جوزي

​جوزي جلدني بالحزام عشان خاطر حرباية.. ولما هددته بأبويا مات من الضحك!
​
​الفصل الأول: دموع على بحر الرخام
​الصوت الحيواني للحزام الجلد وهو بيطرق في سقف صالة الفيلا الواسعة في التجمع الخامس، تبعه علطول نار قايدة حرقت ضهري بين الكتفين.
​تسعتاشر.
​عضيت على شفتي التحتانية بكل غِل لدرجة إني دوقت طعم الدم الساخن في فمي. رفضت أصرخ. رفضت أديله متعة إنه يسمع آهتي.
​عشرين.
​الضربة الأخيرة شقت قماش بيجامتي الستان الخفيفة، وغرزت في لحم ضهري. ركبي خانتني تماماً، وانكفيت على وشي، وكفوفي خبطت بقوة في رخام الصالة الأبيض المستورد البارد. منظر دمي الأحمر وهو بيسيح على الرخام الأبيض كان شبه لوحة مرعبة. فضلت على إيديا وركبي، نفسي طالع بالعافية، والدنيا بتسود في عيني من كتر الوجع.
جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
​فوق راسي، واقف في نص الصالة الملكية اللي فاكر نفسه بفلوسه امتلكها، كان جوزي.. شريف زهران.
​سمعت حفيف قماش بدلته الشيك وهو بيعدل أكمام قميصه “التوم فورد” بكل برود. نفسه كان هادي جداً ولا كأنه لسه ضارب بني آدمة. كان بيضربني ببرود وسادية راجل بيلعب جولف. مبصليش بغضب، بصلي بقرف وتعالي، كأنه باشا بيبص لشحاتة عكرت صَفو قصره.
​”بص عليها كدة”، صوت أنثوي رقيق زي الحية خرخر بالكلمات دي.
​ظهرت في عيني رانيا.. الحرباية اللي خربت بيتي. كانت لابسة فستان حرير بيج يهبل، فستان مدفوع تمنه من الفيزا كارت اللي أنا كنت بمولها من وراه. وطت وشها ناحيتي، وريحة عطرها الغالي “باكارات روج” اختلطت بزفارة دمي اللي سايح على الأرض.
​ابتسمت رانيا وعينيها بتقيد شماتة وفرحة، كأنها كسبت كاس العالم.
​همست وهي بتميل براسها: “لسة عايشة دور البريئة الخضرة الشريفة؟ لسة بتلعبي دور الضحية الصامتة؟ المفروض تبوسي إيده وتعتذريله يا سيرينا. إنتِ أحرجتيني قدام سيدات المجتمع في النادي النهاردة. اعتذري، ويمكن أخليه يوافق تقعدي في أوضة الدادة اللي في البدروم بعد ما يطلقك.. أصل ملوكيش مكان تاني تروحي فيه على حد علمي”.
​همست وصوتي رايح خالص من كتمان الصراخ: “طلاق؟”.
​شريف سخر وتقدم خطوة، ورما فايل كرتون كبير وتقيل على الأرض. الفايل خبط وعمل صوت عالي، وانزلق على الرخام لحد ما خبط في ركبتي واتلطخ بدمي.
​قال شريف وصوته بيرن في الفيلا: “أنا خلاص زهقت من الحِمل الميت ده يا سيرينا. أنا اللي عملت الإمبراطورية دي من الصفر. أنا اسمي بيز هز سوق المقاولات في البلد. أنا شيلتك من قاع المجتمع ومن عيشتك البسيطة عشان تبقي ست بيت هادية وممتنة وبتدعم جوزها. وإنتِ حتى الحتة دي مش عارفة تعمليها. لا بتخلفي، وشكلك عادي، ومبتعرفيش تسايري المجتمع”.
​مد إيده ولف ذراعه حول وسط رانيا وشدها لحضنه: “رانيا حامل.. وأخيراً هتديني الولد اللي يستحق يشيل اسم زهران.. إرث العيلة. إنتِ كدة مطرودة رسمي من حياتي”.
جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
​رانيا حطت إيدها بمانيكيرها الشيك على بطنها المسطحة، وابتسامتها كانت بتقول إنها شافت طاقة القدر اتفتحت لها.
​بصيت على الفايل الملطخ بالدم، وبصيت للراجل اللي فاكر نفسه ملك مصر.
​في اللحظة دي، الدنيا وضحت في عيني فجأة وضوح مرعب. آخر حتة في وهمي القديم—إني ممكن ألاقي راجل يحبني لنفسي مش عشان عيلتي وفلوس أبويا—تبخرت وبقت تراب.
​مديت إيدي المرتجفة جوة جيب بيجامتي المقطوعة.
​شريف رجع راسه لورا وضحك ضحكة هزت المكان: “بتعملي إيه؟ هتطلبي النجدة؟ وريني كدة يا سيرينا، اتصلي بـ 122 وقوليلهم شريف زهران بيه بيمسي على مراته الناشزة. ده مأمور القسم بيلعب معايا طاولة هنا كل أسبوع، قبل نص الليل هتكوني في العباسية”.
​بس أنا مكلِّمتش النجدة.
​أنا طلعت خط سري متقاد مشفر عبر الأقمار الصناعية مبيعديش على شبكات المحمول المحلية أصلاً. طلبت الرقم، رن نص رنة والخط فتح.
​”سيرينا؟”
​همست وأنا باصة في عين شريف بكل تحدي، وابتسامة بدمها اترسمت على شفايفي المشققة: “يا بابا.. زي ما قلتلي بالظبط.. دمر حياته”.
​الفصل الثاني: دقائق القيامة الخمس
​شريف سخر وهو بيدي ضهره ليا وماشي ناحية البار الخشبي الأرواق في صالة الفيلا: “مسرحية هابطة”. مسك كاس كريستال وصَب لنفسه ويسكي معتق: “اتصلتي بأبوكي الأسطى؟ الميكانيكي؟ تلاقيه هيبعتلك تذكر ميكروباص تركبيها من الموقف وترجعي العشة اللي جيتِ منها”.
​رانيا ضحكت ضحكة مسرسعة ومستفزة وهي ساندة على البار.
​الدقيقة الأولى:
​فضلت على إيديا وركبي. الدم في ضهري بدأ يتقل وينشف مع تكييف الفيلا التلج. متحركتش، فضلت عيني صقر مثبتة على ضهره، زي قناص مستني لحظة الصفر.
مكانش عنده علم إن المقصلة المالية الخفية كانت نازلة بسرعة الصاروخ على رقبته.
جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
​الدقيقة الثانية:
​تليفون شريف الشخصي اللي على رخامة البار طلع نغمة حادة.
مسكه وهو بيشرب، بص على الشاشة، وحواجبه عقدت:
​تنبيه: بنك الـ CIB – تم إيقاف بطاقة الائتمان البلاتينية بالكامل. يرجى مراجعة إدارة مكافحة الاحتيال.
شريف نفخ بعصبية ومسح الإشعار: “سيستم بنوك عطلان”، تمتم بغيظ عشان التكنولوجيا عطلت لحظة انتصاره: “فكريني يا رانيا بكره أخلي السكرتيرة تقلب الدنيا في البنك ده”.
​الدقيقة الثالثة:
​التليفون مرنش نغمة عادية، ده بدأ يترج بعنف على الرخام.
شريف بص على الاسم؛ كان حازم، المدير المالي لشركته. شريف تنهد وفتح الاسبيكر عشان يذلني أكتر ويوريني قيمته وسط الشركات.
شريف زعق: “إيه يا حازم؟ مش قلت مش عايز إزعاج النهاردة؟ بخلص مصلحة”.
​”شريف بيه! إنت عملت إيه مصيبة؟!”
صوت حازم انفجر من التليفون. مكانش بيتكلم بطريقته المهذبة المعتادة، كان مرعوب، صوته حاد ونفسه مقطوع، وداخل على صدمة عصبية.
​جسم شريف تصلب والابتسامة تاهت من وشه: “جرى إيه يا حازم؟ اظبط كلامك معايا”.
​صرخ حازم وصوت كركبة وناس بتزعق وراه في المكتب مسموع: “أظبط كلامي إيه يا فندم؟! مجموعة (الراوي للاستثمار) سحبت كل خطوط السيولة والدعم المالي مننا! وصندوق (المستقبل الائتماني) فعل بند الطوارئ والأخلاق واسترد كل القروض التشغيلية اللي بنمشي بيها المشاريع! بيطالبوا بالسداد الفوري شيك مقبول الدفع حالا! فاهم يعني إيه؟ دلوقتي حالا!”.
​شريف تجمد، والكاس وقف في إيده: “مستحيل.. إحنا لينا فترة سماح شهر قبل أي استرداد…”.
​زعق حازم وصوته بيتشرخ: “مفيش فترة سماح! هما بيصفوا الشركة دلوقتي يا شريف بيه! خطوط الائتمان بتتقفل، السيرفرات قفلت حساباتنا، وأسهمنا بتنهار في البورصة بره وقت التداول! كل المستثمرين الكبار بيسحبوا فلوسهم في نفس الثانية! إحنا علينا عجز سبعين مليون دولار، وكل ده حصل في تلات دقائق بس!”.
​الدقيقة الرابعة:
​كاس الويسكي انزلق من إيد شريف.
ارتطم بالرخام واتشظى ميت حتة، واختلط السائل بالدم بتاعي.
همس شريف والنفس هرب منه: “مش ممكن.. الصندوق ده بيثق فيا، أنا لسة كنت بتعشى مع رئيس مجلس الإدارة الأسبوع اللي فات.. ده بيموت فيا!”.
​بكى حازم في التليفون: “هما مبيثقوش فيك إنت يا مغفل! أنا لسة قافل مع الشؤون القانونية عندهم. الصندوق ده مجرد واجهة لشركة (ستيرلينغ العالمية) بتاعة عيلة الشناوي! رئيس مجلس الإدارة أصدر أمر مباشر ملوش رجعة بتدمير وتصفية كل شركاتك ومحفظتك الاستثمارية!”.
​الدقيقة الخامسة:
​شريف مبقاش بيتحرك، كأنه اتلبس.
جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
الدم هرب من وشه تماماً، وبقى شبه الج..ثة. فكه سقط، والحزام الجلد اللي كان تحت إبطه وقع على الأرض ومبقاش ليه عازة.
التفت براسه ببطء ناحية التليفون، وبعدين بص للبنت اللي نازفة ومضروبة وقاعدة على أرض فيلته. بص لشعري وعيني.. وبصلي وأنا بقوم ببطء لورا وبسند ضهري رغم الوجع.
​قعد يحدق فيا، وعقله شغال زي التروس بيحاول يربط تلاتين سنة من النرجسية بالواقع الأسود اللي نزل فوق دماغه.
وأخيراً… تذكر اسم عيلتي قبل ما أتجوزه.
الاسم اللي ترجيته ميعلنهوش في الصحافة عشان قلتله “أنا مابحبش المظاهر”. الاسم اللي كنت بوقّع بيه سرًا كضامن لكل القروض اللي بنت شركاته المزيفة.
​سيرينا الشناوي. (بنت أكبر حوت اقتصاد في الشرق الأوسط).
​وقبل ما شريف يفتح بوقه بكلمة، وقبل ما يستوعب إنه بقى ولا حاجة، البوابات الحديد الضخمة للفيلا مش اتفتحت بس… دي اتفجرت واتخلعت من مكانها.
​الفصل الثالث: تشريح التصفية
​البوابات الحديد اتخلعت بقوة لدرجة إنها شرخت الحيطة المحيطة بالمدخل.
​دخل ست رجالة بجسم رياضي ولابسين بدلات رمادية غامقة شيك جداً. تحركوا بنظام عسكري يخوف. حارسين منهم وقفوا على البوابة لتأمين المكان، والأربعة الباقيين انتشروا وفرضوا سيطرة كاملة على الصالة. وكان محفور بشكل خفي على ياقات ستراتهم الشعار الذهبي لعيلة الشناوي.
​ووراهم علطول، دخل تلاتة من دكاترة الطوارئ الكبار بشنط طبية متكاملة.جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
جروا متخطيين شريف المشلول وبقوا جنبي على ركبهم. مبصوش لشريف أصلاً، كأنه حتة كرسى قديم في المكان.
​قال الدكتور الكبير باحترام شديد وخوف: “يا فندم.. خلينا نرفعك من على الأرض بسرعة”.
رفعوني براحة من على الرخام اللي غرقان دم، وسندوني لحد ما قعدت على كرسي فوتيه ضخم جلد جنب الدفاية. رفضت أركب الإسعاف، ورفضت أمشي من المكان قبل ما أشوف النهاية.
​الدكتور كان بيقص قماش بيجامتي الملطخ بالدم بمقص طبي عشان يكشف الجروح والقطع اللي في ضهري. أنا مارمشتش ومابكيتش، كنت كازة على سناني من وجع المطهر، وعيني في عين شريف مش بتتحرك.
​شريف كان انهار وقعد على ركبه وسط الزجاج المحطم. كان بينهج وصدره بيطلع وينزل وهو شايف الرجالة بتهد بيته.
​دخل راجل وقور، شعره أبيض ولابس نظارة طبية شيك، وماسك في إيده شنطة تيتانيوم. الراجل ده كان بيطلع منه هالة رعب وتأثير قوي. مشى متخطي رانيا اللي كانت ساندة على البار وبتعيط وكاتمة بوقها من الخوف.
​الراجل وقف قدام شريف وبصيله من فوق لتحت: “يا شريف بيه، أنا مستشار رأفت فوزي، المحامي العام لمجموعة الشناوي الدولية. قدامك عشر دقائق بالظبط تخلي الفيلا دي”.
​شريف شهق وصوته طالع مكسور وبائس، وأشار بإصبع بيترعش للصالة: “دي فيلتي! اسمي على العقد! أنا اللي دافع تمنها!”.
​المستشار رأفت مارمشش، فتح الشنطة التيتانيوم وطلع رزمة ورق تقيلة وقانونية ورماها تحت رجل شريف: “اسمك على عقد إيجار يا شريف بيه. عقد إيجار ممول بالكامل من صندوق ائتماني مقفول مملوك للآنسة سيرينا. إنت لا تملك الفيلا دي، ولا تملك الأرض اللي مبنية عليها”.جميع القصص متاحة ع صفحة روايات رولا
​شريف حدق في الورق وعقله بيطير: “شركتي… أنا اللي عملتها…”.
​المستشار رأفت كمل كلامه اللي كان بينزل زي المطارق على دماغ شريف: “رأس المال اللي نقذ شركتك من الإفلاس من تلات سنين؟ ده فلوسها. أعضاء مجلس الإدارة اللي وافقوا فجأة يترقوا بيك لكرسي رئيس مجلس الإدارة؟ دول موظفين عند أبوها. العربيات الفاخرة اللي في الجراج؟ عقود إيجار تبع شركات الشناوي”.
​انحنى رأفت وقرب من وشه: “إنت مش رجل أعمال عصامي يا شريف، ولا إنت عبقري. إنت كنت مجرد مشروع فاشل وممول وبنخسر فيه، والنهاردة المشروع ده اتصفى واتقفل تماماً. إنت متملكش حاجة غير الهدوم اللي عليك دي”.
​رانيا، اللي كانت بتسمع وهي مرعوبة، أدركت إنها رميت نفسها في حجر راجل ميت ملوش لزمة. غريزة المصلحة اشتغلت عندها علطول.
بعدت عن البار وتراجعت عن شريف كأنه جربان. حطت إيدها على بطنها وبصت للمستشار رأفت والدموع مغرقة وشها.
​توسلت رانيا بصوت مسرسع: “أرجوك! أنا مكنتش أعرف! هو كذب عليا! قالي إنه غني! متبهدلونيش في الشارع، أنا حامل في ابنه! متعملوش كدة في واحدة حامل!”.
​المستشار رأفت بص لرانيا بقرف شديد ومردش عليها. التفت ليا وهو شايف الدكتور بيجهز إبرة وخيط عشان يخيط أعمق جرح في كتفي.
​قلت وصوتي مظلم ومبحوح ويحمل ريحة الانتقام: “يا متر… ورّيها الملف الطبي”.
​الفصل الرابع: طرد الملك المزيف
​المستشار رأفت مد إيده جوة الشنطة التيتانيوم، وطلع مظروف عليه الختم الذهبي لمستشفيات الشناوي.
ماداهوش لشريف، مشى واداه لرانيا علطول.
​إيد رانيا كانت بترتعش وهي بتاخد المظروف. فتحته وسحبت تقارير طبية رسمية.
شريف زعق، وزي ما يكون كلمة “ابنه” صحته من الصدمة. زحف على الأرض على إيديه وركبه، مستميت يمسك في أي قشاية تثبت إن معاه حاجة ليها قيمة: “إيه ده؟ وريني!”.
انتزع الأوراق من إيد رانيا.
​كان تقرير طبي شامل من دكتور النساء الخاص برانيا—سجلات جابوها برجالة الشناوي ونفوذهم اللي بيجيب دبة النملة.
عيون شريف المحمرة مشيت على الكلام، ووقف مكانه مذهول.
الكلام المظلل تحت كان بيقول:
​المريضة ليست حاملاً. تحليل الدم السلبي تماماً. المريضة عاملة عملية ربط قنوات فالوب من أربع سنين، والحمل مستحيل بدون جراحة إرجاع.
​الهوا اتسحب من الصالة.
شريف مبقاش بيتنفس، رفع راسه ببطء، وعينيه بقت واسعة ومجنونة. بص للحرباية اللي خرب بيته وجلد مراته عشانها.
​همس شريف بصوت طالع من القبر: “أنتِ… مش حامل؟ كنتِ بتكدبي؟ بقالك شهور؟ قلتِ لي الدورة متأخرة.. قلتِ لي هنقيد الولد باسم عيلتي”.
​رانيا تراجعت لورا لحد ما خبطت في البار. قناع السهو والوكه والأناقة طار، وحل محله رعب نصابة اتمسكت متلبسة.
صرخت وهي بترفع إيديها تدافع عن نفسها من نظراته: “كنت عايزة أضمن نفسي! إنت كنت عمال تماطل في الطلاق! مكنتش هخاطر تخلّيك معاها عشان فلوسها السكتة! كنت عايزاك تلتزم معايا! كنت هعمل نفسي سقطت الشهر الجاي يا مغفل!”.
​شريف زأر: “أنا جلدت مراتي بالحزام عشانك!”. غباؤه الهائل طير اللي باقي من عقله، واندفع نحو رانيا وإيديه ممدودة لرقبتها.
​وقبل ما يوصل، تحرك اتنين من حراس الشناوي بسرعة البرق. مسكوا شريف من كتافه بسهولة، ورفعوه من على الأرض، ونزلوا بوشه على الرخام الملطخ بدمي، وقيدوا دراعاته ورا ضهره.
​قلت: “بس”.
الكلمة قطعت الصالة زي السك..ينة الحامية في الزبدة. الصراخ وقف، والدكاترة بعد ما خلصوا لضم الضمادات الطبية على ضهري تراجعوا.
​قمت وقفت ببطء.
حارس تقدم ولف حول كتافي عباية كشمير ثقيلة وشيك عشان يغطي بيجامتي المقطوعة وضماداتي. مشيت ناحيتهم وحافي، وطأت على الزجاج المحطم ولا فرقت معايا، عديت برك دمي. بصيت لهم وأنا مش حاسة بحاجة غير بقمة النصر والراحة.
​أمرت بهدوء: “اخلعي الفستان ده يا رانيا”.
رانيا بصتلي وعينيها طالعة لبرة من الرعب: “إيه؟”.
​قلت وصوتي ليه صدى يخوف: “الفستان الستان البيج. فلوس عيلتي هي اللي دافعة تمن الفيزا اللي اشتريتيه بيها. هتخرجي من هنا وإنتِ مش معاكي أي حاجة تخصني. اخلعيه”.
​رانيا عيطت بصوت قبيح، ومدت إيدها ورا ضهرها وفتحت السوستة، والفستان وقع عند رجليها. خطت برة الفستان وبقت واقفة بملابسها الداخلية بس، بترتعش من الساقعة والخوف وسط الصالة، متجردة من كل حاجة سرقتها.
​بصيت لشريف اللي مثبتينه على الأرض ووشه في الرخام البارد وبيبكي بحرقة.
​همست وأنا بوطي عشان عينه تيجي في عيني: “وإنت يا شريف.. قلت لي إنك زهقت من الحمل الميت.. مبروك، اترميت بره حياتي”.
​وقفت وبصيت لقائد الحرس: “ارموهم برة.. هما الاثنين. متسمحوش ليهم يأخدوا تليفون أو محفظة أو حتى جاكيت. سيبوهم يمشوا التلاتة كيلو بتوع المدخل الخاص لحد الطريق السريع في الضلمة”.
​الحراس سحبوا شريف على رجليه، وجروه هو ورانيا الباكية وشبه العارية لبرة الفيلا. رموا بيهم برة البوابات، ليتعثروا ويقعوا على زلط الممر البارد.
​وقبل ما البوابات تقفل عليهم في برد الليل، الممر كله اتملى بأضواء زرقا وحمرا بتلف.
بوكسات وعربيات شرطة فدرالية تابعة للأموال العامة ومكافحة الفساد دخلت الممر وعملت صريخ فرامل. نزل منها ضباط مسلحين. مكنوش جايين عشان خناقة ست وجوزها؛ محامين بابا كانوا بعتوا فايلات متستفة عن اختلاس شريف من الشركات وتزوير شيكات للنيابة العامة.
​جايين يقبضوا على شريف زهران، وكل اللي ساعده في حساباته، بتهمة فساد مالي واختلاس ملايين.
​الفصل الخامس: كارما الشوارع
​بعد تلات أسابيع:
​اللمبة الفلورسنت الزرقا بتاعة الحجز في التخشيبة كانت بتزن، ورامية ضوء باهت على الحيطان الخرسانة.
قاعد شريف زهران على بنش حديد، لابس بدلة السجن الزرقا الواسعة والمقرفة. وشه خاسس ودقنه نبتت وبقت مشهوهة. إيده بترتعش وهو ماسك سماعة التليفون الكارت القذرة على ودنه.
​طلب رقم رانيا للمرة الخمسين في الأسبوع ده؛ كان عايزها تروح تضمنه أو تلاقيله مخرج.
الرد الآلي جاله علطول: “هذا الرقم غير موجود بالخدمة حالياً”.
​قفل التليفون ببطء وحدق في الحيطة.
المحامين الكبار سابوه أول ما شيكات أتعابهم ارتدت من حساباته اللي اتجمدت. والمحامي اللي انتدبته المحكمة ضحك لما شريف قال إنه رجل أعمال وملياردير ضحية مؤامرة. كان يواجه حكم بـ 25 سنة سجن مشدد بتهمة التزوير والاختلاس والنصب. ورانيا عشان تنفذ بجلدها، شهدت ضده، لتجد نفسها برضه في القائمة السوداء، ومطرودة من شقتها، ومنفية من كل الدوائر اللي كانت بتحلم تدخلها.
​شريف بقى لوحده تماماً في الضلمة.
​وعلى بعد آلاف الأميال، الواقع كان جنة تانية خالص.
​في جناح تعافي طبي خاص ومطل على بحر سيناء الفيروزي الساحر في شرم الشيخ، وقفت قدام مراية كبيرة.
الأمان الهادئ والنضيف للمصحة كان عكس أرضية الرخام والدم تماماً.
​سبت الروب الحرير يقع من على كتافي، واديت ضهري للمراية وبصيت لورا. مشيت صوابعي بالراحة على الخطوط الحمراء البارزة اللي مشوهة ضهري.
​عشرين جلدة. عشرين تذكير بجسمي وعمري بثمن السكوت. عشرين تذكير باللي بيحصل لما تصغري نفسك عشان تكفي كبرياء راجل ناقص.
بس وأنا ببص للندوب، محستش بكسرة ولا عار، ولا فكرت أخبيها. البنت الساذجة اللي نزفت على الرخام وهي بتتودد لراجل طفيلي ماتت. والست اللي وافقة في المراية دلوقتي مصنوعة من حديد صلب.
​الباب اتفتح بهدوء.
دخل كامل الشناوي.. الحوت الكبير، الراجل اللي بكلمة منه يوقف سوق التجارة. وقف مكانه تماماً وبص لضهر بنته اللي متدمر. الراجل القاسي اللي بيهز السوق اتمحى، وبقى مجرد أب مكسور من الحزن على ضي عينه.
​قرب ببطء كأنه خايف يلمس حاجة مكسورة، لف دراعاته برفق حول كتافي، وحط وشه في شعري وهو خايف يلمس ضهري.
همس بصوت مخنوق بالدموع والغِل: “كان لازم أهد الدنيا على دماغه من أول يوم شفتيه فيه.. مكنش ينبغي ليا أسيبك تعيشي دور البنت الطبيعية البسيطة.. أنا آسف يا سيرينا”.
​قلت بنعومة وأنا ساندة على صدره القوي وحاطة إيدي فوق إيده: “لا يا بابا.. إنت سيبتلي الاختيار. كان لازم أتعلم، وكان لازم أشوف العالم بيعمل إيه في الستات المطيعة الهادية. كان لازم أشوف الوحوش بنفسي”.
التفت وواجهته، وعيني واضحة وقوية: “أنا فقت خلاص”.
​الفصل السادس: الإمبراطورية اللى مابتتلمسش
​بعد تلات سنين:
​قاعة الاحتفالات الكبرى في فندق “الفورسيزونز” بجاردن سيتي كانت زحمة على آخرها. المكان كان عبارة عن تجمع لأقوى شخصيات البلد—رجال أعمال، وزراء، وحيتان الاستثمار الدولي.
​الهمهمة والصوت العالي سكتوا فجأة أول ما المذيع طلع على المنصة: “سيداتي وسادتي، نرحب بالرئيس التنفيذي لمجموعة الشناوي الدولية، ومؤسسة (صندوق الغد لدعم المرأة)، الآنسة سيرينا الشناوي”.
​تصفيق حاد هز القاعة وأنا خارجة وبمشي بثقة ناحية المنصة.
ملبستش بدلة مقفولة وتقليدية عشان أداري؛ أنا لبست فستان زمردي أخضر يجنن ومصمم خصيصاً ليا. الفستان من قدام كان مقفول وهايريك وأنيق، بس ضهر الفستان كان مفتوح بالكامل لحد آخر عمودي الفقري.
​وأنا بلف وبواجه القاعة، كانت الندوب العشرين البيضاء البارزة باينة بوضوح ولا يمكن إنكارها تحت إضاءة النجف الكريستال. مخبتهاش بكونسيلر ولا ميكب؛ لبستها وفخرت بيها كأنها تاج ملكي—دليل جسدي على حرب دخلتها، ونجيت منها، وكسبتها في الآخر.
​الصبح في مكتبي، السكرتيرة كانت سابتلي قصاصة أخبار من الشؤون القانونية:
​تأييد الحكم بالسجن المشدد 25 سنة لشريف زهران في قض..ية النصب والاختلاس الكبرى.
​بصيت للعنوان، وهزيت راسي إشارة بالاستلام، ورميت الورقة في مفرمة الورق جنبي من غير ما أفكر ثانية واحدة. ضربات قلبي مادتش زيادة؛ بقى مجرد شبح، كابوس قديم لست ضعيفة مش موجودة دلوقتي.
​قربت من الميكروفون وحطيت إيدي على المنصة وبصيت لبحر الوجوه القوية، والكل باصصلي بذهول مسموع. فرضت سيطرتي على القاعة من غير ما أعلي صوتي.
​بدأت قائلة بنعومة وقوة: “العالم دايماً بيعلمنا إن القوة صوتها عالي. وفهمونا إن القوة هي السيطرة، والترهيب، والعنف. علمونا إن اللي ماسك السلا..ح هو اللي معاه السلطة”.
توقفت وبصيت من الشبابيك الضخمة الممتدة من الأرض للسقف على النيل والقاهرة المتلألئة—البلد اللي عيلتي بتمتلك جزء كبير من اقتصادها.
​وتابعت كلامي، ونظراتي بتمسح القاعة الصامتة: “لكن القوة الحقيقية مش كدة خالص.. العنف هو مجرد تخبط وخوف من الضعيف”.
ابتسمت، وابتسامتي كانت حقيقية وبتقول إني في قمة السلام النفسي.
​وقلت بنعومة وكلماتي واصلة لآخر القاعة: “القوة الحقيقية هي إنك تقدري تمشي في وسط الجحيم، وتسيبي النار تحرق كل الأقنعة اللي كنتِ لابسّاها عشان تريحي غيرك، وتخرجي من الرماد بالشخصية اللي كان مقدر ليكي من الأول إنك تكونيها”.
​ومع آخر كلمة، القاعة كلها وقفت وصقفت بحرارة وهزت المكان.
ابتعدت عن المنصة، مرفوعة الراس، والستان الأخضر بيجر ورايا، وعارفة بيقين مطلق ومرعب إن مفيش مخلوق في الدنيا دي هيجرؤ يرفع إيده عليا تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *