عمري

دخلت شقة أمي وأنا حاسس إني غريب. أول ما شافتني، قامت وجت عليا وهي بتعيط وتدعي لي، وأخويا الكبير كان قاعد، منكس راسه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني.

أمي مسكت إيدي وقالت: “سامحني يا قلب أمك.. والله ما كان قصدي أكسر ضهرك، بس أخوك كان هيضيع.”

بصيت لها ودموعي نزلت، وقلت بنبرة هادية بس طالعة من وسط قلبي: “مسامحك يا أمي.. إنتي أمي ومقدرش أزعل منك، والفلوس اللي راحت فداكي وفدى أخويا.. بس أنا مش زعلان على الفلوس، أنا زعلان على عمري اللي ضاع في الشك.. نصيحتك ليا زمان هي اللي دمرت بيتي.”

التفت لأخويا وقلت له: “أنا مش عايز منك الـ 300 ألف دولار.. أنا عايزك بس تقف على رجلك ومتوجعش قلب أمك تاني.”

سبتهم ورجعت القاهرة وأنا حاسس إن فيه حمل جبل انزاح من فوق صدري، بس الحمل الأكبر كان لسه مستنيني في شقة عين شمس.

مرت الأسابيع والشهور، وبقيت عايش مع أسماء في شقة واحدة.. بس كأننا في بلدين مختلفين. كنا بناكل مع بعض، وبنتكلم في حدود مصاريف البيت والطلبات، بس مفيش كلمة زيادة.. مفيش الضحكة الصافية اللي كانت بتملى المكان، ومفيش الأمان اللي كان في عينيها.

كل شهر، أول ما كنت بقبض راتبي، كنت باجي أقعد قدامها على السفرة، وأطلع المرتب كله أحطه في إيدها، وأقولها: “ده المرتب يا أسماء.. خدي منه مصاريف البيت، وشيلي الباقي في الدفتر بتاعك.. في المكان اللي إنتي شايفاه صح.”

كانت تبص للفلوس، وتبص لي، وتاخدها من غير ما تنطق بكلمة.. تحطها في الدفتر، وتسجل بالقرش، بس من غير ما تقولي “شكراً” أو تبتسم.

كنت بموت في اليوم مية مرة وأنا شايف السد الخفي اللي بيننا بيعلى، وبقيت بعمل كل حاجة عشان أهد السد ده. بقيت أقعد معاها في البلكونة، أساعدها في سقي الزرع، أهتم بتفاصيل يومها، وأحاول أفتح معاها حكاوي.. وهي كانت بترد على قد السؤال.

لحد ما جه يوم.. بعد حوالي سبع شهور من رجوعي.

كنت راجع من الشغل تعبان جداً، دخلت الشقة ملقتهاش في الصالة. مشيت ورا ريحة البخور لحد ما وصلت باب البلكونة.. لقيتها قاعدة، والسرير الصغير بتاع الزرع منور، وهي ماسكة الدفتر الصغير في إيدها.. بس مكنتش بتكتب.

كانت بتبكي.. بتبكي بحرقة وبصوت مكتوم.

قلبي اتعصر، وقربت منها بالراحة وقعدت على ركبي قدامها زي الليلة المشؤومة ديك، ومسكت إيدها.. المرة دي ممانعتش ولا سحبت إيدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *