ليله دخلتي

رجعت البيت وأنا ركبي بتخبط في بعضها من الرعب.. وعرفت إن حماتي كانت عايزة تدمرني ليلة دخلتي. بس الحقيقة كانت أبشع وأقرب مما تتخيلوا!
بعدها بيومين، كنت قاعدة في شقتي، لقيت تليفوني بيرن.. دي هبة أخت جوزي، كانت بتتكلم وصوتها فيه ضحكة غريبة مش مريحة، وقالت لي بنبرة سريعة: “تعالي بسرعة يا ولاء.. تعالي شوفي المفاجأة اللي عملتها”.
سألتها: “فيه إيه يا هبة؟” وقبل ما ترد السكة اتقفلت.
نزلت جري على شقة حماتي في الدور الأول.. أول ما فتحت الباب، لقيت البيت كله مقلوب.. صوت صراخ، عياط، وزعيق مسمع لآخر الحارة! الشغالين بيجروا، وأقاربهم ملمومين.
جريت في الممر وبصرخ: “فيه إيه؟ حصل إيه يا جماعة؟” محدش بيرد عليا.

لحد ما دخلت الصالة الكبيرة.. وشوفت الصدمة اللي شلت رجلي مكانها!
هبة كانت قاعدة على الأرض.. وشها باهت كأنه جثة، عيونها مبرقة وزايغة بشكل مرعب، وريقها سايل على جناب بوقها.. وبين إيديها، كانت ماسكة “قميص النوم الأبيض” بتاعي! القميص اللي أنا رفضت ألبسه، واللي اختفى من دولابي قبلها بيومين ومن غير ما أعرف مين اللي سرقه!
لفيت وشي وبصيت لحماتي “أمينة”.. كانت واقفة في ركن الصالة، وشها أصفر ليموني، وضهرها محني كأنها شافت ملك الموت قدامها.. ولأول مرة، الشجاعة والمنظرة اتمسحت منها، وكانت بتموت من الرعب!
ولما عيوننا اتقابلت، همست بحسرة وندم قطع حشاها، وقالت وهي بتلطم على وشها:
* “بنتي.. هي اللي لبسته…”
وبعدها حطت إيدها على راسها وصوتت وانهارت على الأرض مغمى عليها، في الوقت اللي كانت فيه هبة بتبص للفراغ، وبتضحك ضحكة فحيح مرعبة بصوت خشن وغريب وعميق، صوت مستحيل يكون صوت هبة البنت الرقيقة، وقعدت تكرر جملة واحدة هزت حيطان البيت: “هو رجع… هو رجع عشان ياخد حقه القديم من عيلتكم!”
بقلم الهواري

تفتكروا إيه السر القديم اللي السحر صحاه في البيت؟ وإزاي هبة هتتحول لمصيدة تفضح أمها قدام الحارة كلها؟ والأهم.. محمود هيعمل إيه لما يعرف إن أمه هي اللي دمرت أخته بالسحر؟

## الفصل الثاني: فحيح في جدران البيت
البيت كله كان بيغلي، وصوت ضحكة “هبة” المستعارة، الخشنة اللي طالعة من حتة غريقة جوة صدرها، كانت بتشرخ الحيطة. الحارة برة بدأت تتلم على الصوت، والهمس زاد بين الجيران على السلم: “جرى إيه في بيت الحاجة أمينة؟ هو الصراخ ده جاية منين؟”
أنا كنت واقفة في نص الصالة، رجلي متسمرة في الأرض كأنها صابة خرسانة. عيني بتروح وتيجي بين هبة اللي قاعدة في الأرض بتلعب بالستان الأبيض بتاع القميص بضوافرها لدرجة إنه بدأ يتنسل في إيدها، وبين حماتي اللي مرمية على الكنبة بعد ما الجيران وأختها الكبيرة “الحاجة فوزية” قعدوا يفوقوا فيها ويرشوا على وشها مية وبصل.
أول ما أمينة فتحت عينها وزاغت في الأوضة، لقطتني واقفة. لقطت نظرة عيني اللي مابقاش فيها خوف، بقى فيها ذهول ممزوج بقرف. صرخت فجأة بأعلى صوتها وهي بتشاور عليا بصابعها اللي بيترعش:
* “أنتِ! أنتِ السبب! بنتي جرى لها إيه؟ عملتي في البت إيه يا ولاء يا بنت ميرفت؟”
كل العيون في الأوضة لفت وبصت لي. أختها فوزية قامت وقفت وحطت إيدها في وسطها: “جرى إيه يا بت يا ولاء؟ أنتِ دخلتي البيت ده بـ قَدَم نحس ولا إيه؟ البت كانت زي الوردة، إيه اللي شقلب حالها كده من ساعة ما دخلتي؟”
قبل ما أنطق أو أدافع عن نفسي، محمود جوزي دخل من باب الشقة زي الإعصار. كان راجع من شغله في الورشة على صوت الصرايح، هدومه عليها عفرة، ووشه عرقان ومخطوف. أول ما شاف أخته بالمنظر ده، وريقها الناشف على بوقها، وعينها اللي مقلوبة لفوق ومش شيفانا أصلاً، ركبه خانته ووقع على ركبه قدامها:
* “هبة! هبة يا حبيبتي ردي عليا.. أنا محمود أخوكي، فيه إيه؟ مالك يا فوزية؟ أمي مالها؟”
هبة ماردتش عليه بـ كلام يفهمه. لفت وشها ليه ببطء شديد، حركتها كانت غريبة، كأن رقبتها مفيهاش عضم، وبصت في عينه وضحكت نفس الضحكة الفحيح، وقالت بنبرة تخوف الطير الطاير:
* “محمود… الغالي… ابن أمينة. أمك سقتنا المر زمان، والنهاردة الشربات هيلف على الكل. القميص حلو قوي.. ناعم.. بس بيحرق.. بيحرق قوي يا محمود!”
محمود اتنفض لورا وكأن حية قرصته. بـ تلقائية عينه وقعت على القميص الأبيض اللي في إيدها، وبدأ يربط الكلام. ملامحه اتمسحت، والتفت لأمه اللي كانت بتعيط بـ حرقة وتلطم على فخاذها:
* “قميص إيه ده يا أمي؟ والبت مالها؟ حد يفهمني فيه إيه في البيت ده؟”
### المواجهة الصامتة تحت سقف واحد
البيت فضي شوية بعد ما الحاجة فوزية طلبت من الشغالين والجارات يخرجوا برة ويقفلوا الباب عشان “الفضيحة ما تطلعش للحارة”. قعدنا كلنا في الصالة الكبيرة. هبة نقلوها السرير في أوضتها بعد ما جسمها ساب خالص وبقت زي الجثة الميتة، بس عيونها فضلت مفتوحة بتبص للسقف وبتبرق.
محمود كان رايح جاي في الصالة، بيخبط كف على كف، وعينه حمرا زي الدم:
* “يعني إيه البت اتقلب حالها فجأة؟ يعني إيه الست مبروكة قالت لـ ولاء ده سحر أسود؟ أمي.. أنتِ عارفة حاجة عن القميص ده؟”
حماتي كانت قاعدة منكسرة، ضهرها اللي كان مفرود بالظلم والافترا انحنى، بس لسه جوة عيونها غل الدنيا. بصت للأرض وقالت بصوت مخنوق:
* “والمصحف ما أعرف يا ابني.. أنا شوفت القميص ده في أوضتها، قولت يمكن ولاء ادتهولها.. أنا هأذي بنتي؟ هأذي حتة من قلبي؟”
أنا مقدرتش أسكت. الشك اللي كان جوايا اترمى في وشها بكل قوة. قربت منها وقولت بصوت عالي سمعه محمود:
* “لأ يا حماتي! أنتِ عارفة القميص ده كويس.. وعارفة مين اللي جابه ومين اللي حط الخصلة السودة والخيط الصوف الأحمر جواه! نسيتي كلامك ليا في القاعة بالعباسية؟ نسيتي لما مسكتِ إيدي وقولتيلي فتحي عينك وخلي بالك من القميص الأبيض؟ أنتِ كنتِ مستنياني ألبسه ليلة دخلتي عشان أتهبل وأتجنن ومحمود يقرف مني ويسيبني!”
محمود وقف في مكانه كأنه مضروب بالنار. بص لأمه وبص لي:
* “كلام إيه ده يا ولاء؟ أمي تعمل كده؟ أنتِ اتجننتي؟”
* “اسألها يا محمود!” صرخت وأنا دموعي بتنزل من القهر. “اسألها القميص ده وصل أوضتي إزاي يوم الفرح؟ ومين اللي حط العمل جواه؟ أنا لما لقيت البلا ده، خبيته في الدرج ولـبست حاجة تانية.. والظاهر إن بنتك هبة دخلت شقتي في المطرية من ورايا، وسرقت القميص عشان عاجبها، ولبسته وهي مش فاهمة إن أمها عامله فيه سم هاري يهد البدن!”
حماتي رفعت راسها وعينها طقت شرار:
* “بتقولي على كبر سني بعمل سحر؟ يا فاجرة يا بنت الميرفت! أنتِ اللي جايبة العمل ده معاكي من بيت أمك عشان تخربي بيت ابني وتفرقي بيني وبينه!”
المناهدة زادت، ومحمود كان واقف في النص مشلول.. مش قادر يصدق إن أمه، الست الحاجة اللي بتروح وتيجي من الجوامع، ممكن تلمس القرف ده، وفي نفس الوقت شايف أخته بتموت في الأوضة التانية.
### سر الماضي القديم يظهر من جديد
الليل ليل، والحارة هديت برة، بس جوة البيت كان فيه حسيس غريب. محمود نزل يلف على دكتور أو شيخ يلحقنا بيه، ومبقاش في الشقة غيري أنا وحماتي وأختها فوزية، وقاعدين جنب سرير هبة اللي حرارتها بدأت ترفع بشكل مش طبيعي، وجسمها بينتفض وهي نايمة.
وفجأة، البت قعدت في السرير من غير ما تسند على إيدها.. قعدت خبطة واحدة كأن فيه خيط شدها لفوق. عيونها كانت زايغة، وبصت لحماتي “أمينة” وقالت بصوت هادي، بس الصوت ده كان له صدى مرعب جوة الأوضة:
* “فاكرة يا أمينة؟ فاكرة من عشرين سنة.. لما روحتي للدجال عبد المعبود في بلاد الجبل؟ فاكرة لما دبرتي العمل لـ ‘سعاد’ أخت جوزك المرحوم عشان تسقط وماتت بنزيفها؟”
الحاجة فوزية أول ما سمعت الاسم ده، شهقت وصوتت وكتمت بوقها بإيدها، ووشها بقى أبيض زي الحيطة. بصت لأختها أمينة وقالت بـ رعب:
* “يالهوي يا أمينة! السيرة دي اتفتحت تاني ليه؟ مش قفلنا الباب ده من عشرين سنة وقولنا البت ماتت بمرضها؟”
حماتي وقعت من طولها على السجادة جنب السرير، وبقت تزحف لورا وهي بتبص لهبة بـ فزع حقيقي، دموعها وعرقها سايحين على وشها:
* “لأ.. لأ مش هو.. عبد المعبود مات وشبع موت من زمان.. السحر ده معمول لـ ولاء.. مش ليكي يا هبة.. مش ليكي يا قلب أمك!”
الصوت الخشن اللي طالع من هبة ضحك وقهقه بـ نبرة تقطع القلب:
* “السحر اللي بيتكتب بـ دم القرايب، مابيروحش لـ غريب يا أمينة. الخدام اللي أنتِ صحيتيهم بـ خصلة الشعر عشان يخربوا بيت العروسة الجديدة، لقوا ريحة دمك في البيت.. ودمك هو هبة! الحق القديم رجع.. روح سعاد مش هترتاح إلا لما تشوف بيتك ده مهدود طوبة طوبة، وزي ما حرمتيها من ضناها، بنتك هتعيش لا وعية ولا دريانة بالدنيا!”
أنا كنت واقفة ساندة ضهري على الدولاب، وبسمع الكلام وأنا مش مصدقة. السحر الأسود اللي حماتي عملته ليا، صحى لعنة قديمة كانت مدفونة في البيت ده من عشرين سنة! الجريمة القديمة اللي حماتي عملتها في أخت جوزها عشان تخلص منها ومن ورثها، رجعت تفتح حسابها القديم، والضحية كانت “هبة”.. البنت البريئة اللي ملهاش أي ذنب غير إنها بنت أمينة.
### دخول محمود وبداية الانفجار
على الفجر، الباب انفتح ودخل محمود ومعاه الشيخ “عبد الستار”، راجل وقور من شيوخ الأزهر المعروفين بالصلاح في الحي. أول ما الشيخ عتب باب الشقة، وقف مكانه وقفل عينه وبدأ يقرا آية الكرسي بصوت جهوري.
البيت كله حس بـ هزة خفيفة، وصوت فحيح أو صفير مر بـ ممر الشقة وكأن فيه ريح شديدة دخلت من الشبابيك المقفلة. هبة جوة الأوضة بدأت تصرخ وتخبط راسها في الحيطة بـ عنف:
* “مش عايزينه! مش عايزينه يدخل هنا! مشوا الراجل ده من هنا!”
محمود جري على الأوضة وهو بيعيط: “الحقني يا شيخنا.. أختي بتموت، والبيت بيتهد علينا”.
الشيخ عبد الستار دخل الأوضة بكل ثبات، وبص لـ هبة وهي على السرير، وعينه لقطت القميص الأبيض اللي كان مرمي في الأرض ومتبهدل. الشيخ بصلنا وقال بنبرة صارمة:
* “البيت ده فيه أثر نجس.. وفيه سحر متجدد. السحر ده معمول بـ طلاسم مرض وخراب وشتات.. ومسقي بـ مية مش نظيفة. مين اللي عمل العمل ده ومين المقصود بيه؟”
أنا بصيت لـ محمود وقولت: “قوله يا محمود.. قوله على القميص اللي أمتك بعتتهولي ليلة دخلتي وفيه العمل.. قوله إن أختك لبسته بالغلظ والعمل لبسها هي!”
محمود التفت لأمه اللي كانت قاعدة في الأرض زي الفرخة المبلولة، مش قادرة ترفع عينها في ابنها. قرب منها ومسكها من كتافها وهزها بـ غل وعصبية أول مرة أشوفها فيه:
* “انطقي يا أمي! الكلام ده صح؟ أنتِ اللي عملتي كده؟ أنتِ اللي جبتي السحر ده لـ مراتي وبنتك لبسته؟ انطقي قبل ما البيت يتطربق علينا!”
أمينة بصت لابنها بـ ندم وكسرة، وصوتها كان طالع بالعافية:
* “كنت عايزاها تمشي يا محمود.. كنت عايزاها تكرهك وتكره البيت.. مكنتش أعرف إن هبة هتاخده.. مكنتش أعرف إن ذنب سعاد هيرجعلي في بنتي!”
محمود ساب كتاف أمه ووقعت في الأرض، وبص لها بـ نظرة صدمة وقرف عمري ما شوفتها في عيون ابن لأمه. رجع خطوتين لورا وكأنه مش طايق يلمس الهوا اللي هي بتتنفسه.
الشيخ عبد الستار طلب من محمود يجيب طبق فيه مية وملح خشن، وبدأ يقرا الرقية الشرعية بصوت عالي وبترتيل يهز القلوب. مع كل آية كان بيقراها، هبة كانت بتتلوى على السرير وتصرخ بصوت خشن ومرعب، وجسمها بيعرق لدرجة إن الهدوم اتبلت تماماً.
وفجأة، البت سكتت خالص.. وعينها قفلت، ووقعت على السرير كأنها قطعت النفس. محمود صرخ: “أختي ماتت يا شيخنا!”
الشيخ قال بـ هدوء: “اهدأ يا ابني.. دي غيبوبة خفيفة، العارض ساب الجسم مؤقتاً لإن المكان اتقرت فيه آيات الله.. بس السحر لسه متفكش!”
التفت الشيخ لينا وبص لـ حماتي وقال بـ نبرة حاسمة:
* “السحر ده من نوع خبيث، ومرتبط بـ عهد قديم وجريمة قديمة في البيت ده. وعشان البت دي تخف وترجع لـ عقلها، لازم الأثر الأصلي يتغسل بـ مية مقروء عليها برة البيت، ولازم الست دي” وشاور على حماتي “تقر بـ ذنبها القديم وتطلب السماح من أصحاب الحق، وإلا البنت دي عقلها هيروح ومش هترجع تاني للحياة!”
### الفصل الثالث قادم…
تفتكروا محمود هيعمل إيه مع أمه بعد ما اعترفت بـ جرمها القديم وجريمتها في حق مراته وأخته؟ وإيه هو السر الكامل لـ “سعاد” أخت أبوه اللي حماتي قتلتها بـ السحر من عشرين سنة؟ وإزاي الحارة كلها هتعرف بالفضيحة دي لما الشيخ يبدأ خطوات فك السحر الأسود في وسط البيت؟
## الفصل الثالث والأخير: حريقة الحق والندم
البيت بعد الفجر بقى زي الترب.. هس هس، ومفيش غير صوت نفس “هبة” اللي طالع داخل بـ صعوبة وهي مرمية على السرير زي لوح التلج. الشيخ عبد الستار وقف في نص الأوضة، لّم حاجته وبص لـ محمود بنظرة كلها أسى ووعظ، وقال له بـ صوت واطي بس يرن في النفوخ:
* “أنا عملت اللي عليا يا ابني وقريت الرقية وخففت الحمل عن البت، بس العقدة الكبيرة مش في إيدي.. العقدة في رقبة أمك. السحر الأسود ده قايم على دم قديم وغل متعرّق في الجدران، وطول ما الأثر الأصلي والسر القديم مدفونين، البت دي هتفضل بين السما والأرض.. عقلك في راسك يا محمود، شوف هتعمل إيه مع أمك، لإن الوقت مش في صالحكم، والنهار لو طلع والبت دي مفاقتش، العارض هيرجع يملس على عقلها وساعتها مش هتشوفوا منها غير الجنان والخراب.”
الشيخ مشي، وقفلنا الباب وراه، ورجعت الصالة تقفل علينا تاني.. أنا ومحمود وحماتي أمينة اللي كانت كشّت وصغرت في الركن كأنها حتة قماش قديمة دايبة، وأختها فوزية اللي كانت عمالة تلطم في خباثة وخوف من الفضيحة وسط الحارة.
محمود وقف بطوله، وعينه كانت طاقة شرار وندم، بص لأمه اللي مش قادرة ترفع عينها فيه، وقال لها بصوت مكتوم زي زئير الأسد المجروح:
* “انطقي يا أمي.. انطقي من غير كدب ولا لف ودوران، إيه حكاية عمتي سعاد؟ وإيه اللي جاب سيرتها الليلة دي على لسان بنتك؟ أنا طول عمري أعرف إن عمتي ماتت بالحمى وهي لسه صبية.. إيه القرف اللي سمعته ده؟”
### اعترافات نص الليل.. سر “سعاد” الدفين
حماتي بدأت تتنفض، ودموعها نزلت على تجاعيد وشها اللي اتقلب لونه لأصفر ليموني. بصت لأختها فوزية كأنها بتستنجد بيها، بس فوزية لفت وشها الناحية التانية وقالت لها بـ لؤم: “انطقي يا أمي.. انطقي يا أمينة وخلصي نفسك، البت هبة هتموت بسبك، والسر اللي استخبى عشرين سنة أهو خرج والجن فضحه قدام الغريب والقريب!”
أمينة بلعت ريقها بالعافية، وبدأت تتكلم وصوتها بيترعش كأنها واقفة قدام حبل المشنقة:
* “من عشرين سنة يا محمود.. لما أبوك الله يرحمه كان لسه بعافيته، وكانت عمتك سعاد عايشة معانا في نفس البيت هنا في الدور الأول. أبوك كتب لها نص البيت ورثها شرعي، وكمان كان شايل معاها قرشين دهب بتوع جهازها. أنا الشيطان لعب في دماغي.. قولت البيت ده من حق عيالي، والبت دي لو اتجوزت، الغريب هييجي يقعد معانا ويقاسمنا في الرزق والمكان.”
سكتت شوية وأنفاسها تعبت، فـ صرخت محمود فيها: “كملي! كملي يا حاجة يا بتاعة ربنا يا صامة ومصلية! عملتي إيه في أخت أبويا؟”
* “روحت لـ عبد المعبود.. الدجال اللي كان في بلاد الجبل” كملت وهي بتعيط بـ حرقة. “قولتله مش عايزاها تتجوز، وعايزاها تكره البيت وتمشي. عملي عمل سفلي على أثر من طرحتها.. وبأيدي دي، حطيتهولها في المرتبة بتاعتها. البت من تاني يوم حالها اتقلب.. بقت تصرخ من الهوا، وجسمها ينشف، ورفضت العرسان كلهم. ولما أبوك جاب لها شيوخ، السحر اتقلب عليها بـ مرض ونزيف.. وفضلت تنزف لحد ما صفت وماتت وهي ملحقتش تفرح بـ دنيتها.. وأبوك افتكرها ماتت بالمرض، وأنا أخدت الدهب وورث البيت كتمت عليه..!”
أنا واقفة بسمع الكلام وجسمي كله بيقشعر. بصيت لـ محمود اللي كان وشه بيجيب مية لون، وعروق رقبته كانت هتطق من كتر الصدمة والغل. الراجل انهار، قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبقى يبكي بـ شهقة تكسر القلب:
* “أمي.. أمي أنا تطلع قتالة قتلا وساحرة؟ بتأكلينا بـ فلوس سحر ودم؟ وكمان جاية تعيدي الكرة في مراتي؟ ولاء عملتلك إيه؟ البت الغلبانة دي اللي لسه بـ فستان فرحها، كنتِ عايزة تعملي فيها زي ما عملتي في عمتي؟”
حماتي زحفت على ركبها لحد ما وصلت تحت رجله، وحاولت تمسك رجله وهي بتصرخ:
* “كنت خايفة تاخدك مني يا ابني! كنت خايفة تتدلع عليك وتنسيك أمك وتخلّيك تشيل إيدك من البيت ومصاريف أختك.. قولت أعمل لها عمل يخليها تقرف منك وتطلب الطلاق وتمشي بـ كرامتها.. والمصحف ما كنت أعرف إن هبة بنتي، قلب عيني، هي اللي هتدخل شقتك بالسرقة وتاخد القميص تلبسه!”
قمت أنا وقفت وبصيت لها بـ كل قسوة وقولت لها: “القميص ده أنتِ اللي حطيتيه في علبة قطيفة شيك وكتبتِ عليه هدية مخصوص ليكي يا عروسة.. وبنتك هبة، لإنها نيتها بيضا وبتحب الهيصة واللبس، شافت العلبة فوق السرير لما نزلتُ أنا عند أمي، وافتكرت إنها هدية عادية فـ أخدتها تلبسها وتفرح بيها.. السحر لّف لّفته ورجع لصاحبه يا حاجة أمينة! ربنا مابيرضاش بالظلم، وزي ما حرمتِ سعاد من شبابها، ربنا حرّق قلبك على بنتك وفي نفس البيت اللي ظلمتِ فيه!”
### الفضيحة تفتح أبوابها في المطرية
النهار بدأ يشقشق، وصوت أذان الفجر رفع في جوامع المطرية.. ومع ضوء الشمس الأولاني، الحارة مابقتش تنام. الجيران برة، الستات اللي نازلين يشتروا الفطار والرجالة اللي رايحين شغلهم، كلهم وقفوا تحت البيت. صوت الصراخ والفضايح اللي طلعت من الشباك بالليل خلت الحارة كلها تتكلم: “بيت الحاجة أمينة فيه جن.. بيت الحاجة أمينة مقلوب!”.
محمود مسح دموعه بـ كف إيده، وقام وقف ونظرته لأمه اتغيرت تماماً.. مابقاش فيها حنية الابن، بقى فيها نظرة الغريب اللي بـ يقرف من صاحبه. بص لأخت حماتي، الحاجة فوزية، وقال لها بـ حسم:
* “خدي أمي واخرجي برة الأوضة.. أنا هعرف أفك العمل ده إزاي، والدهب والورث بتوع عمتي سعاد، قسماً بالله ما هيدخلوا بيتي ولا بطني مليم منهم تاني.. هشوف طريق لله يدخل فيهم صدقة جارية على روحها، بس الأول.. لازم بنتي وأختي تفوق.”
جريت على الأوضة وطلعت خصلة الشعر اللي كنت مـخباياها في الدرج ومعاها ورقة البصل والطلاسم. الشيخ عبد الستار كان قايلي قبل ما يمشي: “الأثر ده لازم يتغسل بـ مية وملح وسدر، ويترمى في مية جارية.. مية بحر أو نيل، بعيد عن عتبة البيت، عشان العهد يتفسخ”.
بصيت لـ محمود وقولت له: “يلا يا محمود.. لازم نروح عند النيل دلوقتي، نغسل الأثر ده ونرميه هناك زي ما الشيخ قال، قبل ما العارض يصحي في جسم أختك تاني”.
محمود أخد الخصلة والورقة بإيد بترتعش، ونزلنا على السلم جري. وأحنا نازلين، عيون الجيران كانت بتاكلنا.. الست أم محمد الخضارية، والعم حسين البقال، كلهم بيبصوا علينا وبيتوشوشوا. محمود كان مالي وشه الأرض من الخزي والعار، حاسس إن الحارة كلها عرفت إن أمه ساحرة وظالمة.
### عند شط النيل.. غسيل الذنب وفك العقدة
ركبنا تاكسي وأحنا ساكتين.. الطريق من المطرية لحد شط النيل في روض الفرج كان كأنه سنة. محمود كان ماسك العمل في إيده وكأنه ماسك جمرة نار بتلسعه.
أول ما وصلنا الشط، الدنيا كانت لسه هادية والشمس دافية. قعدنا على صخرة قريبة من المية.. محمود طلع زجاجة مية مقري عليها رقية شرعية كان الشيخ سابهالنا، وبدأ يصب المية على خصلة الشعر والورقة بصل اللي مكتوب عليها بالأسود والرموز الغريبة.
مع أول نقطة مية نزلت على الورقة، الكتابة بدأت تسيح.. والدم الصوف الأحمر بدأ يتفك بـ لوحده كأن فيه إيد خفية بتقطعه! سبحان الله، الهوا حوالينا فجأة بقى بارد، وسمعنا صوت حشرجة خفيفة طالعة من المية وسط الموج.
محمود فضّل يقرأ المعوذتين وآية الكرسي بـ صوت عالي ودموعه بتنزل في المية، لحد ما الورقة دابت خالص في إيده وبقت حتت صغيرة، وخصلة الشعر اتفردت ومبقتش مربوطة. أخد محمود كل القرف ده ورماه بـ عزم ما فيه في قلب المية الجارية، وبص للموج وهو بيسحب الأثر بعيد وبعيد.. لحد ما اختفى تماماً عن العين.
تنهد محمود تنهيدة طويلة، كأن جبل انشال من على صدره، وبص لي وقال وعينه مليانة أسف:
* “سامحيني يا ولاء.. حقك عليا يا بنت الأصول. دخلتِ بيتي بـ فستانك الأبيض، وشوفتِ الموت والغل من أول ليلة.. أنا ماليش عين أبص في وشك ولا في وش أمك.”
مسكت إيده وقولت له بـ أصل وطيبة: “أنت مالكش ذنب يا محمود.. أنت راجل طيب وتعرف ربنا، والذنب ذنب اللي عمل وعقد. المهم دلوقتي نرجع نطمن على هبة.”
### العودة والقصاص الإلهي
رجعنا البيت في المطرية، وأول ما فتحنا باب الشقة، لقيت الحاجة فوزية بتجري علينا وهي بتبكي، بس المرة دي دموع فرحة: “الحق يا محمود! أختك فاقت.. هبة فتحت عينها وطلبت مية، وبقت تبص حواليها وتقول أنا فين وإيه اللي قعدني بالقميص ده هنا؟”
جرينا على الأوضة.. لقيت هبة قاعدة على السرير، وشها رجع له الدم تاني، وعينها بقت صافية وجميلة زي ما كانت، وريقها الناشف اتمسح. أول ما شافتني، بصت لي بـ كسوف وقالت بصوتها الرقيق الأصلي:
* “ولاء.. أنا أسفة يا حبيبتي.. أنا دخلت شقتك ولقيت القميص الأبيض ده عجبني قوي وقولت ألبسه وأقيسه.. مكنتش أعرف إنك هتزعلي.. بس أنا أول ما لبسته حسيت بـ نار قايدة في جسمي ومبقتش دريانة بحاجة بعدها.. أنا فين؟ وإيه اللي حصل؟”
محمود جري عليها وأخدها في حضنه وبقى يبكي: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. رجعتيلي بالسلامة يا هبة.”
أنا لفت وشي وبصت في الصالة.. لقيت حماتي أمينة قاعدة في الأرض، بس المنظر كان يصعب على الكافر. الست جرى لها شبه جلطة أو شلل نصفي من كتر الرعب والخوف اللي عاشته بالليل! بوقها كان معوج الناحية الشمال، وإيدها ورجلها الشمال مبيتحركوش.. كانت بتبص لـ هبة وهي في حضن محمود وعينها بتنزل دموع صامتة، مش قادرة تنطق بـ كلمة واحدة، ولا قادرة تطلب السماح.
الشيخ عبد الستار كان قالها: “القصاص الإلهي سريع”.. وربنا مسبش حق سعاد الغلبانة، ولا حق برائتي.. وعاقب حماتي بـ ذنبها في الدنيا قبل الآخرة. بقت عايشة ومشلولة، بتشوف بنتها اللي كانت هتموت بسبها، وتشوف ابنها السند الوحيد وهو مش طايق يبص في وشها.
### النهاية: عتبة جديدة وحياة جديدة
بعد الأيام الصعبة دي ما عدت.. محمود صمم إننا نقفل شقة المطرية خالص ونبعد عن البيت اللي مليان ذكريات سودا وعيون الجيران اللي بقت تبص للحاجة أمينة بـ قرف ونبذ. أخدنا هبة معانا بعد ما خفت تماماً، وأجرنا شقة جديدة ونظيفة في منطقة بعيدة.. شقة دخلتها الشمس والخير والرضا.
أما حماتي “أمينة”.. فـ فضلت قاعدة في شقتها بالدور الأول، بتخدمها أختها فوزية اللي كانت بتقعد تعايرها بـ عملتها الصبح وبالليل. محمود مسبش أمه في مصاريف علاجها وأكلها، لإن دينه أمره بـ برها رغم كل حاجة، بس كان بيبعت لها الفلوس مع حد أو يروح يحطها ويمشي من غير ما يقعد معاها ولا يملي عينه من وشها اللي اتمسحت منه البركة.
وفي ليلة.. وأنا قاعدة مع محمود في بلكونة شقتنا الجديدة، وبنشرب الشاي وهبة جوة بتضحك وتتفرج على التلفزيون، محمود مسك إيدي وبص في عيني وقال:
* “عارفة يا ولاء.. القميص الأبيض اللي حماتي جابتهولك عشان يفرقنا.. ربنا خلاه السبب اللي كشف المستور وطهر البيت من غل بقاله عشرين سنة. أنا بحبك يا بنت الأصول، ولولا عقلك وصبرك، كان زمان بيتنا اتهد وضاع.”
ابتسمت وقولت له: “الحمد لله يا محمود.. ربنا كبير ومابيرضاش بالظلم.. واللي بيمشي بـ نية بيضا، ربنا بـ ينور له طريقه ويقّلب السحر على الساحر.”
ومن الليلة دي.. بدأت حياتنا بـ جد، ليلة دخلة حقيقية مفيهاش خوف ولا سحر ولا فحيح أفاعي.. فيها بس حب ورضا وصوت ضحك طالع من القلب، تحت رعاية ربنا اللي دايماً بـ ينصر الحق ولو بعد حين.
**تمت بحمد الله**

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *