ست كبيره
اتجوزت ست كبيرة ووحيدة علشان الفلوس وسقف أنام تحته… وبعد جنازتها، المحامي سلّمني صندوق وقال: “الحاجة نعمات قالت إن ده الشيء اللي إنت محتاجه فعلًا.”
لما اتجوزت نعمات الهانم، كان عندي خمسة وعشرين سنة… مفلس… غرقان ديون… وبنام في عربيتي النقل القديمة ورا سوبر ماركت في مدينة نصر.
هي كان عندها واحد وسبعين سنة.
أرملة.
هادية.
وعايشة لوحدها في فيلا قديمة راقية في مصر الجديدة.
ولأ… أنا ما اتجوزتهاش عن حب.
كنت بضحك على نفسي وأقول إنه مجرد “نجاة”. أستحمل كام سنة… أمثل دور الزوج المحترم… ولما تموت آخد البيت وأبدأ حياتي أخيرًا.
ماكنتش متخيل أبدًا إن نعمات كانت شايفاني على حقيقتي من أول يوم.
ورغم كده… عاملتني أحسن مما أستحق.
كانت تصحى بدري تعملي فطار قبل ما أنزل شغل. اشترتلي جزمة جديدة لما لاحظت إن جزمتـي القديمة مفتوحة من الجنب. وفي عز الشتا، لقيت بالطو جديد متعلّق جنب الباب.
قالت ببساطة: — البرد هيكسر عضمك بالجاكيت الخفيف ده.
لكن الحقيقة؟
أنا تقريبًا ماقدّرتش أي حاجة من دي.
عمري ما بصيت لنعمات كزوجة.
كنت ببصلها كعدّاد بينقص.
كل زيارة دكتور… كل علبة دوا فوق الترابيزة… كانت بالنسبالي تذكير إن كل حاجة هنا هتبقى بتاعتي قريب.
عارف قد إيه ده بشع دلوقتي.
بس وقتها؟ كنت مقتنع إني “واقعي”.
لحد صباح اليوم اللي وقعت فيه نعمات فجأة في المطبخ.
كنت بفتح التلاجة لما سمعت صوت جسمها وهو بيخبط في الأرض.
لما جريت عليها… كانت عينيها مفتوحة… لكن نفسها بيتسحب.
ماتت بعد تلات أيام.
في الجنازة، أهلها كانوا بيبصولي وكأني حشرة.
— نصّاب. — اتجوزها علشان الورث. — أخيرًا خد اللي عايزه.
والمضحك؟
إني كنت فاكر فعلًا إني كسبت.
لحد ما قعدت في مكتب المحامي.
ريحة الورق القديم والقهوة الباردة مالية المكان. والمحامي، راجل أصلع بنضارة رفيعة، فتح الوصية وبدأ يقرا.
الفيلا راحت لبنت أختها.
معظم الفلوس راحت لجمعيات خيرية ومستشفى سرطان أطفال.
وأنا؟
ماخدتش ولا جنيه.
حسّيت بطني بتقع.
— إيه؟ قلت الكلمة وأنا مش مستوعب.
لكن المحامي ما اتأثرش. بس مد إيده بهدوء تحت المكتب… وطلع صندوق جزم قديم.
وحطه قدامي.
كان اسمي مكتوب فوقه بخط نعمات المرتعش.
قطبت حاجبي. — ده إيه؟
بصلي المحامي بهدوء وقال: — الحاجة نعمات قالت: “ده الشيء اللي هو محتاجه فعلًا.”
إيدي بدأت ترتعش وأنا برفع الغطا.
وأول حاجة شوفتها جوا… خلّت الدم يتجمد في عروقي.
كانت صور.
صور ليا.
عشرات الصور.
أنا وأنا نايم في عربيتي زمان. أنا وأنا باكل من عربية فول في الشارع. أنا وأنا واقف قدام البنك يوم ما اتحجز على حسابي. أنا وأنا ببكي جوه العربية بعد ما شركة المقاولات طردتني.
كل لحظة كنت فاكر إن محدش شافني فيها…
كانت نعمات شايفاها.
تحت الصور كان في ظرف أبيض.
فتحته بإيد مرتجفة.
وكانت الرسالة بخطها:
“يا كريم…أنا …“يا كريم…