة لمنبه. لم يكن هناك صوت صراخ، ولا خبطات متتالية على باب المطبخ، ولا أنفاس طارق الثقيلة والمحملة باللوم تملأ الغرفة. جلست على طرف سريرها الصغير الجديد، وضعت قدميها الحافيتين على الخشب الدافئ، وأغمضت عينيها لتستمع إلى سيمفونية الصباح القاهرية: بائع الفول الذي يجر عربته في الشارع الجانبي مناديًا بصوته الأجش «يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم»، كلاكيت السيارات المتقطع، زقزقة العصافير التي اتخذت من شجرة الفيكس العتيقة المواجهة للبلكونة سكنًا لها.
قامت متجهة إلى المطبخ الصغير الذي أعادت طلاء جدرانه باللون الأزرق السماوي. وضعت الكنكة النحاسية على عين البوتاجاز الصغيرة، وانتظرت حتى بدأت القهوة ترتفع ببطء. وقفت في البلكونة ذات السور الحديدي المشغول (الفورفورجيه) المطل على شارع سليمان باشا. تنفست بعمق، حاسّة ببرودة فبراير الخفيفة تلامس وجهها، ومج القهوة يدفئ يديها.
لأول مرة منذ سنوات، كان فنجان القهوة ملكًا لها وحدها. لا أحد يسألها «أنتِ واقفة بتعملي إيه؟»، ولا أحد يعاتبها لأنها لم تجهز الفطور بعد. كان الصمت المحيط بها دافئًا وممتلئًا بالس*كينة، وليس ذلك الصمت الثقيل المحمل بالخوف الذي عاشت فيه لسنوات.
2. تركة فريدة.. وأسرار الصندوق المصدّف
في الأسبوع الثاني لها في الشقة، قررت إيمان أن تفتح الغرفة المغلقة في نهاية الممر. كانت تلك الغرفة تحتوي على مقتنيات عمتها الراحلة فريدة التي لم تُمس منذ سنوات. كانت الغرفة تفوح برائحة الماضي؛ ريحة بخور عتيق، ونفتالين، وكتب قديمة.
في زاوية الغرفة، كان هناك دولاب ضخم من خشب الورد، فتحت إيمان أبوابه ببطء، لتجد فساتين قديمة من طراز الستينات والسبعينات، أنيقة ومحفوظة بعناية، كأن صاحبتها كانت تستعد للخروج في أي لحظة. وفي أسفل الدولاب، عثرت على صندوق خشبي صغير مطعم بالصدف البحري.
جلست إيمان على الأرض، ووضعت الصندوق في حجرها. فتحته لتدق دقات قلبها متسارعة. كان الصندوق يحتوي على صور باللونين الأبيض والأسود لعمتها فريدة في شبابها؛ كانت تبدو غاية في الأناقة، بابتسامة غامضة وعينين تشبهان عيني إيمان تمامًا. وتحت الصور، كانت هناك حزمة من الرسائل القديمة مربوطة بشريط قطيفة أحمر، ودفتر صغير مذهب الأطراف.
فتحت إيمان الدفتر، لتقرأ بخط يد عمتها الرقيق:
«إلى من سيؤول إليها هذا المكان من بعدي.. إلى ابنة أخي إيمان، التي ربما لم ترني إلا طفلة صغيرة، لكني رأيت في عينيها يومًا نفس الشرارة التي حاولوا إطفاءها فيّ. يا إيمان، هذا البيت ليس مجرد جدران وأرضية، إنه حصني الذي بنيته بعدما حاولت القيود أن تخنقني. لقد هربت يومًا من زواج كاد يقت*ل روحي، وعشت هنا حرة، أكتب وأرسم وأتذفس الحياة. لا تقبلي أبدًا أن تكوني هامشًا في كتاب شخص آخر. كوني أنتِ الكاتبة، وكوني أنتِ البطلة. هذا البيت أمانة بين يديكِ، لتذكري دائمًا أن للمرأة حقًا في سقف يخصها، وأرض تقف عليها بثبات.»
سقطت دمعة ساخنة من عين إيمان على صفحة الدفتر، لتمحو قليلاً من حبر الكلمات القديمة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن الميراث مجرد ضربة حظ أو مصادفة بحتة؛ بل كان كأنه نداء من امرأة عاشت نفس وجعها وتفهمت صمتها الطويل، نداء عبر الزمن ليقول لها: «أنتِ لستِ وحدكِ». حكايات مني السيد
ضمت إيمان الصندوق إلى صدرها، وشعرت بقوة جديدة تنبت في أعماقها. تخلصت من آخر بقايا الشعور بالذنب الذي كان يحاول طارق وأمه زرعه في نفسها. هي لم تهدم بيتها؛ هي فقط عادت إلى بيتها الحقيقي. متوفرة على روايات و اقتباسات….
3. معركة إثبات الذات
في وكالة الإعلانات بالمهندسين، كانت إيمان تعيش مرحلة جديدة من التوهج المهني. بعد الترقية، أصبحت مسؤولة عن حملة تسويقية ضخمة لإحدى كبرى شركات العقارات في مصر. لم تعد تلك الموظفة الهادئة التي تجلس في الزاوية وتكتفي بتنفيذ التعليمات؛ بل أصبحت تقود الاجتماعات، وتطرح الأفكار بجرأة، وتناقش الإدارة العليا بكفاءة نالت احترام الجميع. متوفرة على روايات و اقتباسات…
«أنا بجد مش عارفاكِ يا إيمي!» قالت ياسمين وهي ترتشف عصير الليمون بالنعناع في استراحة الغداء بحديقة الشركة. «بقالك شهر كامل كأنك واحدة تانية. الوش الباهت دبل، وعينيكِ بقت بتلمع، حتى ستايل لبسك وطريقتك في الكلام بقى فيها ثقة غريبة. بجد، إيه السر؟»
ابتسمت إيمان وهي تنظر إلى الأوراق التي بين يديها: «السر بسيط يا ياسمين.. بقيت بتنفس هوا نضيف، هوا مش مسموم باللوم والاتهامات التقليلة. اكتشفت إن طاقتي كلها كانت بتضيع في الدفاع عن نفسي جوه بيت ملوش أمان. لما ارتحت نفسيًا، شغلي وحياتي بقوا هم المستفيدين.»
«طارق حاول يكلمك تاني؟» سألت ياسمين بنبرة قلقة.
تنهدت إيمان: «بيبعت رسايل طول الوقت. مرة بيترجى ومرة بيشتم ويهدد. وأمه دخلت خالته وعمته في الموضوع، وكل شوية مكالمات من قرايبهم يكلموني عن “خراب البيوت” و”صبر الست الأصيلة”. بس أنا قفلت الباب ده تماماً يا ياسمين. أنا رفعت قضية طلاق للضرر، والمحامي شغال في الإجراءات.»
«برافو عليكِ يا إيمان. الست اللي تشتري نفسها وعمرها، متندمش أبدًا على ناس مش شايفينها غير خادمة بمرتب.»
قاطعهما رنين هاتف إيمان. نظرت إلى الشاشة لتجد رقمًا لم تسجله، لكنها تحفظه عن ظهر قلب. كان رقم طارق. ترددت لثوانٍ، ثم قررت أن ترد لمرة واحدة وأخيرة تضع فيها حدًا لكل شيء.
«أيوة يا طارق»، قالتها بصوت هادئ وجاف.
جاءها صوته من الطرف الآخر، ولم يكن فيه زئير الغضب المعتاد، بل نبرة منكسرة ومصطنعة اللين: «إيمان.. أخيرًا رديتي. بقالي شهر مش عارف أوصلك. البيت وحش من غيرك يا إيمي. أمي تعبانة ونايمة في السرير، وكل شوية تسأل عليكِ وتقول البنت الطيبة راحت فين. أنا غلطت يا إيمان، والضغوط والمصاريف هي اللي كانت معصباني. ارجعي وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. حتى مواسير المطبخ هغير السباكة كلها بكره الصبح بنفسي!»
حكايات مني السيد
سمعت إيمان كلماته، وشعرت برغبة في الضحك والسخرية. السباكة التي كانت سببًا في طردها وإهانتها، أصبحت الآن وسيلة للمساومة!
«طارق»، قاطعته بنبرة قاطعة كالسيف. «الموضوع مكنش مواسير مطبخ، ولا سباكة. الموضوع كان إنك عمري ما حسيت معاك بـ أمان، ولا باحترام. أنت وأمك كنتوا شايفيني حتة أثاث في البيت، بتخدم وتشتغل وتدفع ومفيهاش لسان ينطق. شقتك يا طارق عمرها ما كانت بيتي، والسباكة اللي عايز تصلحها دلوقتي، تصلحها لنفسك ولأمتك. أنا رفعت قضية طلاق، والمحامي بتاعي هيكلم محاميك.»
«طلاق؟! أنتِ اتجننتي يا بت؟!» تحولت نبرة طارق فورًا إلى الغضب الأعمى القديم، ليزول القناع المصطنع في ثانية واحدة. «فاكرة نفسك لما ورثتي قرشين وشقة قديمة في وسط البلد بقيتي هانم؟! والله ما هطلك، وهسيبك معلقة زي البيت الوقف، وهخليكِ تلفي حوالين نفسك في المحاكم لحد ما تطلبي السماح وتيجي تبوسي إيدي وإيد أمي!»
«المحاكم بيننا يا طارق. سلام.»
أغلقت الهاتف ببرود شديد، وأخذت نفسًا عميقًا. شعرت ببعض ضربات قلبها السريعة، لكنها لم تكن خائفة. كانت تلك المكالمة هي التأكيد النهائي على أن قرارها بالرحيل كان أصح قرار اتخذته في حياتها.
4. شبح في شوارع وسط البلد
مضى أسبوعان آخران. كانت إيمان تخرج من عملها في السادسة مساءً، وتستقل المترو متجهة إلى محطة السادات. كانت تحب المشي في شوارع وسط البلد ليلاً؛ المباني القديمة ذات الطراز الأوروبي، الأضواء المنبعثة من واجهات المحلات الكلاسيكية، حركة المشاة، رائحة الكستناء المشوية (أبو فروة) وحمص الشام في الهواء. كل هذا كان يمنحها شعورًا بالانتماء لمدينة حية وصاخبة.
في أحد أيام الخميس، وهي تقترب من مدخل عمارتها في شارع سليمان باشا، لاحظت شخصًا يقف في الظل بجوار محل لبيع الكتب القديمة. كان يرتدي جاكيتًا رماديًا ثقيلاً، ويدخن بعصبية.
تصلبت خطواتها عندما اقترب الشخص من الضوء. كان طارق.
بدا شاحبًا، شعر رأسه غير مرتب، وتحت عينيه سواد واضح. عندما رأها، ألقى بعقب السيجارة على الأرض وتقدم نحوها بسرعة.
«إيمان!» نادى بصوت منخفض ومبحوح.
تراجعت إيمان غريزيًا خطوتين للخلف، وضمت حقيبة يدها إلى صدرها: «أنت بتعمل إيه هنا يا طارق؟ وجبت عنواني منين؟»
«مش صعب أسأل وأعرف أنتِ ساكنة فين»، قال وهو ينظر حوله إلى واجهة العمارة القديمة بنظرة تجمع بين الحقد والدهشة. «فعلًا ساكنة في وسط البلد.. هانم بجد! وسايباني أنا وأمي متبهدلين في الشقة من غير خدمة ولا لقمة نضيفة!»
«طارق، امشي من هنا فورًا، وإلا هلم عليك الشارع وأطلب الأمن»، قالتها بصوت واضح وقوي مسموع للمشاة حولهم.
«تلمي عليّ الشارع؟! بقى طارق جوزك وحبيبك اللي عشتِ معاه خمس سنين تلمي عليه الناس؟!» حاول أن يمسك ذراعها، لكنها تراجعت بمرونة وسرعة: «إياك تلمسني! أنت مابقتش جوزي، وأنت عارف كدة كويس. إحنا بيننا قضايا.»
نظر إليها طارق، وبدت في عينيه نظرة انكسار حقيقية ممزوجة بالغل: «ليه يا إيمان؟ ليه بتعملي كدة؟ عشان شقة وورث؟ الفلوس بتغير النفوس بجد! نسيتي لما كنتِ بتطبخيلي وتستنيني وتتمني بس رضايا؟»متوفرة على روايات و اقتباسات
«أنا منستش يا طارق»، ردت إيمان وعيناها تلمعان بقوة وثبات. «أنا كنت بعمل كل ده لأني كنت بحبك وبحترم بيتنا. بس أنت وأمك دستوا على الحب ده وعلى كرامتي لحد ما موتوه جوايا. الفلوس والورث مغيرونيش، الفلوس بس ادتني السقف والحيطة اللي تخليني أقول “لا” وأنا مش خايفة من الشارع. السقف ده خلاني أقف قدامك وأقولك إنك مابقتش تقدر تذلني بلقمتي ولا بنومتي. أنا مش هرجعلك يا طارق، حتى لو الشقة دي اتهدت فوق دماغي.»
شعر طارق بأن الكلمات تخرج منها كالصخور الصماء، علم لأول مرة أن إيمان التي كان يعرفها، تلك الفتاة الهادئة المطيعة التي تبكي في زاوية الغرفة، قد ماتت بالفعل، وأن التي تقف أمامه الآن هي امرأة أخرى، صاغتها التجربة والوجع والقوة.
أطلق ضحكة ساخرة مريرة: «ماشي يا إيمان.. هنشوف المحاكم هتعملك إيه. مش هتاخدي مني مليم واحد، والطلاق ده مش هتشوفيه إلا لما تسيبي كل حقوقك وقرشك المصدّي اللي ورثتيه!»
«أنا متنازلة عن كل حاجة يا طارق. متنازلة عن المؤخر، والمتعة، والنفقة، وكل قرش يربطني بيك. أنا هشتري نفسي بالخلع لو المحكمة مطاوعتنيش في الضرر. طلاقي منك هو المكسب الحقيقي اللي مستعدة أدفع فيه عمري كله.»
تركت إيمان طارق واقفًا في مكانه، صامتًا تائهًا تحت ضوء عمود الإنارة الأصفر. دخلت مدخل العمارة الرخامي، وصعدت السلالم العريضة بخطوات متسارعة، وقلبها ينبض بشدة، ليس خوفًا، بل بانتصار عظيم. أغلقت باب شقتها خلفها، واستندت بظهرها عليه. تنفست الصعداء، وشعرت بروح عمتها فريدة تبتسم لها من زاوية الغرفة.
5. في ردهات محكمة الأسرة
لم تكن تجربة محكمة الأسرة بالسهلة على إيمان. كانت المرة الأولى التي تخطو فيها داخل مبنى المحكمة بـ “مصر الجديدة”، حيث رائحة الأوراق الرسمية، وضوضاء المحامين والمتقاضين، والوجوه المتعبة لنساء ينتظرن الحصول على نفقة أو طلاق.
جلست إيمان بجوار محاميها، الأستاذ ممدوح الشافعي، الرجل الوقور الذي تولى قضية الميراث والآن يتولى قضية انفصالها. كانت تنظر إلى الوجوه من حولها؛ نساء يحملن أطفالاً يبكون، ورجال بوجوه واجمة وعيون تملأها الخصومة. شعرت بحزن دفين على ما تؤول إليه العلاقات الإنسانية، لكنها تذكرت دائمًا قول عمتها: «لا تقبلي أن تكوني هامشًا».
«جلسة الخلع والشقاق قربت يا أستاذة إيمان»، قال الأستاذ ممدوح وهو يرتب أوراقه بنظام. «إحنا قدمنا كل الأوراق اللي تثبت استحالة العشرة، وبما إنك تنازلتي عن كل الحقوق المالية، فالإجراءات هتكون سريعة ومش هتاخد وقت طويل. القاضي هيطلب حضوركم لجلسة الصلح، وطبعًا إحنا هنرفض الصلح رسميًا.»
«أنا مستعدة لكل حاجة يا متر»، قالت إيمان بثبات. «المهم أخلص.»
في قاعة المحكمة، وقف طارق مع محاميه في الجانب الآخر. لم ينظر إليها، بل كان ينظر للأرض بجمود، بينما كانت الحاجة نادية تجلس في المقاعد الخلفية وتوجه لإيمان نظرات نارية وتهمس بكلمات تبدو كالدعاء والشتائم الصامتة.
عندما نادى الحاجب على اسم إيمان وطارق، وقفا أمام منصة القاضي. كان القاضي رجلاً وقورًا ذو لحية بيضاء خفيفة ونظارات طبية سميكة. نظر في الأوراق ثم نظر إليهما:
«يا بنتي.. ويا ابني. المحكمة وظيفتها الأولى هي الحفاظ على الأسرة. مفيش بينكم عيال، وده بيسهل الأمور شوية، بس برضه الطلاق مش سهل. أنتِ يا إيمان مصممة على الخلع وتنازلك عن كل حقوقك الشرعية؟» متوفرة على روايات و اقتباسات
بصوت واضح ملأ القاعة، ردت إيمان: «أيوة يا فندم. مصممة وبشدة. العشرة بقت مستحيلة، وأنا بشتري حريتي ونفسي.»
التفت القاضي لطارق: «وأنت يا طارق؟ معترض؟»
نظر طارق إلى إيمان للحظة، ورأى في عينيها ذلك الجدار الخرساني الذي لم يعد بإمكانه هدمه. تنهد بمرارة وقال بصوت منخفض: «موافق يا فندم.. طالما هي بايعة بالشكل ده وتنازلت عن كل حاجة، أنا مش هجبر واحدة تعيش معايا غصب عنها.»
ضرب القاضي بمطرقته الخشبية معلنًا انتهاء الجلسة، وإحالة الدعوى للحكم في الجلسة القادمة.
خرجت إيمان من قاعة المحكمة، وشعرت كأن جبلًا من التراب والحجارة قد انزاح عن صدرها. لم تعد هناك قيود، ولم يعد هناك طارق. الورقة الرسمية التي ستستلمها بعد أيام ستكون مجرد حبر على ورق، لكن حريتها الفعلية كانت قد بدأت بالفعل منذ اللحظة التي قررت فيها النزول للمترو في تلك الليلة الباردة من فبراير.
6. حياة بنكهة الياسمين
بعد مرور ستة أشهر على انتقالها لشقتها بوسط البلد..
كانت الشقة قد تحولت بالكامل إلى جنة صغيرة تعبر عن روح إيمان. الشرفة تملأها أصص الياسمين والريحان والنعناع الأخضر، التي تفوح رائحتها مع كل نسمة هواء قاهرية. الصالة أصبحت تحتوي على مكتبة خشبية صغيرة تضم كتبًا في التسويق والأدب وعلم النفس، وإلى جانبها لوحات صغيرة رسمتها إيمان بنفسها مستوحاة من تفاصيل شوارع وسط البلد.
في مساء يوم جمعة دافئ من شهر أغسطس، كانت إيمان تقيم حفلة صغيرة في شقتها احتفالاً بنجاح حملتها التسويقية الأخيرة وحصولها على جائزة “أفضل موظفة في الوكالة للنصف الأول من العام”.
كانت ياسمين وبعض الأصدقاء من الشغل حاضرين، تملأ ضحكاتهم أركان المكان. كان هناك موسيقى هادئة تعزف في الخلفية لـ “أم كلثوم” وهي تغني «يا مسهرني»، ممتزجة بصوت الضحكات ورائحة المخبوزات الطازجة والقهوة بالحبهان التي صنعتها إيمان بنفسها.
«بجد يا إيمي.. الشقة دي فيها طاقة إيجابية مش طبيعية!» قالت ياسمين وهي واقفة في البلكونة تبص على شوارع وسط البلد المضاءة. «تحسي إن الحيطان بتتنفس معاكِ.»
ابتسمت إيمان وضمت مج الشاي بحليب الخاص بها: «عشان الحيطان دي اتغسلت بدموع حقيقية، وضحكات حقيقية يا ياسمين. البيت مش بالطوب، البيت بالروح اللي جواه. لما الروح بتكون حرة ومرتاحة، البيت كله بينور.»
بعدما رحل الأصدقاء، ساد الشقة ذلك الصمت الدافئ الذي عشقته. رتبت المكان بهدوء، ثم توجهت إلى بلكونتها المفضلة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والشوارع بدأت تهدأ قليلاً، ونسمات الصيف الرطبة تداعب وجهها.
نظرت إيمان إلى السماء المرصعة بنجوم قليلة تقاوم أضواء القاهرة الصاخبة. تذكرت إيمان القديمة؛ تلك الفتاة الخائفة التي كانت تقف بجانب الشباك في شقة حماتها، ممسكة بمج الشاي البارد، وتستمع لإهانات طارق بصمت مكسور.
أرسلت لها في سرها قبلة دافئة وشكرتها؛ لأنها احتملت كل ذلك الوجع لتصل بها إلى هنا.
أخرجت هاتفها، وفتحت حسابها البنكي لتجد إشعارًا بتحويل مكافأة الشركة الكبيرة إلى حسابها، بالإضافة إلى أرباح شقتها الأخرى التي أجرتها بوسط البلد. لم تعد بحاجة لأحد، ولم تعد تحت رحمة شفقة أو فضل من أي شخص.
وضعت الهاتف جانبًا، وأغمضت عينيها مستنشقة رائحة الياسمين المنبعثة من أصص الزرع بجوارها.
لقد تلاشت كلمة «غريبة» تمامًا من عالمها. هنا، في قلب القاهرة القديمة، وسط جدرانها الخاصة وتحت سقفها الذي تحميه روح عمتها فريدة وقوتها الشخصية.. كانت إيمان هي الملكة غير المتوجة لحياتها، والكاتبة الوحيدة لقصتها التي بدأت فصولها الحقيقية لتوها.
وهنا.. نامت إيمان ملء جفونها، غارقة في سلام داخلي لم تعرفه من قبل، مدركة أن الحرية، رغم ثمنها الغالي، هي الشيء الوحيد الذي يستحق أن نحارب من أجله حتى النفس الأخير.