مرات اخويا
صرخ محمود بعناد يداري به خوفاً دفيناً: “أنا مغلطتش! هما اللي استغفلوني.. عيلتها كسرت كلمتي، والست اللي تكسر كلمة راجلها ملهاش مكان في بيته.. خليهم يشبعوا بيها!”
وفجأة، رن هاتف محمود. نظر إلى الشاشة فشحب وجهه.. كان المتصل هو أحد جيراننا الذي يعمل ممرضاً في نفس المستشفى. فتح محمود الخط بيد ترتعش ووضع الهاتف على أذنه، ليأتيه صوت الجار مرتبكاً وأنفاسه متلاحقة: “الحق يا محمود.. المستشفى مقلوبة، وأخو سحر جاب معاه ناس وقرايبهم من البلد، ونازلين يدوروا عليك وعلى أخوك.. والكل بيتكلم إن سحر حصل لها…”
لم يكمل الجار جملته، لأن الخط انقطع فجأة. سقط الهاتف من يد محمود، وتحول بياض عينيه إلى حمرة قانة.. نظر إلى أمي وقال بصوت مخنوق: “الظاهر البنت جرى لها حاجة.. وأهلها ناوين على شر.”
لم تمر سوى ساعة واحدة، حتى سمعنا جلبة شديدة في الشارع أسفل منزلنا، أصوات صراخ وعويل نساء تختلط بأصوات سيارات تتوقف بعنف.. ركضتُ نحو الشرفة لاستطلاع الأمر، فصدمتُ بمشهد أرعبني؛ كانت هناك سيارة إسعاف تقف أمام باب البيت، ويحيط بها رجال عائلة سحر وعلى رأسهم شقيقها أحمد، وجوههم كانت خالية من أي تعبير سوى الغضب الأسود والموت..
التفتُّ إلى محمود وأبي وأمي وقلت بصوت يرتجف من الرعب: “محمود.. أبو سحر وأخوها برة.. ومعاهم إسعاف!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
تسمر محمود في مكانه، وصعق أبي من هول المشهد، بينما بدأت أمي تطرق على خديها وتصرخ: “يا مصيبتي! البنت ماتت.. البنت ماتت وجايبين ج*ثتها لحد هنا عشان ينتقموا مننا!”
نزلتُ مع أبي مسرعين إلى الشارع قبل أن يتفاقم الأمر، بينما بقي محمود في الشقة يرقب المشهد من خلف زجاج النافذة، والخوف قد تملك منه تماماً بعد أن تلاشت نبرة الكبرياء والتعالي.
بمجرد وصولنا إلى باب العمارة، وجدنا أحمد، شقيق سحر، يقف وعيناه تشعان غضباً، وخلفه عدد من رجال عائلتهم يحيطون بسيارة الإسعاف التي كانت محركاتها لا تزال تعمل. تقدم أبي نحو أحمد ويده ترتعش، وقال بصوت متهدج: “يا بني.. وحد الله.. سحر جرى لها إيه؟”
نظر أحمد إلى أبي باحتقار وقال بصوت جهوري هز أركان الشارع: “بنتنا ماماتتش يا حاج.. بنتنا ربنا كتب لها عمر جديد وخرجت من العناية، لكن إحنا مش هنسيبها في المستشفى دقيقة واحدة عشان الغريب والقريب ما يقولش إنها ملهاش ضهر! إحنا جبنا الإسعاف عشان ننقلها بيت أبوها معززة مكرمة.. وجينا هنا عشان ناخد حاجتها، كل حاجة تخصها في الشقة دي تطلع دلوقتي حالا!”