مرات اخويا
تنفسنا الصعداء مؤقتاً لأن سحر لا تزال على قيد الحياة، لكن نبرة أحمد كانت تؤكد أن المعركة لم تنتهِ بل بدأت للتو. في تلك اللحظة، لم يحتمل محمود البقاء في الأعلى، ونزل يجر خطاه وعلامات الارتباك والوجوم تكسو وجهه. بمجرد أن رآه أحمد، تحرك نحوه كالفهد الذي يوشك على افتراس فريسته، ودفع صدره بقوة قائلاً: “أهو جه الجبان.. جه اللي رمى لحمه عشان شكل ومظاهر كدابة!”
تدخل رجال المنطقة وأبي للفصل بينهما قبل أن تتطور المشاجرة إلى تشابك بالأيدي. صرخ محمود محاولاً استعادة هيبته أمام الجيران الذين تجمعوا في الشرفات: “أنا مش جبان! أنا راجل، والست اللي تعمل عملية من ورايا وتكسر كلمتي ملهاش قعاد عندي، وحاجتها مش هتطلع من هنا إلا لما تطلق رسمي وتتنازل عن كل حقوقها!”
ضحك أحمد ضحكة ساخرة مليئة بالمرارة، وبصق على الأرض وقال: “حقوق إيه يا أبو حقوق؟ أختي هي اللي بايعاك، والطلاق هيحصل بالقانون وبكرة المحاكم تفصل بينا.. إحنا جايين ناخد لبسها وحاجتها الخاصة اللي تسترها في بيت أبوها، ومش عاوزين من وشك قشة زيادة.”
صعد أحمد مع اثنين من رجاله بالقوة إلى الشقة، وتحت نظرات أمي الباكية، بدأوا في جمع ملابس سحر وأشيائها البسيطة في حقائب كبيرة. كان المشهد مهيناً وقاسياً، وجدران الشقة التي شهدت أياماً طيبة أصبحت الآن شاهدة على خراب بيت كامل بسبب العناد والنظرة الضيقة.
بعد دقائق، نزل أحمد وهو يحمل الحقائب ووضعها في سيارة أخرى كانت تقف خلف الإسعاف. التفت إلى محمود ونظر إليه بنظرة أخيرة وقال: “افتكر اليوم ده كويس يا محمود.. اليوم اللي بعت فيه مرتك وهي بين الحيا والموت.. بكرة تدور الأيام وتعرف قيمتها، بس وقتها مش هتلاقي حتى ضفرها.”
تحركت سيارة الإسعاف وبداخلها سحر، التي كانت غائبة عن الوعي تحت تأثير المسكنات ولا تدري أن بيتها قد خُرب تماماً، وتلتها سيارات عائلتها، تاركين الشارع في صمت رهيب، ونظرات الجيران تلاحق محمود ب لوم وعتاب شديد.
التفت أبي إلى محمود، ولم يتحدث، بل رفعه يده ولطمه على وجهه صفعة قوية دوت في أرجاء المكان، وقال بصوت مخنوق من الخزي: “أنت مش ابني.. ولا أعرفك.. خربت بيتك بإيدك، وضيعت ست من أحسن الستات.”
دخل محمود إلى العمارة وهو يمسك وجهه، وعيناه تملأهما الحيرة والندم الذي بدأ يتسلل إلى قلبه لأول مرة. مرت ثلاثة أسابيع، انقطعت فيها الأخبار تماماً، حتى جاء يوم استيقظنا فيه على مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ حيث وصل إلى منزلنا إعلان قضائي من المحكمة يحمل اسماً غريباً غير الطلاق.. ومفاجأة قلبت الموازين بالكامل!