عاش طفوله

قد يمر الإنسان بسنوات طويلة من الضياع، ويظن أن طريق العودة قد أُغلق إلى الأبد، لكن رحمة الله أوسع من كل الذنوب، والهداية قد تأتي في لحظة لا يتوقعها أحد.

يروي صاحب هذه القصة أنه عاش طفولة قاسية بعد انفصال والديه وهو في الرابعة من عمره. رحلت والدته إلى أهلها في مدينة بعيدة، وبقي هو يتنقل بين بيوت أعمامه، لا يشعر بالاستقرار، ولا يجد من يمنحه الحنان أو التوجيه الذي يحتاجه أي طفل. كبر وهو يحمل في داخله فراغًا كبيرًا، وتحول ذلك الفراغ مع مرور الوقت إلى غضب وسلوكيات خاطئة.

وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، كان قد ترك الدراسة تمامًا، وأصبح معروفًا في الحي بسوء السلوك وكثرة المشكلات، حتى أطلق عليه الناس لقب “داشر”. لم يكن يهتم بمستقبله، ولا يفكر فيما ينتظره، وكان يعتقد أن حياته انتهت قبل أن تبدأ.

وبعد فترة، التحق بدورة عسكرية، وتمكن من النجاح والتخرج برتبة جندي. ورغم أن هذا الأمر لم يغير حياته بالكامل، فإنه كان بداية مختلفة منحته بعض الانضباط والشعور بالمسؤولية.

ثم جاء القرار الذي لم يكن يتوقعه أبدًا، حين أخبره والده بأنه اختار له ابنة عمه زوجة. كانت فتاة معروفة بأخلاقها ودينها، وتعمل معلمة. وافق على الزواج دون اعتراض، لكنه يعترف بأنه لم يكن يفكر وقتها في بناء أسرة أو حياة مستقرة، بل كان ينظر إلى راتبها باعتباره مكسبًا ماديًا، ولم يدرك أن الله كان يخبئ له خيرًا عظيمًا.

في ليلة الزفاف، دخل على زوجته قبل أذان الفجر بساعتين تقريبًا، فاستقبلته بابتسامة هادئة، وسألته بكل اهتمام: “كيف حالك؟”. يقول إن هذا السؤال البسيط هز قلبه، لأنه شعر لأول مرة أن هناك من يهتم به بصدق، وينظر إليه كإنسان يستحق الاحترام.

طلبت منه أن يتوضأ، ثم اقترحت أن يصليا ركعتين لله. شعر بالحرج، فقد كان قد انقطع عن الصلاة منذ أشهر طويلة، لكنه استجاب لها، وأدى الصلاة معها. وبعد الانتهاء، قالت له: بقي وقت قبل الفجر، فما رأيك أن نصلي الفجر في المسجد الحرام؟

وافق دون تردد، وانطلقا إلى المسجد الحرام، وهناك بدأت اللحظة التي غيرت حياته كلها.

وقف يصلي، وبدأ الإمام يتلو قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *