قاضي

لازم تتكلمي.
قالت
عارفة.
الجلسة اتأجلت للتحقيق في الأدلة.
لكن قبل ما نخرج…
المستشارة نادتني.
قالت
أستاذ فؤاد، طلب الوصاية بالشكل اللي اتقدم بيه انتهى عمليًا، لكن لازم نكمل الإجراءات القانونية بشكل رسمي.
هزيت رأسي.
وبصيت لياسين.
لأول مرة من سنين…
ما حسيتش إني لوحدي.
بعد ثلاثة شهور، ظهرت نتيجة التحقيقات.
الأوراق اللي قدمها سامح عن حالتي العقلية كانت فيها مخالفات وتلاعب.
والتحويلات المالية أثبتت وجود شبكة من الحسابات استخدمت لإخفاء أموال وسداد مبالغ لأشخاص شاركوا في تزوير مستندات.
والأهم…
تم العثور على صندوق حديدي قديم كان رجب مخبيه في مخزن مستأجر باسم مختلف.
جواه كانت النسخة الأصلية من أوراق ياسين.
وصور له وهو طفل.
ورسائل من هالة.
آخر رسالة كانت موجهة لي.
فتحتها بعد ما رجعت البيت.
وكان مكتوب فيها
فؤاد، لو ابني رجع لك يومًا، ما تسألوش ليه اتأخر. اسأله بس إذا كان لسه محتاج أبوه.
ما قدرتش أكمل القراءة.
قفلت الرسالة.
وضميتها لصدري.
بعدها بأسبوعين…
ياسين نقل حاجته للبيت.
البيت اللي عشت فيه سنين وأنا فاكر إنه هيفضل فاضي.
وفي أول ليلة…
دخل عليّا الصالة.
قال
بابا؟
قلت
نعم؟
ابتسم.
تحب نتعشى سوا؟
ضحكت.
وقلت
من إمتى الابن هو اللي بيعزم أبوه على العشا؟
قال
من إمبارح.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
لكن الحكاية ما انتهتش عند رجوع ابني.
لأن ملك…
البنت الصغيرة اللي أنقذتني…
ما كانش عندها حد.
أبوها مات.
وأمها كانت متوفية من قبل.
سألت ياسين
ملك هتروح فين؟
قال
مش عارف.
بصيت للبنت.
كانت قاعدة في الركن، حاضنة شنطتها البنفسجية القديمة.
قلت لها
ملك.
رفعت عيني.
نعم؟
قلت
الشنطة دي خلاص أدت مهمتها.
سألتني
يعني أرميها؟
قلت
لأ.
ابتسمت.
نخليها.
ليه؟
بصيت لها وقلت
عشان كل ما نشوفها نفتكر إن أصغر شخص في القاعة هو اللي كان عنده أكبر شجاعة.
بعد فترة قصيرة، بدأت إجراءات كفالتها بشكل قانوني.
وأصبحت ملك جزءًا من بيتنا.
أما سامح…
فالقضية ضده استمرت أمام النيابة والمحكمة، وكل واحد شارك في التزوير أو إخفاء الأدلة واجه مسؤوليته وفق ما أثبته التحقيق.
ولم أرجع أطلب منه تفسيرًا.
ولا اعتذارًا.
لأن بعض الأفعال، لما تعرف حقيقتها…
ما بتحتاجش تفسير.
أما أنا؟
رجعت أرتب حياتي من جديد.
بعنا جزءًا من الاستثمارات القديمة، وأسس ياسين مؤسسة صغيرة لمساعدة الأطفال اللي فقدوا أسرهم.
وملك كانت أول طفلة تتلقى منها الدعم.
وفي يوم افتتاح المؤسسة…
وقفت قدام لوحة كبيرة مكتوب عليها
مؤسسة هالة وياسين لرعاية الأطفال.
وقفت قدام الاسم طويلًا.
وبعدين سمعت صوت ملك من ورايا
بابا فؤاد!
لفيت.
كانت بتجري ناحيتي.
وقالت
نسيت الشنطة!
بصيت في إيدها.
نفس الشنطة البنفسجية القديمة.
ضحكت وقلت
دي بقت أهم شنطة في حياتنا.
قالت
ليه؟
بصيت لياسين.
ثم بصيت لها.
وقلت
لأنها في يوم واحد… أنقذت أب، ورجّعت ابن لأبوه، وكشفت ناس كانوا فاكرين إن الفلوس تقدر تشتري الحقيقة.
ياسين ابتسم.
وملك ضمت الشنطة لصدرها.
أما أنا…
فرفعت عيني للسماء.
وقلت في سري
يا هالة… ابنك رجع.
وساعتها فقط…
حسيت إن تسعة عشر سنة من الانتظار انتهت.
مش لأن الماضي اتغير…
لكن لأن الحقيقة أخيرًا وصلت لصاحبها.
والأغرب في كل الحكاية؟
إن سامح كان فاكر إن الكرسي المتحرك هو اللي خلاني ضعيف…
لكن الحقيقة إن اليوم اللي فقدت فيه القدرة على المشي…
كان هو نفسه اليوم اللي بدأت فيه ألاحظ مين فعلًا واقف جنبي، ومين كان مستني أقع.
وأحيانًا…
الحقيقة ما بتحتاجش محامي قوي.
ولا رجل أعمال غني.
ولا حتى شاهد كبير.
أحيانًا…
الحقيقة تحتاج طفلة عندها سبع سنين، وشنطة بنفسجية قديمة، وشجاعة تقول في اللحظة المناسبة
يا سيادة المستشار… أنا معايا الدليل!

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *