ست كبيره
كمّل الحلم بداله.
ولو قررت تبيع المكان وتاخد الفلوس؟
مش هلومك.
الدنيا كانت قاسية عليك بما فيه الكفاية.
بس يا كريم…
لأول مرة في حياتك…
حاول تبقى الشخص اللي كنت محتاجه وإنت صغير.”
ماحستش بنفسي غير وأنا ببكي.
مش البكا اللي بيتحكم فيه الواحد.
لا…
البكا اللي بيطلع من مكان مدفون جواك بقاله سنين.
المحامي كان ساكت.
اداني مفتاح تاني وقال بهدوء:
— الحاجة نعمات سابتلك كمان ده.
— إيه ده؟
— مفتاح الورشة.
خرجت من المكتب وأنا مش شايف قدامي.
القاهرة كانت زحمة كعادتها.
الكلاكسات…
ريحة العادم…
صوت البياعين…
كل حاجة زي ما هي.
بس أنا؟
أنا ماكنتش نفس الشخص.
وصلت العمارة وقت المغرب.
عمارة قديمة في مصر الجديدة.
دهانها باهت.
السلم رخامه متشقق.
بس واقفة بعناد وسط العمارات الحديثة كأنها بترفض تموت.
طلعت المفتاح وفتحت الورشة.
ريحة تراب وخشب قديم ضربت وشي.
المكان كان مليان كراتين وصور وأدوات نجارة صدية.
وفي الركن…
لقيت مكتب صغير فوقه كشكول أسود.
فتحته.
وكان خط شريف.
“مشروع بيت الأمان.”
قلبي دق بعنف.
الدفتر كان مليان خطط.
رسومات.
أفكار لمكان يستقبل الشباب المشردين ويوفرلهم شغل وسكن مؤقت.
وفي آخر صفحة…
جملة متسطرة بالقلم الأحمر:
“أي حد ممكن يبقى وحش… لو فضل جعان وخايف وقت كفاية.”
قفلت الدفتر ببطء.
الجملة خبطتني في قلبي مباشرة.
لأن دي كانت حكايتي أنا.
أنا ما اتولدتش نصاب.
الدنيا هي اللي سحلتني حتة حتة لحد ما بقيت مستعد أتجوز ست كبيرة مستني موتها.
وفجأة…
الحاجة نعمات كانت شايفة ده كله.
شايفة القرف اللي بقيت فيه…
وبرضه قررت تديني فرصة أخيرة.
في الليلة دي…
نمت لأول مرة من سنين من غير خوف.
مش في عربية.
ولا وأنا خايف من صاحب دين يخبط عليا.
ولا خايف من بكرة.
نمت فوق مكتب خشب قديم في ورشة ترابها مالي هدومي…
لكن لأول مرة حسيت إن عندي بيت فعلًا.
وفي نص الليل…
صحيت على صوت خبط خفيف على باب الورشة.
فتحت الباب لقيت ولد صغير…
يمكن عنده ١٤ سنة.
هدومه متبهدلة.
وشه مليان تراب.
وعينه فيها نفس الجوع اللي كان في عيني زمان.
قال بصوت مكسور:
— عمو… هو المكان ده لسه بيوزع أكل؟
فضلت باصصله ثواني طويلة.
وبعدين…
افتكرت نعمات.
افتكرت شريف.
وافتكرت نفسي.
فتحت الباب على آخره وقلت:
— ادخل يا ابني.
ويمكن…
دي كانت أول مرة في حياتي…
أعمل حاجة مش ..
يتبع