ليله دخلتي
في الأول افتكرتها فتلة خيط مكركبة، بس لما وطيت وقربت منها، لقيتها “خصلة شعر” سودة، ملفوفة ومتلفتة بعناية شديدة ومربوطة بـ خيط صوف أحمر دموي، وجواها ورقة بصل صغيرة مرسوم عليها طلاسم ورموز مش مفهومة!
الدم هرب من عروقي واتجمدت في مكاني.. إيه القرف ده؟ وإيه اللي جاب العمل ده جوة القميص؟!
في اللحظة دي، سمعت صوت جوزي محمود بينادي عليا من الصالة وهو بيقرب من الأوضة.. اتووشت وضربني السلك، ولسبب أنا نفسي مش فاهماه، قمت لامة الخصلة وخبيتها في أبعد درج في الكومودينو، وقررت إني مستحيل هلمس القميص ده الليلة.. لبست حاجة تانية وخلاص.
عدت الليلة.. بس من تاني يوم، الحارة كلها عرفت إن بيتنا قايدة فيه النار!
مشاكل من الهوا.. محمود جوزي اللي كان هادي وطيب، بقى عصبي، وعينه بتطق شرار من أقل كلمة، وبقى يقرف يقعد معايا في الأوضة. وحماتي بقت تزرنا كل يوم تقريباً بحجة المباركة، وفي كل زيارة كانت تقعد تلمح وتسألني سؤال واحد وعينها بتلف في الأوضة: “لبستي القميص الأبيض اللي جالك يا ولاء؟”
كل مرة أقولها: “لأ يا طنط، لسه ملقتش فرصة”.. كانت تبتسم ابتسامة صفرا تظهر سنانها، وتغير الموضوع.
بعد أسبوع.. نزلت رحت لبيت أمي، ورجعت بدري عن ميعادي بشوية. فتحت باب الشقة بالراحة، لقيت حماتي قاعدة في الصالة، ومعاها بنتها “هبة”.. أخت جوزي الصغيره، بنت في أول العشرينات، ضحكتها كانت تملى البيت وكل الحارة بتحب خفت دمها. أول ما عتبت الممر، سمعت هبة بتقول لأمها بدلع: “يا ماما هو فين القميص الأبيض الفخم اللي كنتِ بتقولي عليه؟ أنا عايزة أشوفه”.
ساعتها حماتي اتلخبطت، ووشها جاب مية لون، وزعقت فيها لأول مرة بقسوة: “اتلمي يا بت ومالكيش دعوة بحاجة متخصكيش!”.. هبة ضحكت وقالت: “والله لهشوفه وألبسه كمان”.
الموضوع عدى.. بس الشك لغوص في قلبي، وبقيت بمشي ورا حماتي بعيني. وفي يوم وأنا بروق الأوضة، افتكرت خصلة الشعر والعمل اللي في الدرج.. طلعتها، وأخدت بعضي ورحت لـ ست مبروكة وكبيرة في السن في بلدنا معروفة بالحكمة وقراية الأثر.. حطيت الخصلة قدامها من غير ما أنطق بحرف.
أول ما الست شافت الخصلة والورقة بصل، وشها اتقلب وبصت لي بـ فزع: “مين اللي عمل فيكي الوعكة دي يا بنتي؟! مين اللي جابلك الأثر ده؟”
قولت لها برعب: “ليه يا خالة؟ فيه إيه؟”
ردت بصوت واطي يقشعر له البدن: “ده سحر أسود بالمرض والجنون والخراب.. معمول عشان اللي تلبسه يتقلب حالها وتكره دنيتها وتشوف جهنم بعينها.. خدي الأثر ده ارميه في مية جارية بعيد عن عتبة بيتك، لإن اللي عمله كان ناوي ليكي على أذية تموتك!”