بقـالي 3 سـنين جوزي بيـرفض يقـربلي… وفـي ليلة سمعـت صوت راجـل طـالع من أوضـة حـماتي…واللي شوفته ورا الباب ده… جمدني مكاني. أنا اتجوزت وأنا عندي 27 سنة… في القاهرة، في وقت كان أغلب صحابي بدأوا يخلفوا ويعيشوا الحياة اللي المجتمع بيقول إنها "الصح". فلما قابلت "كريم"…حسيت إني كسبت الدنيا. كان مهندس كهرباء… أكبر مني بـ3 سنين…وشغال في شركة كبيرة في العاصمة.هادي… محترم… مسؤول… وكأنه زيادة عن اللزوم في المثالية. ما بيشربش…ما بيغيبش بالليل… ما بيبصش لستات تانية…ودايمًا بيعاملني بلطف يخليني أحس بالأمان...كل الناس قالتلي: "إنتي وقعتي على كنز." حتى أمي… اللي عمرها ما كانت بتثق في حد بسهولة… قالتلي مرة: "الراجل اللي باين كامل زيادة عن اللزوم… بيخوفني شوية." ضحكت وقتها… وافتكرتها هزار...طول فترة خطوبتنا… كريم ما ادانيش سبب واحد أشك فيه. واتجوزنا بعد 10 شهور بس...بعد الجواز… نقلت أعيش معاه في بيت عيلته في أطراف القاهرة… بيت كبير وهادي… وكان عايش فيه مع والدته الأرملة "الحاجة سعاد". الحاجة سعاد كانت مؤدبة… بس باردة...نادرًا ما كانت تخرج من أوضتها…ما بتبدأش كلام…وصمتها كان بيخلي البيت كله تقيل لما تعدي...أول كام شهر في الجواز كانوا هاديين… على الأقل من بره...بس كان في حاجة واحدة مش قادرة أتجاهلها….جوزي كان بيتجنب أي علاقة بيني وبينه. ليلة الدخلة… لما قربت منه… مسك إيدي بهدوء وقال: "خلينا ناخدها واحدة واحدة شوية…"قلت لنفسي عادي… ممكن متوتر…أو مرهق من الفرح… وقلت مش لازم الجواز يبقى زي الأفلام.خبس "شوية" دي…بقت أسابيع…وبعدين شهور…وبعدين سنين. 3 سنين جواز كاملين… وإحنا عايشين زي زمايل في شقة… مش زوج وزوجة. لا خناقات… لا ضرب… لا خيانة واضحة…بس مسافة… حاجز بارد… مش شايفة له سبب...وكل ما أسأله… كان يبتسم بحزن…يبوس جبيني… ويقول لي: "ما تقلقيش." لحد الليلة اللي كل حاجة فيها اتغيرت. في ليلة… كان في مطر شديد جدًا… الهوا بيخبط في الشباك لدرجة صحيت من النوم الساعة 2 بالليل. .في الأول افتكرت صوت رعد… بس بعدها ركزت…ولقيت في صوت ناس بتتكلم. الصوت كان جاي من أوضة حماتي. وده كان غريب…لأنها عمرها ما بتسهر. بس اللي خلاني اتجمد…إن الصوت التاني… ماكانش صوت كريم...كان صوت راجل. غليظ…مستعجل…وغريب. قعدت على السرير مصدومة…ومديت إيدي جنبي… كريم ماكانش موجود...قلبي كان بيدق بعنف… قومت وأنا حافية… وبترتعش… ومشيت في الطرقة الضلمة…لحد ما وصلت قدام أوضة..حماتي...الباب كان موارب شوية… قربت ببطء…وبصيت من الفتحة الصغيرة…واللي شوفته جوا…خلاني اتجمد مكاني....في اللحظة دي… فهمت الحقيقة المرعبة....أنا ماكنتش عايشة جوا جواز… أنا كنت عايشة في كذبة. حكايات اسما قول "نعم" لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين الراجل اللي كان واقف جوه أوضة حماتي… كان جوزي. كريم. بس ماكانش واقف بالطريقة اللي أي ابن يقف بيها مع أمه. كان واقف قدامها وهو بيعيط. بيعيط بانهيار كامل. وإيده ماسكة إيد راجل تاني قاعد على الكرسي جنب السرير. راجل عنده تقريبًا خمسين سنة… شعره أبيض خفيف… ولابس بدلة سودا شيك كأنه جاي من عزاء أو اجتماع مهم. وفي اللحظة اللي شفته فيها… قلبي وقف. لأن الراجل ده… كان شبه كريم بشكل مرعب. نفس العينين. نفس طريقة الوقفة. حتى نفس حركة إيده وهو بيتكلم. حماتي كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب، وبتقول بصوت مرتعش: — خلاص يا كريم… لازم الحقيقة تتقال. كريم هز راسه بعنف. — لا… مش دلوقتي… أرجوكي مش دلوقتي. الراجل التاني بصله بحزن. وقال: — يا ابني… الكدبة كبرت زيادة. أنا كنت واقفة ورا الباب… مش قادرة أتنفس. حاسّة إن الأرض بتتحرك تحتي. فجأة كريم رفع وشه… وشافني. اللون اختفى من وشه بالكامل. اتجمدنا إحنا الاتنين. ثواني طويلة… مافيش صوت فيها غير المطر. وبعدين سمعت حماتي بتهمس: — يا ساتر… رجلي كانت بتترعش. دفعت الباب ببطء أكتر ودخلت. بصيت للراجل الغريب. ثم لكريم. وقلت بصوت مبحوح: — مين ده؟ ماحدش رد. بصيت لحماتي. — مين الراجل ده؟ دموع كريم نزلت فجأة. وده كان أول مرة أشوفه بيعيط من يوم عرفته. قال: — ندى… اسمعيني بس. صرخت: — مين ده؟! الراجل وقف ببطء. وبصلي بعينين مليانين ذنب قديم. وقال: — أنا… أبو كريم. شهقت. بصيت لحماتي بسرعة. — إنتِ قولتيلي إنه مات من عشرين سنة. حماتي بدأت تبكي. — سامحيني يا بنتي… بصيت لكريم. كان واقف منهار تمامًا. همست: — إنت كدبت عليا؟ قال بسرعة: — الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. ضحكت ضحكة قصيرة مصدومة. — بجد؟! لأن اللي أنا فاهماه دلوقتي إن أبوك عايش… وإنت مخبيه عني من تلات سنين جواز! الراجل قرب خطوة. — أنا هشرحلك كل حاجة. صرخت فيه: — ماتقربش مني! قلبي كان بيدق بعنف. بس جوايا… إحساس تاني بدأ يصحى. إحساس إن دي مش الحقيقة الكاملة. في حاجة أعمق. أوسخ. بصيت لكريم. — ليه مخبي إنه عايش؟ سكت. وده كان كفاية يخوفني أكتر. قلت ببطء: — كريم… إنت مين؟ الراجل العجوز غمض عينه. ثم قال: — لأن كريم مش ابن سعاد. الدنيا سكتت. بصيت لحماتي بعدم استيعاب. كانت بتبكي وهي هازة راسها. أما كريم… فكان باصص للأرض كأنه طفل صغير اتقفش. همست: — يعني إيه؟ الراجل قال: — أنا كنت متجوز واحدة تانية زمان… وخلفت كريم منها. لكن أمه ماتت وهو عنده خمس سنين. بص ناحية سعاد. — وسعاد كانت أختها. شهقت. كمل: — بعد موتها… سعاد أصرت تربّيه كابنها. بس بشرط. قلبي انقبض. — شرط إيه؟ سعاد رفعت وشها أخيرًا. وصوتها خرج ضعيف لأول مرة: — إنه مايعرفش الحقيقة. بصيت لها بعدم فهم. — وليه كل ده؟! صرخت فجأة وهي بتعيط: — علشان كنت بحبه! الصمت وقع فوق الأوضة كأنه حجر. سعاد كانت بتنهار قدامي. — كنت بحب جلال من قبل أختي ما تتجوزه… ولما ماتت… حسيت إن دي فرصتي الوحيدة أبقى جزء من حياته. بصيت للراجل. اسمه جلال. كان واقف مكسور. أما كريم… فكان بيبكي بصمت. سعاد كملت بانهيار: — قلتله نربي كريم كابني… ونعيش كلنا في بيت واحد… بس من غير جواز رسمي… علشان الناس. المعدة عندي اتقلبت. بصيت لكريم. — وإنت كنت تعرف؟ هز راسه ببطء. — عرفت وأنا عندي 16 سنة. قلبي دق بعنف. كل حاجة بدأت تركب. البرود. المسافة. الخوف. النظرات الغريبة بينه وبين سعاد أحيانًا اللي كنت أقنع نفسي إنها عادية. همست: — ليه… ليه اتجوزتني؟ كريم رفع عينه ليا… وكان فيها رعب حقيقي. قال: — حاولت أبقى طبيعي. الكلمة ضربتني كأنها قلم. طبيعي. يعني طول جوازنا… أنا كنت تجربة. محاولة. غطا اجتماعي. ضحكت ضحكة هستيرية صغيرة. — طبيعي؟! تلات سنين وأنا فاكرة إن المشكلة فيا! فاكرة إني مش مرغوبة… مش أنثى كفاية… وإنك بس متوتر أو مكتئب! دموعي نزلت بغصب. — وأنا كل ليلة بلوم نفسي! كريم قرب بسرعة. — ندى والله ما كان قصد— صرخت فيه: — ماتلمسنيش! اتجمد مكانه. سعاد بدأت تبكي أكتر. — إحنا غلطنا… بس خفنا الناس تعرف. قلت بصدمة: — تعرف إيه؟ إنكم عايشين كذبة مقرفة من عشرين سنة؟! جلال قال بحزن: — الموضوع أعقد من كده. بصيتله بعصبية. — مافيش حاجة أعقد من إنكم استخدمتوني. سكتوا. وده أكدلي كل حاجة. أنا ماكنتش زوجة. كنت ستارة. واجهة اجتماعية. واحدة يشاوروا عليها في المناسبات ويقولوا: “ابننا متجوز ومستقر.” افتكرت كل مرة سعاد كانت تسألني فيها قدام الناس: “لسه مافيش بيبي؟” وكل مرة كريم يهرب من السرير بحجة الشغل أو التعب. كانوا بيخلوني أتحمل الذنب كله… علشان السر يفضل مدفون. حسيت بغثيان. بصيت لكريم. — إنت بتحب راجل؟ دموعه نزلت أكتر. لكن اللي رد… كان الصمت. والصمت ساعات أفظع من الاعتراف. اتراجعت خطوة. حسيت نفسي غريبة جوه جلدي. كل ذكرى بينا بدأت تتشوه. كل لمسة. كل كلمة. كل “بحبك” قالها وهو بيبص بعيد. وفجأة… افتكرت حاجة. مرة من سنة تقريبًا… صحيت بالليل وما لقيتوش جنبي. وقتها نزلت أشرب مية، ولقيته قاعد مع سعاد في الصالون. كانت ماسكة وشه بين إيديها بطريقة غريبة. ولما شافوني… بعدوا بسرعة. أقنعت نفسي وقتها إني بتوهم. دلوقتي… بطني اتقبضت. قلت ببطء مرعب: — إنتوا علاقتكم مش طبيعية. وش سعاد شحب. أما كريم… فبصلي وكأنه اتخنق. هنا فهمت. وفهمت ليه أمي كانت دايمًا متضايقة من البيت ده. وفهمت ليه كنت دايمًا أحس إن في حاجة “غلط” رغم إن محدش بيعمل حاجة واضحة. العلاقة بينهم كانت مريضة. اعتمادية. امتلاك. سيطرة. سعاد ما كانتش عايزة ابن. ولا زوج. هي كانت عايزة كريم لنفسها بأي شكل. ولما كبر… اتجوزني علشان يهرب. بس هربه كان على حسابي أنا. بصيت له والدموع مغرقة وشي. — عمرك حبيتني؟ سكت ثواني طويلة. ثم قال: — حاولت. الجملة كسرت آخر حاجة جوايا. مش “أيوه”. مش “بحبك”. “حاولت.” ضحكت وأنا بمسح دموعي بعنف. — إنت حتى الصدق ما عرفتش تديني. لفيت علشان أمشي. لكن كريم جري ورايا. — ندى استني! وقفته بإيدي. — لأ. بصلي بانهيار. — أنا تعبان… ومش عارف أنا مين. بصيتله طويلًا. ولأول مرة… شفت الحقيقة فعلًا. كريم ماكانش شرير بالشكل التقليدي. كان إنسان مكسور. متشوه من علاقة مرضية واتربى على الكذب والخوف والعار. لكن ده ماكانش عذر. لأن ألمه ما يديلوش حق يدمرني. قلت بهدوء: — روح اتعالج يا كريم. شهق وهو بيعيط. — وإنتِ؟ ابتسمت بمرارة. — وأنا هحاول أعرف أنا مين… بعد ما ضيعت تلات سنين عايشة في مسرحيتكم. وسبت البيت. نزلت السلم وأنا حاسة إن صدري بيتقطع. المطر بره كان عنيف. بس لأول مرة… ما كنتش خايفة من الوحدة. لأن الوحدة أهون بكتير من إني أعيش كذبة كل يوم. روحت عند أمي الساعة ٣ الفجر. فتحت الباب أول ما شافتني. وبمجرد ما بصت لوشي… عرفت. حضنتني من غير سؤال. وأنا انهرت. قعدت أعيط في حضنها كأني رجعت طفلة صغيرة. بعد ساعة تقريبًا… لما هديت شوية… سألتني بهدوء: — عمل إيه؟ ضحكت ضحكة مكسورة. — المشكلة إنه ماعملش حاجة أصلًا. وحكيتلها كل حاجة. كلها. وفي آخر الكلام… أمي سكتت طويلًا. ثم قالت: — كنت حاسة. بصيتلها بصدمة. — حاسة بإيه؟! قالت بحذر: — إن البيت ده فيه حاجة غلط… وإن كريم مش مرتاح مع نفسه. بس ماقدرتش أقولك حاجة من غير دليل. غمضت عيني. وجع جديد دخل قلبي. قد إيه ناس كانت شايفة إن في حاجة غلط… وأنا الوحيدة اللي كنت بحارب علشان أصدق إن كل شيء طبيعي. الأيام اللي بعدها كانت جحيم. كريم فضل يتصل. يبعت رسايل. يرجاني أقابله. مرة كتب: “أنا محتاجك.” ومرة: “إنتِ أول حد حسسني إني إنسان.” ومرة: “لو سبتي البيت… ماما هتنهار.” الجملة الأخيرة بالذات خلتني أقفل الموبايل وأنا برتعش. لأنه حتى وهو بيعتذر… كان لسه مربوط بيها. بعد أسبوع… روحت أجيب باقي حاجتي. كنت فاكرة البيت هيبقى هادي. لكن أول ما دخلت… سمعت صريخ. صوت سعاد. كانت بتزعق بانهيار: — إنت السبب! إنت اللي خليتها تمشي! وكريم بيرد لأول مرة بصوت عالي: — كفاية! كفاية تحكم في حياتي! اتجمدت مكاني. سعاد خرجت من الصالون أول ما شافتني. وشها كان مرعب. شعرها مبهدل وعينيها حمرا. أول ما بصتلي… قالت بكره: — إنتِ خربتي كل حاجة. ضحكت بصدمة. — أنا؟! قربت مني وهي بترتعش: — من يوم ما دخلتي البيت وهو اتغير! بقي يبعد عني! بقي يزعقلي! إنتِ سرقتيه مني! الدم اتجمد في عروقي. كريم خرج بسرعة وحاول يمسكها. — ماما اسكتي! لكنها دفشته بعنف. وصرخت: — أنا ضحيت بعمري كله علشانه! بصيت له وأنا حاسة بالغثيان. وهو… كان واقف منهار. في اللحظة دي فهمت إن البيت ده كله كان مبني على مرض قديم جدًا. مرض اسمه التملك. خدت شنطتي بهدوء. وكريم جري ورايا قبل ما أخرج. — ندى… أرجوكي. بصيتله للمرة الأخيرة. قلت: — أنا مش بكرهك. عينه لمعت بأمل صغير. لكنني كملت: — أنا بس حزينة إني حبيت شخص عمره ما عرف نفسه أصلًا. وسبته واقف. بعد شهور… طلقت رسمي. وسمعت بعدها إن سعاد دخلت مصحة نفسية بعد انهيار عصبي. أما كريم… فاستقال من شغله وسافر إسكندرية. ماحدش يعرف عنه كتير. وأنا؟ في الأول افتكرت إني اتدمرت. إني ضيعت عمري. وأنوثتي. وأحلامي. لكن العلاج النفسي علمني حاجة مهمة جدًا: إحنا مش مسؤولين عن أمراض الناس اللي خبّوها عننا. ولا عن الأكاذيب اللي اتبنت قبل ما ندخل حياتهم. بعد سنة كاملة… رجعت أشتغل. رجعت أقف على رجلي. وفي يوم… كنت قاعدة في كافيه في الزمالك بشتغل على اللابتوب. والجرسون حطلي القهوة وقال: — في حد باعت لحضرتك ده. كان ظرف صغير. فتحته بتوتر. ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها بخط كريم: “أنا أخيرًا بدأت أفهم نفسي. ويمكن لأول مرة في حياتي… بطلت أكرهها. آسف إني استخدمتك علشان أهرب. أتمنى تلاقي حب حقيقي… مش محاولة.” قريت الورقة مرة واحدة. وبعدين طويتها بهدوء. ماعيطتش. ما انهرتش. بس بصيت من الشباك للشارع والزحمة والمطر الخفيف… وحسيت بحاجة غريبة. راحة. لأن الحقيقة مهما كانت قاسية… أرحم من العيشة في كذبة. وفي اللحظة دي… فهمت إن اللي جمدني ورا الباب تلك الليلة… ماكانش المنظر اللي شوفته. كان إدراكي إن الست اللي دخلت البيت ده من 3 سنين… ماتت من زمان… وإني أخيرًا… بقيت حرة. يتبع بعد الرسالة دي… فضلت أيام وأنا حاسّة إن في باب قديم اتقفل جوايا أخيرًا. مش باب كريم. باب ندى القديمة. النسخة اللي كانت مستعدة تشك في نفسها ألف مرة قبل ما تشك في اللي قدامها. النسخة اللي كانت تقف قدام المراية تتساءل: “يمكن أنا المشكلة؟” “يمكن لو كنت أخف… أهدى… أجمل… أكتر أنوثة…” كل الأسئلة اللي بتاكل الست ببطء وهي بتحاول تلاقي سبب منطقي لوجع مالوش علاقة بيها أصلًا. رجوعي للشغل ماكانش سهل. في أول يوم ليا بعد الطلاق، وقفت قدام مبنى الشركة وأنا حاسة إن رجلي مش قادرة تتحرك. نفس البواب. نفس الريسبشن. نفس ريحة القهوة والمكاتب والتكييف البارد. لكن أنا ماكنتش نفس الشخص. زميلتي داليا أول ما شافتني جريت حضنتني. — وحشتيني يا بنتي! ابتسمت بالعافية. — إنتِ كمان. بصتلي بحذر. — عاملة إيه بجد؟ السؤال خبطني. لأن أغلب الناس لما بتسأل “عاملة إيه” بتبقى مستنية الإجابة السريعة: “الحمدلله.” لكن داليا كانت فعلًا عايزة تعرف. تنهدت. — بحاول أتعلم أعيش من أول وجديد. عينها لمعت بحزن. — تستاهلي بداية أحسن من اللي فات. دخلت مكتبي القديم. ووقفت أبص على الكرسي. افتكرت نفسي من سنين… وأنا قاعدة هنا مليانة طموح وضحك وحياة، قبل ما أسيب كل حاجة علشان أبقى “زوجة مثالية.” فجأة حسيت بغضب. غضب على المجتمع اللي بيقنع الست إن قيمتها الأساسية في إنها تتجوز وتخلف. غضب على نفسي إني صدقت. غضب على كل مرة كنت بقول: “الشغل ييجي بعدين.” لكن وسط الغضب… كان في حاجة تانية بتطلع. فخر. لأني رغم كل حاجة… رجعت. مش مكسورة. ولا خايفة. بعد شهور، بدأت ألاحظ إن كريم لسه موجود جوا دماغي أكتر مما كنت أحب أعترف. مش حب. لكن أثر. مثلًا… كل مرة راجل يقرب مني في الشغل، جسمي يتوتر تلقائي. كل مرة حد يمدح شكلي، أحس بعدم ارتياح. كل مرة حد يكلمني بلطف زيادة، يطلع صوت جوايا يقول: “خدي بالك… الكمال بيخوف.” الدكتورة النفسية قالتلي مرة: — الصدمة مش بس اللي حصل. الصدمة كمان هي الطريقة اللي جسمك اتعلم بيها يخاف بعده. وقتها فهمت ليه كنت بصحى أحيانًا على صوت المطر مرعوبة. المطر بقى مربوط في عقلي بليلة الحقيقة. وفي ليلة شتوية بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة لوحدي في البيت الجديد اللي اشتريته في المعادي. شقة صغيرة. دافية. فيها نباتات كتير وضوء أصفر هادي. مش قصر. ولا بيت عيلة كبير. بس لأول مرة… مكان يشبهني. كنت قاعدة بقرأ كتاب، وفجأة النور قطع. اتجمدت. قلبي بدأ يدق بسرعة مرعبة. الضلمة رجعتني فورًا للممر الطويل في بيت كريم. للباب الموارب. للصوت الغريب. إيديا بدأت ترتعش. لكن بعدها بثواني… أخدت نفس عميق. وقمت جبت شمعة. وشغلتها. ثم قعدت على الأرض وسط الصالة أضحك وسط دموعي. لأن دي أول مرة… الخوف ما يكسبش. أول مرة ما أجريش أستخبى من ذكرى. أول مرة أحس إن البيت بتاعي فعلًا. بعدها بفترة قصيرة… اتعرفت على “آسر.” والمضحك؟ إني ماكنتش عايزة أتعرف على أي حد. كان عميل جديد للشركة. دكتور نفسي أطفال. هادي جدًا بطريقة مستفزة. أول مرة اتكلمنا فيها، كنت متحفزة تلقائي. أي راجل محترم زيادة عن اللزوم بقى يقلقني. لكن آسر كان مختلف. ما حاولش يبهرني. ما سألش أسئلة شخصية. ما لعبش دور المنقذ. كان طبيعي. وده كان أغرب شيء. بمرور الوقت بقينا نتكلم أكتر. عن الشغل. عن الكتب. عن القاهرة والزحمة والمطر. وفي مرة، كنا قاعدين في كافيه، وفجأة سألني: — إنتِ ليه كل ما حد يقرب منك شوية… ترجعي لورا؟ السؤال أربكني. ضحكت بتوتر. — باين عليا؟ ابتسم بهدوء. — جدًا. بصيت في فنجان القهوة. ثم قلت: — علشان مرة صدقت شخص كامل زيادة عن اللزوم… وطلع وهم. سكت شوية. ثم قال: — الكمال مش حقيقي أصلًا. الناس الطبيعية فيها عيوب… بس العيب مش معناه أذى. الجملة فضلت معايا أيام. لأن لأول مرة… حد ما حاولش يقنعني إنه “مثالي.” بعدها بشهور، بدأت أحكيله أجزاء من اللي حصل. مش كله. لكن كفاية يخليه يفهم. ولما خلصت… كان أول رد فعل منه إنه سأل: — إنتِ كويسة دلوقتي؟ مش: “هو كان بيخونك؟” ولا: “إزاي ماخدتيش بالك؟” بس: “إنتِ كويسة؟” وده خلاني أعيط. لأن في ناس كتير بعد الطلاق كانوا بيتعاملوا مع قصتي كفضيحة أو حكاية مثيرة. لكن قليل جدًا اللي اهتموا بالبنت اللي ضاعت جواها. مرة، بعد ما خرجنا من الشغل، وقفنا تحت المطر مستنيين العربية. فجأة سألني: — بتخافي من المطر؟ ضحكت بتوتر. — واضح أوي كده؟ قال بهدوء: — عيونك بتتوتر أول ما الدنيا تمطر. سكت. ثم قلت: — المطر كشفلي أسوأ حقيقة في حياتي. بص للسما. وبعدين قال: — ويمكن في يوم يبقى مجرد مطر تاني. الجملة كانت بسيطة. لكنها دخلت قلبي بشكل غريب. بمرور الوقت… بدأت أرجع لنفسي أكتر. رجعت أضحك بصوت عالي. رجعت أنزل مع صحابي. رجعت ألبس اللي بحبه من غير ما أفكر إذا كان “أنثوي كفاية.” رجعت أنام من غير ما أستنى صوت خطوات حد في الطرقة. وفي يوم… وأنا بوضب دولابي… لقيت قميص نوم قديم كنت شرياه أول سنة جواز. لسه جديد تقريبًا. ما استعملتوش غير مرة. مسكته بإيدي… وفجأة افتكرت الليلة اللي لبسته فيها. كنت عاملة عشا. وشعري مفرود. وعاملة كل حاجة علشان أحسس كريم إني مرغوبة. لكنه دخل أوضته وقال إنه تعبان. وسابني واقفة لوحدي. وقتها… قعدت أبكي قدام المراية وأسأل نفسي: “هو أنا ناقصة إيه؟” دلوقتي… وأنا ماسكة القميص… حسيت بحزن رهيب على البنت دي. بنت كانت بتتوسل حب شخص عمره ما كان متاح فعلًا. حضنت القميص للحظة. ثم حطيته في كيس تبرعات. لأن بعض الحاجات ما ينفعش نفضل محتفظين بيها. حتى لو كانت مجرد قماشة. بعد سنتين تقريبًا… وصلني خبر إن سعاد ماتت. الخبر جالي من رقم غريب. وكان كريم. صوته كان هادي بشكل مرعب. — ماما ماتت النهارده. قلبي اتقبض رغم كل حاجة. سكت ثواني. ثم قلت: — البقاء لله. صوته اتكسر فجأة. — أنا لوحدي يا ندى. غمضت عيني. كان زمان الجملة دي كفيلة ترجّعني له فورًا. زمان كنت هحاول أنقذه. أصلحه. أحضنه. لكن دلوقتي… كنت فاهمة إن الوحدة مش مبرر إننا نرجع للأماكن اللي كسرتنا. قلت بهدوء: — أتمنى تلاقي السلام يا كريم. سكت. ثم سألني: — عمرك سامحتيني؟ السؤال فضل معلق بينا. فكرت طويلًا قبل ما أرد. ثم قلت: — أنا سامحت نفسي إني ما كنتش شايفة الحقيقة. والباقي… لسه بتعلمه. سمعته بياخد نفس طويل. وبعدين قال: — كنتِ أحسن حاجة حصلتلي… وأنا بوظتها. المرارة اتحركت جوايا للحظة. لكن بعدها… راحت. قلت: — يمكن كل واحد فينا كان محتاج يخسر التاني علشان يعرف نفسه. وقفلنا. ما بكيتش بعد المكالمة. لكن فضلت قاعدة في البلكونة وقت طويل أبص للمطر. ولأول مرة… ما افتكرتش الليلة المرعبة. افتكرت نفسي دلوقتي. حية. حرة. وقادرة تختار. بعدها بسنين… بقيت مديرة قسم كامل في الشركة. واشتريت شقة أكبر. وبقي عندي قطة سمّيتها “مشمش.” وصحابي بقوا يقولوا إني رجعت “ندى القديمة.” لكن الحقيقة؟ أنا ما رجعتش. أنا بقيت واحدة جديدة. أهدى. أقوى. وأقل خوفًا من الوحدة. وفي عيد ميلادي الـ35… آسر أخدني لمطعم صغير على النيل. بعد العشا، طلع علبة صغيرة. قلبي اتوتر فورًا. يمكن لأن بعض الخوف ما بيروحش بسهولة. فتح العلبة… ولقيت خاتم بسيط جدًا. قال بسرعة قبل ما أتكلم: — مش لازم تردي دلوقتي. ومش لازم أصلًا تقولي أيوه. أنا بس حبيت تعرفي إن في حد شايفك كاملة… من غير ما يحاول يغيرك أو يخبيكي أو يستخدمك. الدموع لمعت في عيني. لأن دي أول مرة… حد يحبني من غير ما يطلب مني أمثل دور. قلت بخوف صادق: — أنا لسه بخاف. ابتسم. — وأنا مش مستعجل. الكلمة دي وحدها… خلتني أحس بأمان أكتر من أي وعد كبير. بعد شهور… وافقت. لكن جوازنا كان مختلف. مافيش بيت عيلة. مافيش أدوار مفروضة. مافيش تمثيل. وفي أول ليلة بعد الجواز… لما حس بتوتري… ما قربش. بس مسك إيدي وسألني: — تحبي نتكلم؟ ولا ننام؟ السؤال كسرني. لأن لأول مرة… حد بيديني حق الاختيار. حضنته وبكيت. بكيت على كل ليلة حسيت فيها إني ناقصة. على كل مرة شكيت في أنوثتي. على كل لحظة كنت بحاول أستحق حب ماكانش حقيقي أصلًا. وهو فضل ساكت… بس حاضني. وفي اللحظة دي… فهمت الفرق بين الحب الحقيقي والخوف المتنكر في شكل حب. بعد سنة… كنت واقفة في البلكونة مع آسر، بنشرب شاي والمطر نازل بهدوء. ضحك وقال: — أخيرًا بقيتي تحبي المطر؟ بصيت للسما. ثم ابتسمت. — لا… بس بطلت أخاف منه. ولما دخلت أنام الليلة دي… عديت جنب المراية. وقفت لحظة أبص لنفسي. ثم قلت للبنت اللي جوايا: — شوفتي؟ ماكنتيش ناقصة حاجة أصلًا. وبعد كل الكذب… والوجع… والسنين اللي ضاعت… الحقيقة الوحيدة اللي فضلت واضحة… إن أسوأ شيء ممكن يحصل للإنسان… مش إنه يتحب غلط. أسوأ شيء… إنه يصدق إنه ما يستحقش حب حقيقي. وأنا أخيرًا… بطلت أصدق الكذبة دي. يتبع