عمري
حطت إيدها على الدفتر والدهب وزقتهم ناحيتي:
“دول معاك.. انزل بكرة بيع الدهب، وخد اللي في الدفتر.. دول يعملوا حوالي 200 ألف جنيه.. مش دولار طبعاً، وميجيبوش تمن ليلة من اللي عشتهم برة، بس دول اللي يقدروا يوقفوك على رجلك في بلدك لحد ما تشوف هتعمل إيه.”
بصيت للدهب وللدفتر، وحسيت إنهم نار هتحرق إيدي لو لمستهم. وقفت وقربت منها وأنا بترجاها: “أنا مش عايز فلوس يا أسماء.. أنا مش عايز غيرك، أنا عرفت قيمتك.. والدرس كان غالي أوي وكسرني، أرجوكي متسبنيش.”
بصت لي بنظرة طويلة، مكنش فيها كره، بس كان فيها مسافة أبعد من بلاد الغربة اللي أنا كنت فيها.. وقالت كلمتها اللي خلت قلبي يقف:
“أنا مش هسيبك يا أحمد.. مش أسماء اللي تسيب جوزها وهو مكسور وضهره عريان في الشارع.. أنا هفضل معاك لحد ما تقف على رجلك وتشتغل وتتزن.. بس من النهاردة، إحنا شركاء في السكن.. لحد ما أشوف أنا هقدر أصدق عينك تاني إزاي.. ولحد ما أشوف الشك اللي عشعش في قلبك عشر سنين، هيتمحي إزاي في يوم وليلة.”
سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب.. قعدت أنا في الصالة، باصص لل بلكونة وزرعها، وباصص للدفتر الصغير.. الفلوس راحت، بس الخسارة الأكبر كانت لسه بتبدأ.. رحلة استرداد الست اللي بعت الأمان عشان أحمي نفسي منها.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا نامي على الكنبة في الصالة. الشقة كانت هادية، بس هدوء يختلف عن كل يوم.. هدوء تقيل ومخيف.
بصيت على الترابيزة، لقيت الدفتر الصغير والعلبة القطيفة زي ما هما.. أسماء ملمستهمش. قمت دخلت المطبخ، لقيتها جهزت الفطار وحطته على السفرة، وسابت لي ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطها المرتب: *”أنا نزلت الشغل.. الفطار جاهز، والدهب والدفتر عندك.. اتصرف فيهم عشان تبدأ تحركك.”*
مسكت الورقة وأنا حاسس بغصة في حلقي. الست اللي كنت فاكرها مستنية الفرصة عشان تاكل مالي، سايبالي شقا عمرها كله في علبة قطيفة ونازلة تشقى في حر الصيف عشان متسبنيش مكسور.
نزلت في اليوم ده، بس مبعتش الدهب ولا لمست الدفتر.. رحت على شركتي القديمة في القاهرة، قابلت المدير، وبفضل الله وخبرتي في السفر، وافقوا يرجعوني الشغل فوراً براتب كويس، وصممت أبدأ من تاني يوم عل طول.. الطحن هو الحاجه الوحيدة اللي كانت ممكن تنسيني الوجع.
بعدها، ركبت القطر ورحت طنطا.. مكنش ينفع أهرب.