ياابني

قالي: (لا يا أمي مش عايز أتعبك). أنتِ اللي ماليّة ودنه صح؟” وصوباعها نزل في صدر ندى. “أنتِ عايزاه يغرق في الديون عشان يفضل تحت طوعك؟”
ندى دمها بدأ يغلي. إمبارح فعلاً حسن اتكلم في موضوع العربية لأن “الشاهين” القديمة بتاعته بقت بتكح تراب، ومصاريف ميكروباصات وشغل محتاجين وسيلة تريحهم. بس إيه دخل أمه؟ هما اتفقوا وقرروا ياخدوا قرض بضمان مرتبه وهيسددوه.
“إحنا قررنا ده سوا يا طنط.. إحنا كبار وشايلين مسؤولية نفسنا.”
“كبار!” أمينة ضحكت بوقاحة. “كبار إيه يا روح أمك؟ ده أنتم عايشين في شقتي، وتحت سقفي، وجاية تقولي لي كبار؟”
الكلمة وجعت ندى لأنها حقيقة. الشقة ملك أمينة، شقة وصالة في بيت قديم. يوم الجواز حسن قال لها: “هنقعد مع أمي فترة نكون نفسنا ونعزل”. مرت خمس سنين، لا كونوا نفسهم ولا عزلوا. الجهاز والمصاريف وتوضيب الشقة دي نفسها أكلت الأخضر واليابس.
“أنا هروح لحسن الشغل أتكلم معاه”، ندى لمت الطماطم تاني في الشنطة.
“خدي هنا!” أمينة زعقت بجنان. “مش هتمشي من هنا، اطبخي الغدا بقولك!”
بس ندى كانت لبست عبايتها وطلعت على السلم. كانت لازم تمشي دلوقتي، وإلا كانت هتنفجر وتقول كلام ملوش راجعة متوفره على روايات واقتباسات
ندى وحسن قعدوا في كافيتريا هادية بعيد عن الدوشة. حسن كان باين عليه الهم والسواد تحت عينيه.
“يا ندى، أمي بتقول إنك زعقتي لها وطولتي لسانك.”
ردت ندى بحزم: “أنا مكلمتهاش أصلاً، أنا مشيت عشان مش قادرة أتنفس. أمك اتهمتني إني بقويك عليها بسبب قرض العربية اللي إحنا متفقين عليه سوا.”
بص في الأرض وقال: “يا ندى ما هي خايفة عليا، وشايفة إننا بنبعزق الفلوس…”
“فلوس إيه يا حسن؟ إحنا شقيانين وبنحط قرش على قرش عشان نعيش. هي ليه بتسميني نكرة؟ وليه بتقول إني سرقت عمرها؟”
أمسك إيدها وقال: “يا حبيبتي معلش، أمي كبرت وبقت وحيدة، والدنيا جاية عليها.”. بقلم منــال عـلـي
“وهي جاية عليا أنا يا حسن!” ندى قالتها بدموع. “أنا مش قادرة أكمل كده. لازم نعزل، نأجر أوضة وصالة في أي خرابة بس نبقى لوحدنا.”
سكت فترة طويلة وهز راسه: “مش وقته خالص، داخلين على قرض العربية ومفيش مليم زيادة. استحملي شوية كمان عشان خاطري.”
“استحمل شوية كمان”.. في اللحظة دي ندى عرفت إن حسن مش هيتغير، وأمه هتفضل هي اللي سايقة المركب.
ورث “خالة دولت”
بعد أسبوع، الدنيا اتقلبت. الصبح “عم جلال” (خال أمينة) كلمها، وندى سمعت المكالمة بالصدفة لأن أمينة كانت فاتحة “الاسبيكر” كالعادة.
“يا أمينة، خالة دولت اتوفت.. البقاء لله، دفناها يوم الخميس.”
أمينة ردت ببرود بس إيدها كانت بترعش: “وأنا مالي؟ ما أنت عارف إني مقاطعاها من سنين.”
“البقاء لله يا ستي، بس الست سابت ورث، شقة في الزمالك باسمي وباسمك. تعالي عند المحامي يوم الإثنين.”
أمينة فضلت طول اليوم تايهة، تروح وتيجي في الصالة. ولما حسن رجع، جرت عليه بلهفة:
“يا حسن يا ضنايا! تخيل خالة دولت ماتت وسابت لي شقة أنا وعمك جلال!”
حسن مرفعش عينه من الموبايل: “خالة دولت مين يا أمي؟”
“خالة دولت اللي ساكنة في الزمالك! العمارة اللي كنا بنعدي من قدامها ونقول يا بخت أصحابها! الشقة تساوي ملايين يا واد!”
ندى كانت واقفة في المطبخ بتقلب الرز وسامعة كل كلمة. شقة في قصر النيل؟ يعني الفرج جه.
“طيب يا أمي، ما عم جلال شريكك فيها.”
“أيوه.. بس بص بقى..” أمينة سكتت وبصت ناحية المطبخ لندى. “تعالى يا حسن عايزة أتكلم معاك في كلمتين سر.”
دخلوا الأوضة وقفلوا الباب. ندى فضلت باصة من شباك المطبخ على العيال اللي بتلعب في الشارع، ونفسها تبقى زيهم، بالها رايق.
الباب اتفتح، وحسن نادى عليها: “ندى، تعالي يا حبيبتي عايزك.”
دخلت، لقيت أمينة قاعدة على السرير ووشها منور بابتسامة صفراء، وحسن واقف جنب الشباك.
“بصي يا ندى”، حسن بدأ الكلام. “إحنا فكرنا، أمي هيجيلها ورث، بس عم جلال عايز حقه كاش عشان يبيع نصيبه. وإحنا طبعاً معندناش السيولة دي.. فأمي بتقول إننا ممكن ناخد قرض… باسمك أنتِ يا ندى!”
ندى حست إن جسمها تلج. “باسمي أنا؟ وليه باسمي؟”
ندى بصت لحسن بذهول، وبعدين بصت لأمينة اللي كانت قاعدة بتهز رجلها ووشها مفيهوش ذرة خجل.
“باسمي أنا يا حسن؟ والقرض ده إن شاء الله هسدده منين؟ وبعدين الشقة هتتكتب باسم مين في الآخر؟” ندى سألت والشرار بيطلع من عينيها.
أمينة ردت بسرعة وهي بتعدل طرحتها: “هتتكتب باسمي طبعاً يا حبيبتي! مش ده ورثي؟ وبعدين ما أنتِ بتشتغلي وحسن بيشتغل، والسيارة اللي حسن هيجيبها هتطلع قسط القرض وزيادة.. إحنا بس عايزين اسمك في البنك عشان حسن واخد قرض العربية ومينفعش يشيل قروض تانية باسمه.”
حسن قرب من ندى وطبطب على كتفها بمسكنة: “يا ندى، دي شقة في قصر النيل! أنتِ عارفة يعني إيه؟ يعني بكرة نبيعها ونبقى من أصحاب الملايين، وساعتها أجيب لك الشقة اللي بتحلمي بيها.. وافقي يا ندى، دي فرصة العمر.”
ندى شالت إيده من على كتفها بهدوء غريب: “يعني أنا أدبس نفسي في ديون للبنك لمدة سنين، عشان شقة تتكتب باسم طنط أمينة؟ ولو حصل أي حاجة بيني وبينك يا حسن، ألاقي نفسي في الشارع وعليا ديون والبنك بيحجز على مالي؟”
أمينة وشها اتغير وقلبت بوزها: “أهو بدأنا بقى في النغمة اللي تقطع الرزق! حصل إيه إيه يا اختي؟ هو إحنا هناكل حقك؟ ده إحنا بنعمل كدة عشان نأمن مستقبلكم!”
ندى بصت لحسن وقالت له كلمة واحدة: “أنت موافق على الكلام ده يا حسن؟ موافق تضحي بيا وبأماني عشان خاطر ورث مش بتاعنا أصلاً؟”
حسن اتوتر وبدأ يفرك في إيده: “يا ندى ما تبقيش صعبة.. أمي معاها حق، ده إجراء شكلي بس عشان نخلص من عم جلال ونتمكن من الشقة.”
اللحظة الحاسمة
ندى سكتت خالص، دخلت أوضتها ولمت شنطة هدومها وسط ذهول حسن وزعيق أمينة اللي بدأت تشتم وتدعي: “شايف يا حسن؟ البت اللي عاملة فيها غلبانة بتبان على حقيقتها أهي! أول ما شميت ريحة الفلوس خافت على نفسها!”
ندى طلعت من الأوضة، بصت لأمينة وقالت لها: “يا طنط، الشقة اللي في قصر النيل دي مبروك عليكي، بس القرض اللي باسمي ده هو اللي كان هيدفن حياتي بجد.. والحمد لله إني سمعت كلامك لحسن في الأول وعرفت نيتك إنك عايزة تلبسيني الديون وترميني.”
بصت لحسن بوجع: “أما أنت يا حسن، فـ (معلش) دي خليها تنفعك وأنت بتسدد قروض أمك لوحدك.. أنا لا عايزة عربية ولا عايزة شقة في قصر النيل، أنا عايزة كرامتي.”
ندى خرجت من البيت وقفلت الباب وراها، وفي ودنها صوت “أمينة” وهي بتزعق: “غوري في داهية! بكره حسن يتجوز ست ستك ويجيب اللي تخدمنا برمش عينيها!”
بعد أسبوعين، ندى كانت قاعدة في بيت أهلها بتبدأ إجراءات الانفصال، لما جالها تليفون من “عم جلال”.
“يا بنتي، أنا عرفت اللي حصل، وحبيت أقولك إنك عملتِ الصح.. شقة خالتك دولت مديونة لمصلحة الضرائب بمبالغ خيالية، والورثة لازم يدفعوا الديون دي الأول قبل ما يلمسوا حتة حديدة فيها.. أمينة كانت عايزة تلبسك (الديون العقارية) والضرائب باسم القرض اللي كانت ناويه تاخديه!” بقلم منــال عـلـي
ندى قفلت السكة وسجدت لربنا شكر.. في الوقت اللي كان فيه حسن وأمينة لسه بيحاولوا يلاقوا “نكرة” تانية تلبس الفخ، بس المرة دي الحارة كلها كانت عرفت الحكاية، ومحدش رضي يقرب من بيت “أمينة” ولا من ورث “خالة دولت” المسموم.
شارك

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *