وصلت إيمي لقاعة الماسة وهي لابسة فستان أخضر غامق بالعافية قفل على بطنها اللي بقت في الشهر السابع. الفستان مكانش غالي ولا حاجة، بس كان نضيف ومكوي، وفيه كبرياء الستات اللي لسه بيحاولوا يبانوا قوايا من بره رغم إنهم مكسورين ومتبهدلين من الجوا. حازم، جوزها، نزل الأول من العربية ومفكرش حتى يلتفت وراه عشان يمد إيده ويساعدها. ـ اخلصي يا إيمي.. مش عايز أشوف وشك النكدي ده النهاردة خالص. الحفلة السنوية بتاعة "مجموعة الهواري" كانت معمولة في فندق 5 نجوم على كورنيش النيل في القاهرة. المكان كان كله ورد أوركيد نادر، ومزيكا كلاسيك راقية، وويترز شايلين صواني فضة، وستات مجتمعات بيتكلموا بصوت واطي أوي عشان يسيبوا مجوهراتهم وألماظهم هو اللي يصرخ ويعلن عن قيمتهم. حازم كان بقاله شهور بيحلم بالليلة دي.. كان طول الوقت بيقول إنهم أخيراً هيعلنوا تعيينه المدير الإقليمي لشركة المقاولات، وإن لازم يظهر في أبهى صورة، راجل قوي وناجح ومعندوش أي مشاكل تشغل باله. وبالنسالة لحازم.. إيمي وحملها كانوا هما "المشكلة" دي. من يوم ما قالت له إنها حامل، وحازم اتقلب 180 درجة. في الأول مبقاش يقرب منها، بعد كده مبقاش يسمعها أصلا، ولما كان بيتكلم، كان بيقول كلام يوجع ويكسر أكتر من الضرب. ـ بسببك حاسس إني مربوط ومكتف.. مفيش راجل بيبان حر وناجح وهو ماشي جنبه واحدة حامل بالمنظر ده! إيمي كانت بتستحمل وبتسكت عشان كانت لسه بتضحك على نفسها وتقول إنه يمكن مضغوط من الشغل. بس كان فيه سر كبير حازم ميعرفهوش عنها. اسمها الحقيقي مكانش إيمي المنشاوي زي ما هو فاكر.. اسم ابنتها الحقيقي كان إيمي الشناوي، بنت الحاج مراد الشناوي، الحوت الكبير اللي بيملك فنادق، وشركات مقاولات، ومولات، ونص السوق العقاري في مصر، والراجل اللي كل حيتان البيزنس اللي في القاعة دي مستنيين إشارته تحت نجف الكريستال. هي اللي خبت أصلها واسم عيلتها من أول يوم قابلت فيه حازم في مكتب صغير في مصر الجديدة.. مكانتش عايزة حد يطمع فيها أو يحب فلوسها، كانت حلمها ببساطة إن حد يحبها لنفسها هي.. يا لسذاجتها! أول ما دخلوا القاعة، حازم سحبها ورماها على ترابيزة قريبة من المطبخ، مستخبية ورا عمود خرساني كبير. ـ اقعدي هنا ومتتحركيش، ومشوفكيش بتتكلمي مع حد من شركائي.. ابتسمي وانتي ساكتة وبس. إيمي بصت للترابيزات الرئيسية اللي في النص، اللي قاعد عليها كبار رجال الأعمال، والمهندسين، والوزراء. حست بنبضة ورفسة خفيفة من ابنها، حطت إيدها على بطنها وبدأت تطبطب عليه. ـ أنا تعبانة يا حازم.. مش قادرة. ـ اداري ومتبينيش. وقبل ما ينطق بكلمة زيادة، ظهرت فريدة عاصم. طويلة، ممشوقة القوام، لابسة فستان فضي مجسم، وفي عينيها ثقة مليانة سم.. فريدة كانت بنت واحد من أكبر المساهمين في الشركة، والست اللي حازم بقاله شهور بيلف حواليها وبيغازلها عيني عينك قدام الناس كلها. فريدة دخلت وهي ساندة على دراع حازم وكأنها بتقول إن مكان إيمي خلاص بقى ملكها. ـ يا حازم يا حبيبي.. مكانتش أعرف إنهم عازمين الشغالين بتوع النضافة في الحفلة هنا! شلة شباب وبنات واقفين وراها ضحكوا بسخرية. إيمي وقفت براحة وهي بتسند على الترابيزة. ـ حازم.. أرجوك أنا عايزة أمشي.. أنا تعبانة بجد. حازم مسك دراعها وعصره في إيده بقوة وعنف. ـ مش عايز قرف وشغل الحركات بتاعك ده هنا! فريدة ابتسمت بخبث، ومسكت كاس عصير قصب غامق كان معدي على صينية، وبصت لإيمي وقالت: ـ وهو اللي في بطنك ده ابنه فعلاً؟ أصل بوشك اللي عامل زي الملاك البريء ده، الواحد يقلق الصراحة. إيمي حست بنار بتغلي في عروقها، وصرخت بكرامة: ـ ابني متجبيش سيرته على لسانك! القاعة كلها فجأة سكتت، والصوت هدي والعيون بدأت تلتفت ليهم. فريدة ببرود قاتل قلبت الكاس كله فوق فستان إيمي الأخضر.. العصير بهدل الفستان وبقى شكله زي جرح مفتوح ونازف. إيمي رجعت خطوة لورا من الصدمة، بس الأرض كانت مبلولة ومزحلقة.. رجلها خانتها، واتزحلقت ووقعت بكل ثقلها على جنبها فوق أرضية الرخام الناشفة. الهبدة كانت قوية لدرجة إن ناس كتير من الكبار لفوا وشهم يشوفوا إيه اللي بيحصل. إيمي في كسر من الثانية حطت إيديها الاثنين على بطنها عشان تحمي ابنها وهي بتصرخ بوجع: ـ ابني.. بطني.. حازم بص حواليه وشاف نظرات الاستنكار والفضول في عيون الحاضرين، كبريائه الأعمى وغروره ومصلحته عموه تماماً عن أي ذرة رحمة أو إنسانية. ـ أنا مش قلتلك متفضحيناش وتعملي منظر! فريدة وطت على إيمي، ومسكتها من كتفها وهي بتقول بلؤم: ـ اعتذري له يا شحاتة.. انتي فاكرة نفسك قاعدة في حارة؟ في اللحظة دي، حازم رفع رجله لفوق.. وقدام رجال الأعمال، والشركاء، والستات الهوانم اللي ريحة برفيومهم مالية المكان، ركل مراته الحامل بكل قوته في جنبها. حكايات شروق خالد الركلة نزلت على جنب إيمي زي الصاعقة، صرخة مكتومة ومرعبة طلعت من حلقها وهي بتنكمش على الأرض وبتحضن بطنها بكل قوتها. القاعة كلها اتقلبت في ثانية، صوت همسات الستات وهتفات الاستنكار علت، والكل واقف مذهول من الجبروت والوحشية اللي شافوها. حازم وقف يظبط جاكيت بدلته ببرود وهو بيبص لها بقرف، وفريدة واقفه جنبه وبتبتسم بانتصار وكأنها دبت صرصار برجلها. ـ قومي فزي.. مش هتمثلي علينا وتعملي فيها ضحية. إيمي كانت غايبة عن الكون، الألم كان بيعصر بطنها وظهرها، ودموعها نازلة بتغلي على خدها، بس وسط الوجع ده كله، شافت خيال طويل عريض بيقرب من بعيد.. خيال لراجل الهيبة بتسبق خطواته، وكل ما يقرب، الناس بتوسع له برعب واحترام. الهمس انقطع تماماً، والقاعة بقت حتة من القبر لما الراجل ده وقف فوق راس حازم. كان الحاج مراد الشناوي.. بكبريائه، وعيونه اللي بتطق شرار، واليخت اللي واقف في النيل كله باسمه. حازم أول ما شافه، وشه اتقلب ألوان، وافتكر إن الحظ ابتسم له والحوت الكبير جاي يكلمه بنفسه. فرك إيده بلهفة ووطى راسه بنفاق: ـ أهلاً يا مراد بيه! نورت الحفلة.. معلش يا فندم على المنظر المقرف ده، الست دي دخلت غلط وغبية ومش سيباني في حالي.. أنا هخلي الأمن يرميها بره حالاً عشان متضايقش معاليك. مراد بيه منطقش ولا كلمة.. عينيه كانت مركزة على الفستان الأخضر المتبهدل، وعلى بنته وحتة من قلبه اللي مرمية في الأرض بتنزف. وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، نزلت إيد مراد الشناوي بـ "قلم" مدوي على وش حازم.. القلم كان قوي لدرجة إن حازم لف حوالين نفسه ووقع على التربيزة اللي وراه، الكاسات اتكسرت والدم ساح من بقه. فريدة صرخت برعب ورجعت لورا: ـ أنت بتعمل إيه؟! أنت عارف ده مين؟ ده حازم المدير... مراد بيه مبصش لفريدة أصلاً، وبإشارة من صباعه، اتنين من الحراس بتوعه الأقوياء هجموا على فريدة، واحد مسكها من دراعها وعصرها والتاني جاب كاس عصير ودلقه كله على راسها ومسح بوشها تراب الأرض وهي بتصرخ وتستغيث ومحدش من أهلها قادر ينطق بكلمة. مراد بيه وطى على الأرض، ركبه اللي مكنتش بتنحي لحد انحت قدام بنته. شال راس إيمي وحطها في حضنه، ودموعه اللي عمر حد ما شافها نزلت على وشها. ـ إيمي.. يا بنتي.. يا قلب أبوكي.. فتحي عينك. حازم وهو على الأرض، ماسك بقه والدم بينزل منه، برق عينيه بصدمة شلته تماماً.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.. "بنتي؟!". ـ بنتك؟! دي.. دي إيمي المنشاوي.. دي غلبانة وشغالة في.. مراد الشناوي وقف بطوله، وبص لحازم بنظرة موت.. نظرة خلت حازم يبول على نفسه من الرعب. ـ المنشاوي ده اسم أمها يا روح أمك.. دي إيمي مراد الشناوي.. بنت الراجل اللي يقدر يمحيك أنت وعيلتك واللي مشغلك من على وش الأرض في ثانية واحدة. حازم حس إن الأكسجين هرب من القاعة، الدنيا لفت بيه، وبص لفريدة اللي كانت مرمية في الأرض بتعيط ومتبهدلة، وبص لإيمي اللي بتموت بين إيدين أبوها. مراد زعق في الحراس بصوت زلزل جدران الفندق: ـ الإسعاف حالاً!! لو حفيدى جرى له حاجة، الكلاب دول مش هيدخلوا سجن.. دول هيدفنوا صاحيين! الحراس شالوا إيمي بسرعة والكل بيجري ويصرخ، ومراد بيه وهو خارج، التفت لحازم وقال له ببرود قاتل: ـ من اللحظة دي.. أنت ملكش مكان فوق الأرض يا حازم.. واليوم اللي هتشوفه من هنا ورايح، هتتمنى فيه الموت ومش هتناله. انتقاما من نار ابنه الحوت الجزء الاول حكايات شروق خالد مرت الساعات في المستشفى وكأنها سنين. مراد الشناوي كان واقف قدام غوايش العناية المركزة، عيونه ماليها الدموع والغضب، وحواليه أكبر دكاترة مصر اللي استدعاهم بكلمة واحدة منه. جوه الأوضة، كانت إيمي بين الحيا والموت، وفي ثانية، الباب فتح وخرج الطبيب الجراح وهو بيمسح عرق جبينه وبيموت في جلده من الخوف. ـ طمني يا دكتور! بنتي وحفيدي جرى لهم إيه؟ لو حصل حاجة رقبتك ورقبة الكل هنا التمن! الدكتور بلع ريقه بسرعة وقال ونفسه مقطوع: ـ الحمد لله يا مراد بيه.. معجزة! النزيف وقف وقدرنا ننقذ الجنين، البنت قوية ومستحملة عشان خاطر ابنها.. بس لسه تحت الملاحظة وممنوع عنها أي انفعال. مراد اتنفس الصعداء، والشر اللي في عيونه زاد أضعاف، التفت لرجالتُه اللي واقفين زي الحيطة ورا بعض: ـ حازم فين؟ كبير الحراس وطى راسه: ـ في المخزن يا باشا.. زي ما أمرت، متعلم عليه وصاحي ومستني إشارتك. في الوقت ده، حازم كان مربوط بسلاسل حديد في مخزن ضلمة على أطراف القاهرة، وشه مابقاش فيه ملامح من كتر الضرب، هدوم البدلة الغالية اللي كان بيتباهى بيها بقت حتت قماش دايبة وماليها الطين والدم. كان بيترعش ويبكي زي العيال الصغيرة، مش مصدق إن حلم النفوذ والفلوس اتقلب لكابوس هينهي حياته. الباب الحديدي للمخزن اتفتح بصوت مزعج، ودخل مراد الشناوي بهيبته اللي تخد الحيل. حازم أول ما شافه، زحف على ركبه وهو بيبوس الجزمة بتاعته: ـ سامحني يا مراد بيه! أرجوك.. أبوس رجلك ارحمني! أنا مكنتش أعرف.. والله العظيم افتكرتها واحدة غلبانة.. أنا بحبها.. أنا كنت مضغوط من الشغل! مراد داس برجلُه على إيد حازم بكل قوته لدرجة إن عضم صوابعه اتقرمش، حازم صرخ صرخة هزت المكان، بس مراد وطى عليه وقال له بصوت فحيح الأفاعي: ـ يعني لو كانت غلبانة وملهاش ضهر، كان عادي تدوس عليها برجلك وتضربها وهي حامل في ابنك يا زبالة؟.. أنا مش هقت..لك يا حازم.. الموت ده رحمة، وأنت متستاهلش الرحمة. مراد سحب كرسي وقعد ببرود، وشاور لواحد من رجالته: ـ الورق جاهز؟ المحامي طلع من وراه ومعاه شنطة دبلوماسية: ـ جاهز يا باشا.. كل شركات المقاولات اللي باسمه، والشقة، والعربية، وحساباته في البنوك، كله اتمضى عليه بالتنازل لـ إيمي هانم.. وكمان الشركة اللي كان شغال فيها طردته، وبقى مديون لـ "مجموعة الشناوي" بـ 50 مليون جنيه شرط جزائي بسبب تدمير سمعة الشغل في الحفلة. حازم بص للورق بذهول، حس إنه اتعرى من كل حاجة في ثانية.. مبقاش حيلته اللقمة اللي يأكلها، وفوق كل ده مديون برقم يدفنه في السجن طول عمره. مراد وقف وعدل قميصه وقال للحراس: ـ سلموه للشرطة.. قض..ية شروع في قت..ل زوجة حامل، مع النصب والديون.. عايز الواد ده يدخل السجن وميطلعش منه غير قتيل أو مجنون.. فاهمين؟ الحراس سحبوا حازم وهو بيصرخ ويدعي ويموت من الرعب، وفريدة هي كمان كان أهلها بيطردوها بره البيت وبيرموها في الشارع بعد ما مراد الشناوي هدد يقفل شركاتهم لو مخدوش حق بنته منها. بعد يومين.. فتحت إيمي عينيها في أوضة المستشفى، لقت الشمس منورة المكان، وجنبها أبوها الحاج مراد ماسك إيدها ودموعه في عينه. ـ حمد الله على سلامتك يا قلب أبوكي.. حقك رجع وزيادة، والكلاب بقوا تحت الجزمة. إيمي ابتسمت بتعب، وحطت إيدها على بطنها ولقت النبض لسه شغال، وبصت لأبوها وقالت بنبرة فيها قوة جديدة وعزيمة مكنتش عندها قبل كده: ـ شكراً يا بابا.. بس أنا من النهاردة مش إيمي الضعيفة اللي كانت بتستحمل الإهانة عشان تعيش.. أنا إيمي مراد الشناوي.. وابني ده هيكبر ويشيل اسم عيلتنا، والماضي ده أنا دفنته برجلية في قاعة الحفلة. مراد حضن بنته وهو فخور بيها، وعارف إن اللي اتولد النهاردة مش بس طفل جديد.. دي ست جديدة بقلب من حديد، والكل هيعمل لها ألف حساب. حكايات شروق خالد بعد مرور سبع سنين... المدير التنفيذي الجديد لـ "مجموعة الشناوي" كان واقف في قاعة الاجتماعات الكبيرة في الدور الأخير من برج الشركة في وسط البلد. على رأس الترابيزة، كانت قاعدة ست في أواخر العشرينات، لابسة بدلة فورمال سوداء شيك جداً، ملامحها هادية بس عينيها فيها نظرة حادة تخلي أكبر راجل أعمال في البلد يراجع نفسه قبل ما ينطق بكلمة. دي كانت إيمي مراد الشناوي. جنبها كان قاعد طفل عنده 7 سنين، لابس بدلة صغيرة شبه رجال الأعمال، ملامحه كلها ذكاء وكبرياء، وساند راسه على إيده وهو بيسمع مناقشات المشاريع بتركيز شديد... ده "مراد الصغير"، ابن إيمي. ـ إيمي هانم.. دي عقود الصفقة الجديدة لبناء أكبر مجمع سكني في العاصمة الإدارية، محتاجين توقيع سادتك عشان نبدأ التنفيذ فوراً. إيمي سحبت القلم الدهب وبصت لابنها وابتسمت: ـ إيه رأيك يا مراد؟ نوقع؟ الطفل ابتسم بثقة وقال بصوت ناضج: ـ وقعي يا مامي.. المشروع ده هيكبر اسم عيلتنا أكتر، وأنا لما أكبر هستلمه منك وهو في العالي. الكل في القاعة سقفوا بانبstate وإعجاب بالطفل اللي طالع لجده الشناوي في هيبته وذكائه. في نفس اللحظة، وعلى الرصيف المقابل لبرج الشناوي... كان فيه راجل عجوز في السن، شعره كله أبيض، هدومه مقطعة ومبهدلة، ورجليه متدمرة وبيعرج عليها وهو شايل مقشة وب يمسح زبالة الرصيف في عز الشمس. الراجل ده كان حازم... بعد ما قضى 7 سنين في السجن انضرب فيهم واتذل لحد ما جاله شلل جزئي في رجله بسبب الديون والقضايا اللي مراد الشناوي لبسهاله، خرج من السجن ملقاش حد يسأل فيه. فريدة عاصم اتجوزت راجل قد أبوها عشان الفلوس ورمته، وأهله تبرأوا منه بعد الفضيحة. مبقاش حيلته حتى تمن لقمة عيش، واضطر يشتغل عامل نظافة في الشارع بأجر يومي بسيط عشان ميموتش من الجوع. حازم رفع عينه بالصدفة وبص لمدخل البرج الفخم... شافت عينه عربية رولز رويس سوداء واقفه، والحراس واقفين طابور بيفتحوا الباب. نزلت إيمي بكامل أناقتها وهيبتها، وماسكة في إيدها ابنها مراد، والكل بيوطي راسه احتراماً ليها. حازم وقف مكانه، المقشة وقعت من إيده من الصدمة، الدموع نزلت على وشه المتبهدل بالتراب وهو بيبص لابنه اللي انحرم منه، وللست اللي في يوم من الأيام كانت بتبوس إيده عشان يرحمها، والنهاردة هي فوق في السحاب وهو تحت رجليها في التراب. حازم حاول يقرب وهو بيصرخ بصوت مبحوح: ـ إيمي! إيمي سامحيني.. أنا حازم! ده ابني.. أرجوكي بصي لي! الحراس قبل ما يوصل للرصيف بتاع البرج، مسكوه من قفاه ورجلوه لورا بقسوة وعنف ورموه في وسط الزبالة: ـ ابعد يا شحات من هنا! إنت اتجننت؟ عايز تقرب من إيمي هانم الشناوي؟ غور من هنا بدل ما نرجّعك السجن تاني! حازم قعد في الأرض يعيط ويصرخ بحسرة وندم بياكل في قلبه، وهو شايف عربية إيمي بتمشي وتختفي وسط زحمة القاهرة، من غير ما تلتفت وراها ولا حتى تبص عليه. إيمي كانت قاعدة في العربية، حطت إيدها في شعر ابنها وضمته لحضنها، وبصت من الشباك وهي حاسة براحة نفسية تامة... حازم ماماتش، بس عايش ميت، بيتعذب كل ثانية وهو شايف الضحية اللي داس عليها بقت هي اللي بتتحكم في مصيره. العدالة خدت مجراها، والست اللي اتهانت وهي حامل، بقت النهاردة هي أقوى ست في مصر، وابنها في حضنها، والماضي اتنسى وبقى مجرد درس علمها إن الكرامة فوق كل شيء. انتقام من نار: ابنة الحوت حكايات شروق خالد حكايات شروق خالد