ساعدني

ساعدني رجل مشرد في تغيير إطار سيارتي على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي… لكن ما تركه على المقعد المجاور جعلني أسقط على ركبتي من الصدمة. كان عمري خمسين عامًا. ومنذ عشرين سنة كاملة، اختفى ابني “يوسف” على هذا الطريق نفسه كان عمره وقتها سبع سنوات فقط. كنا متوقفين في استراحة صغيرة بالقرب من وادي النطرون في صيف 2006. تركت يده لثوانٍ معدودة وأنا أشتري له زجاجة سبرايت من الكشك. التفتُّ إليه… فلم أجده. اختفى. كأنه تبخر في الهواء. بحثت الشرطة أيامًا وليالي. ثم أسابيع. ثم شهورًا. وبعدها تحولت القضية إلى ملف قديم فوق رف مليء بالغبار أما أنا… فلم أعد كما كنت أبدًا. توقفت عن المرور بهذا الطريق بعد أول ذكرى لاختفائه. كنت أشعر أن الهواء يختنق داخل صدري كلما اقتربت من المكان.
لكن يوم الثلاثاء الماضي…
أعاد تطبيق الخرائط توجيهي عبر الطريق نفسه بسبب ازدحام شديد داخل القاهرة.
كنت على بعد عشرات الكيلومترات فقط من مكان اختفاء يوسف عندما انفجر الإطار الخلفي لسيارتي فجأة.
توقفت على جانب الطريق.
وجلست أبكي.
ليس بسبب الإطار.
بل بسبب عشرين سنة من الوجع.
عشرين سنة من الأسئلة التي لم تجد إجابة.
وفجأة…
خرج رجل من بين أشجار الكافور القريبة.
كان يرتدي ملابس ممزقة وقديمة.
ولحيته طويلة.
ويداه خشنتان كأنهما مصنوعتان من الجلد.
لم يسأل الكثير.
اكتفى بهزة رأس قصيرة.
ثم بدأ يغير الإطار وكأنه فعل ذلك ألف مرة من قبل.
راقبته بصمت.
وبعد دقائق انتهى.
مسح يديه في بنطاله القديم.
ثم رفع رأسه ونظر إليّ.
وكانت في عينيه كمية حزن لم أرَ مثلها في حياتي.
ثم قال بهدوء:
“خلي بالك من نفسك يا أم يوسف.”
تجمد الدم في عروقي.
لم أخبره باسمي.
ولم أخبره أن لدي ابنًا اسمه يوسف.
بل لم أتحدث معه أصلًا إلا بكلمات معدودة.
قبل أن أستوعب ما قاله…
استدار ومشى عائدًا نحو الأشجار.
اختفى بين الظلال.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
ركبت سيارتي وأنا أرتجف.
وحين التفتُّ نحو المقعد المجاور…
شهقت.
كانت هناك صورة قديمة موضوعة فوق المقعد.
صورة بولارويد باهتة.
تاريخها: 2006.
طفل صغير يرتدي قميصًا أحمر.
ويبتسم للكاميرا.
يوسف.
ابني.
أنا متأكدة.
لكن الغريب…
أنني لم أرَ هذه الصورة طوال حياتي.
قلبت الصورة بيد مرتعشة.
فوجدت على الإطار الأبيض عنوانًا مكتوبًا بخط يد مهزوز.
عنوان منزل.
في قرية تبعد أقل من ستين كيلومترًا.
اتصلت فورًا بالفيديو باللواء “حسن الشناوي”.
الرجل نفسه الذي كان مسؤولًا عن قضية اختفاء يوسف قبل عشرين عامًا.
والذي أصبح الآن محافظ المحافظة.
أريته الصورة.
وفي اللحظة التي رآها…
اختفى اللون من وجهه.
ثم قال بصوت مرتجف:
“يا أم يوسف… اسمعيني كويس… أيًا كان اللي بتعمليه دلوقتي… ما تروحيش العنوان ده.”
شعرت بمعدتي تهبط.
وسألته:
“ليه؟”
لكنه لم يجب.
لأن الوقت كان قد فات بالفعل.
كنت قد وصلت أمام المنزل.
بيت قديم منعزل وسط الأراضي الزراعية.
نزلت من السيارة.
وتقدمت نحو الباب.
وقبل أن أطرق…
صدر صرير بطيء.
وانفتح الباب من الداخل وحده.
وفي اللحظة التي رأيت فيها ما خلفه…
سقطت على ركبتي من الصدمة… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل التالي
سقطت أم يوسف على ركبتيها وهي تحدق في ما وراء الباب.
لم يكن هناك شخص واحد.
كانت هناك غرفة كاملة مغطاة بالصور.
صور لطفل يكبر عامًا بعد عام.
في البداية ظنت أن قلبها يخدعها، لكن القميص الأحمر نفسه الذي اختفى به يوسف ظهر في أكثر من صورة، ثم ظهرت ملامحه تتغير تدريجيًا مع السنوات.
خطت خطوة إلى الداخل.
كان البيت صامتًا بشكل مرعب.
على طاولة خشبية قديمة وجدت دفترًا مهترئًا.
فتحت الصفحة الأولى.
“إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أنني لم أعد أستطيع الهرب.”
تجمدت أنفاسها.
كان الخط غريبًا، لكنه يحمل شيئًا مألوفًا.
قلبت الصفحات بسرعة.
كانت مذكرات شخص راقب يوسف لسنوات طويلة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.
صورة حديثة لرجل في أواخر العشرينات.
أسفلها جملة واحدة:
“يوسف حي.”
ارتجفت يداها حتى كادت تسقط الدفتر.
في تلك اللحظة دوى صوت سيارة خارج المنزل.
التفتت نحو النافذة.
سيارة سوداء توقفت أمام البوابة.
ونزل منها ثلاثة رجال.
كان أحدهم اللواء حسن الشناوي نفسه.
ركض نحو الباب وهو يصرخ:
“اخرجي فورًا!”
لكن الأوان كان قد فات.
لأن بابًا سريًا في آخر الغرفة انفتح ببطء.
وظهر منه الرجل المشرد الذي غيّر إطار سيارتها.
هذه المرة لم يكن يبدو كمتشرد.
وقف مستقيمًا ونظر إليها بعينين دامعتين.
ثم قال بصوت مبحوح:
“سامحيني… حاولت أحميه عشرين سنة.”
توقفت الدنيا حولها.
وشعرت أن قلبها سيتوقف.
لأن الرجل رفع يده المرتجفة نحو صدره.
وأخرج سلسلة فضية صغيرة.
السلسلة نفسها التي كانت قد علقتها حول عنق يوسف يوم اختفائه.
ثم همس:
“أنا أعرف مكان ابنك.”
يتبع
لم أمد يدي نحو السلسلة في البداية.
لم أستطع.
كانت تتدلى من بين أصابع الرجل كأنها قطعة من قلبي انتُزعت من صدري منذ عشرين سنة ثم عادت فجأة لتسألني: هل ما زلتِ أمًا؟ هل ما زلتِ تعرفين ابنك إن وقف أمامك؟ هل ما زلتِ تملكين القوة لتسمعي الحقيقة؟
كانت السلسلة فضية صغيرة، باهتة من الزمن، وفي طرفها قلب صغير محفور عليه حرفان.
ي. أ.
يوسف.
وأمينة.
اسمي.
كنت قد اشتريتها له قبل يومين فقط من اختفائه. كان يرفض خلعها حتى أثناء النوم، وكان يقول لي ببراءة: “علشان لو ضعت يا ماما، اللي يلاقيني يعرف إني بتاعك.”
يوم قالها ضحكت.
ضحكت كأي أم تظن أن العالم آمن طالما يد طفلها في يدها.
لم أكن أعرف أن الجملة نفسها ستتحول إلى لعنة تطاردني عشرين عامًا.
مددت يدي أخيرًا، لكن أصابعي توقفت في الهواء.
سألته بصوت لا يشبهني:
“السلسلة دي جات لك منين؟”
نظر الرجل إلى الأرض.
خلفي كان صوت اللواء حسن الشناوي يقترب من الباب، صوته عاليًا مرتبكًا، يأمر الرجال الذين معه بالبقاء خارجًا. كان واضحًا أنه لا يريد أحدًا أن يسمع ما سيقال داخل هذا البيت.
الرجل المشرد لم يجبني فورًا.
رفع عينيه إليّ.
وفي تلك اللحظة رأيت شيئًا غريبًا.
لم تكن عيناه غريبتين تمامًا.
كان فيهما نفس الوجع القديم الذي رأيته في عيني زوجي الراحل يوم دفنا آخر أمل في عودة يوسف. نفس الانكسار، نفس الندم، نفس التعب الذي لا تصنعه السنوات وحدها، بل تصنعه الأسرار.
قال أخيرًا:
“يوسف إداني السلسلة بإيده.”
شعرت أن الأرض تميل بي.
تقدمت نحوه خطوة وأنا أرت..جف.
“إمتى؟”
لم يجب.
صرخت:
“إمتى؟!”
دخل اللواء حسن الشناوي من الباب في تلك اللحظة، وجهه شاحبًا، قميصه مكوي لكنه مبتل بالعرق عند الياقة، عيناه تتنقلان بيني وبين الرجل وبين السلسلة.
قال بصوت حاول أن يجعله صارمًا:
“أمينة هانم، اطلعي بره البيت دلوقتي.”
ضحكت.
ضحكة قصيرة مجروحة.
“أطلع؟ بعد عشرين سنة؟ بعد ما ألاقي صور ابني وسلسلته وراجل بيقول لي إنه يعرف مكانه؟ أطلع؟”
اقترب مني ببطء، ومد يده كأنه يريد تهدئتي.
“الموضوع أكبر منك.”
رفعت السلسلة أمام وجهه.
“أكبر من أم فقدت ابنها؟ مفيش حاجة في الدنيا أكبر من كده.”
تجمد.
ولأول مرة منذ عرفته، لم يجد ردًا.
الرجل المشرد تحرك ناحية الباب السري الذي خرج منه قبل قليل.
قال وهو يلتفت نحوي:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي ورايا. بس اعرفي إن اللي هتشوفيه مش سهل.”
صرخ اللواء حسن:
“إبراهيم! كفاية!”
تجمدت.
إبراهيم.
إذًا له اسم.
الرجل المشرد ابتسم ابتسامة مكسورة.
“بعد عشرين سنة افتكرت اسمي يا باشا؟”
ساد صمت ثقيل.
نظرت إلى اللواء حسن.
“تعرفه؟”
لم يجب.
كان صمته اعترافًا.
كل شيء بدا وكأنه ينهار في داخلي دفعة واحدة.
قلت ببطء:
“أنت كنت عارف.”
هز رأسه بسرعة.
“لا، مش بالطريقة اللي إنتي فاهمة بيها.”
“كنت عارف إن ابني حي؟”
نظر بعيدًا.
وبهذا عرفت.
لم أحتج إلى إجابة.
ضربته على صدره بكل قوتي.
“كنت عارف؟!”
لم يتحرك.
ضربته مرة أخرى.
“كنت عارف وسيبتني أعيش ميتة عشرين سنة؟ سيبت أبوه يموت من القهر؟ سيبتني أروح كل سنة لقبر فاضي وأقرأ الفاتحة على ابن عايش؟”
قال بصوت متحشرج:
“كنت بحميه.”
“بتحميه مني؟!”
هنا تدخل إبراهيم.
“كان بيحمي نفسه.”
التفتّ إليه.
اللواء حسن صرخ:
“اسكت.”
لكن إبراهيم لم يسكت.
كان يبدو كمن وصل أخيرًا إلى لحظة انتظرها عمرًا كاملًا.
قال:
“يوسف ما اختفاش صدفة يا أم يوسف. يوسف اتاخد.”
أغمضت عيني لحظة.
كنت أعرف هذا في داخلي دائمًا.
كل الناس قالت لي ربما تاه، ربما أخذه أحد المسافرين، ربما سقط في مكان ما، ربما، ربما، ربما.
لكن قلب الأم لا يصدق “ربما”.
قلب الأم يعرف.
سألته وأنا أكاد لا أتنفس:
“مين أخده؟”
إبراهيم نظر إلى اللواء حسن.
واللواء حسن أنزل عينيه.
فهمت قبل أن ينطق.
قلت بصوت خافت:
“لا.”
إبراهيم قال:
“مش هو اللي خطفه بإيده. بس هو اللي دفن الحقيقة.”
انهارت ركبتي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أسقط. تماسكت على طرف الطاولة الخشبية، أظافري غرست في سطحها القديم.
“ليه؟”
اقترب إبراهيم مني خطوة.
“علشان اللي خطف يوسف كان له اسم كبير. أكبر من ضابط صغير وقتها. أكبر من استراحة. أكبر من محضر. أكبر من أم بتصرخ في قسم شرطة.”
قال اللواء حسن بصوت ميت:
“كانوا هيقتلوه.”
نظر إليه إبراهيم بمرارة.
“وإنت اخترت إنك تقتل أمه بالحياة.”
لم أعد أفهم.
كان كل شيء يدور حولي.
الصور على الجدران.
الدفتر.
السلسلة.
السيارة السوداء بالخارج.
البيت المنعزل.
اللواء الذي أصبح محافظًا.
والرجل الذي خرج من الأشجار كأنه شبح من الماضي.
أشار إبراهيم إلى الباب السري.
“تعالي.”
هذه المرة لم يمنعني اللواء حسن.
ربما عرف أن المنع انتهى.
وربما عرف أنني لو اضطررت لحرق البيت كله لأصل إلى الحقيقة، فسأفعل.
دخلت خلف إبراهيم إلى ممر ضيق تحت الأرض. كان الهواء باردًا ورطبًا، ورائحة التراب مختلطة برائحة عفن قديم. المصابيح الصغيرة على الجدار كانت تعمل بصعوبة، تومض مرة وتنطفئ مرة، كأن المكان نفسه يخاف من كشف ما يخفيه.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تعيدني عشرين سنة إلى الوراء.
صوت يوسف وهو يطلب سبرايت.
يده الصغيرة وهي تفلت من يدي.
صوتي وأنا أصرخ باسمه.
وجوه الناس حولي.
الشرطة.
زوجي وهو يركض كالمجنون بين السيارات.
وأنا أمسك القميص الأحمر الذي لم أجده قط، لأن يوسف اختفى به.
وصلنا إلى غرفة أسفل البيت.
كانت أوسع مما توقعت.
فيها سرير حديدي قديم، دولاب خشبي، مكتب عليه أوراق وصور، وجهاز تسجيل صغير.
على الجدار كانت هناك خريطة كبيرة لطريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، مثبت عليها دبابيس حمراء وصفراء.
اقتربت من المكتب.
وجدت ملفات كثيرة مكتوبًا عليها تواريخ.
ملف باسم يوسف.
مددت يدي إليه، لكن إبراهيم سبقني ووضع يده فوقه.
“قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي إن يوسف مش زي ما إنتي متخيلاه.”
تصلب جسدي.
“يعني إيه؟”
ابتلع ريقه.
“يوسف عاش. آه. بس مش حياة طفل طبيعي. اتنقل من مكان لمكان. اتربى باسم تاني. اتقال له إن أهله ماتوا. ولما بدأ يفتكر، حاول يهرب.”
شهقت.
“يفتكر؟”
فتح إبراهيم درج المكتب وأخرج علبة صغيرة. بداخلها أشياء متفرقة: سيارة لعبة مكسورة، ورقة مرسوم عليها بيت وشمس وامرأة تمسك يد طفل، قطعة قماش حمراء، وصورة صغيرة لي أنا وزوجي ويوسف يوم عيد ميلاده السادس.
أمسكت الصورة وكأنها نار.
“دي كانت في شنطته.”
قال إبراهيم:
“فضلت معاه سنين. كانوا بياخدوها منه ويرجع يسرقها. كان بيقول إن الست اللي في الصورة بتنده عليه في الحلم.”
وضعت يدي على فمي لأكتم صرخة.
ابني كان يتذكرني.
لم ينسني.
حتى لو سرقوا اسمه وبيته وأمه.
كان قلبي يناديه من بعيد.
سألت:
“هو فين؟”
إبراهيم لم يرد.
سمعت خلفنا خطوات اللواء حسن وهو ينزل السلم ببطء. كان وجهه قد تغير. لم يعد رجل السلطة الذي رأيته على الشاشات في المؤتمرات، بل أصبح رجلًا عجوزًا يحمل ذنبًا أثقل من عمره.
قال:
“يوسف في خطر.”
التفت إليه.
“من مين؟”
قال إبراهيم:
“من نفس الناس اللي أخدوه.”
هززت رأسي بعنف.
“بعد عشرين سنة؟ ليه؟”
فتح اللواء حسن الملف ووضع أمامي ورقة صفراء قديمة.
“لأن يوسف شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.”
نظرت إلى الورقة.
كانت صورة لمحضر قديم، غير المحضر الذي رأيته وقتها. محضر لم يخبرني أحد بوجوده.
فيه شهادة عامل من الاستراحة قال إنه رأى رجلًا يأخذ طفلًا بقميص أحمر نحو سيارة رمادية دون لوحات واضحة.
تحت الشهادة توقيع.
ثم ختم.
ثم كلمة كبيرة مكتوبة بالقلم الأحمر:
يحفظ.
رفعت عيني ببطء.
“ليه اتحفظ؟”
صمت اللواء حسن.
إبراهيم أجاب بدلًا منه:
“لأن السيارة كانت تابعة لرجل أعمال اسمه فؤاد السيوفي.”
الاسم لم يكن غريبًا.
تذكرته من نشرات الأخبار القديمة. رجل أعمال ضخم، صاحب مصانع وشركات، مات منذ سنوات، لكن عائلته ظلت نافذة وقوية.
قال اللواء حسن:
“فؤاد السيوفي كان عنده ابن مريض. محتاج زرع نخاع. كانوا بيدوروا على طفل مطابق في السر.”
لم أفهم في البداية.
ثم فهمت.
وشعرت أنني سأموت.
“يوسف؟”
أغمض اللواء عينيه.
“تحاليل قديمة اتعملت له في مستشفى خاص بعد حادث بسيط قبل اختفائه بسنة. البيانات اتسربت. لقوا إنه مطابق.”
وضعت يدي على بطني وكأنني تلقيت طعنة.
“أخدوا ابني كأنه قطعة غيار؟”
لم يرد أحد.
صرخت:
“ردوا عليا!”
قال إبراهيم بصوت مخنوق:
“آه.”
تراجعت خطوة.
العالم لم يعد عالمًا.
البشر لم يعودوا بشرًا.
كان يوسف طفلًا يحب السبرايت والسيارات الصغيرة ويخاف من صوت الرعد، وهم رأوه ملفًا طبيًا. رقمًا. تطابقًا. فرصة.
جلست على الكرسي الحديدي لأن قدمي لم تعد تحملاني.
سألت وأنا ألهث:
“عملوا فيه إيه؟”
قال إبراهيم:
“أخدوا منه اللي كانوا عايزينه. العملية نجحت للولد التاني. وبعدها كان المفروض يتخلصوا منه.”
وضعت يدي على أذني.
“لا.”
اقترب إبراهيم، عيناه امتلأتا بالدموع.
“أنا كنت واحد من الرجالة اللي اشتغلوا عندهم.”
نظرت إليه وكأنني أراه لأول مرة.
“إنت؟”
أومأ برأسه.
“كنت سواق. غبي. فقير. فاكر إن الشغل مع الكبار رزق. يومها كنت أنا اللي سايق العربية.”
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصفعه.
صفعة واحدة.
لكنها حملت عشرين سنة.
لم يدافع عن نفسه.
لم يرفع يده.
فقط بكى.
قال:
“استاهل. والله أستاهل أكتر. بس اسمعيني. أنا ماكنتش أعرف إنهم خاطفينه. قالوا لي ابن واحد من العيلة، تعبان، ولازم ننقله بسرعة. ولما سمعت صراخه في المخزن بعد يومين، عرفت. عرفت إن الطفل مش ابنهم. دخلت عليه لقيته مربوط وخايف وبيعيط وبيقول: عايز ماما أمينة.”
انهرت.
لم تعد الدموع تنزل فقط، بل كانت تخرج من روحي.
“ليه ما رجعتوش؟”
قال إبراهيم:
“حاولت. أقسم بالله حاولت. بس كانوا مراقبيني. ولما هربت بيه أول مرة قبضوا عليا وضربوني لحد ما كسروا ضلوعي. هددوني بمراتي وبنتي. وبعد العملية، عرفت إنهم هيقتلوه. فهربت بيه تاني.”
رفعت رأسي.
“إنت اللي أنقذته؟”
قال:
“أنقذته من الموت، بس ماقدرتش أرجعهلك.”
“ليه؟”
نظر إلى اللواء حسن.
“لأن لما رحت أسلم نفسي وأقول الحقيقة، قابلت الضابط حسن وقتها. قلت له كل حاجة. قلت له مكان الطفل. لكنه قال لي إن القضية أكبر، وإن لو ظهرت الحقيقة دلوقتي الطفل هيتقتل وأنا وعيلتي هنتقتل، وإنتي كمان ممكن تختفي.”
اللواء حسن قال بوجع:
“كنت ضابط صغير. الملف اتسحب من إيدي. اتبلغت رسميًا إن الطفل مات. ولما إبراهيم جالي، حاولت أفتح الموضوع. اتنقلت، اتهددت، واتقال لي إن أي حركة هتكون نهايتها جثة يوسف على باب بيت أمه.”
نظرت إليه باشمئزاز.
“فاخترت تسكت.”
“اخترت أراقب.”
ضحكت بسخرية دامعة.
“تراقب ابني يكبر بعيد عني؟”
قال:
“حطيت ناس حواليه. نقلناه لأماكن آمنة. إبراهيم عاش متشرد علشان يفضل قريب منه. كل مرة كانوا يقربوا منه، كنا نهربه.”
صوت إبراهيم خرج كالحشرجة:
“يوسف كبر وهو فاكر اسمه آدم. لكن ذاكرته فضلت ترجعه للطريق. للطريق ده. للاستراحة. ليكي.”
سألته:
“هو عرف الحقيقة؟”
أومأ ببطء.
“من خمس سنين.”
أغمضت عيني.
خمس سنين.
ابني عرف أن له أمًا تنتظره.
ولم يأتِ.
لماذا؟
كأن إبراهيم قرأ سؤالي.
قال:
“كان جاي. والله كان جاي. بس قبل ما يوصل، اتخطف تاني.”
تجمد الدم في عروقي.
“إيه؟”
أخرج من الملف صورة حديثة.
رجل شاب في أواخر العشرينات، وجهه نحيف، لحيته خفيفة، عيناه واسعتان.
لم يكن الطفل الذي فقدته.
لكنه كان يوسف.
رأيته.
رأيت زوجي في حاجبيه.
رأيت نفسي في عينيه.
رأيت ضحكته الصغيرة رغم الحزن الذي يغطي وجهه.
أمسكت الصورة وضممتها إلى صدري.
“ابني.”
لأول مرة منذ عشرين سنة لم أقلها كنداء في الفراغ.
قلتُها كحقيقة.
ابني.
حي.
مكان ما تحت السماء.
يتنفس.
ربما خائف.
ربما مجروح.
لكنه حي.
وقفت فجأة.
“فين هو؟”
قال اللواء حسن:
“آخر مكان وصلنا له مزرعة مهجورة على أطراف البحيرة. كانت تابعة لعائلة السيوفي زمان.”
قلت:
“نروح دلوقتي.”
هز رأسه.
“ماينفعش.”
اقتربت منه بعينين لم تعرفا الخوف.
“أنا ما سألتكش ينفع ولا ماينفعش.”
قال إبراهيم:
“المكان متراقب. وفيه ناس مسلحة. ولو دخلنا غلط، يوسف يموت.”
اسم يوسف مع كلمة يموت جعلني أسكت.
لم أكن خائفة على نفسي.
كنت مستعدة أن أمشي فوق النار.
لكنني لم أكن مستعدة أن أخسره مرة ثانية بسبب اندفاعي.
سألت:
“عايزين مني إيه؟”
تبادل الرجلان النظرات.
ثم قال اللواء حسن:
“يوسف ساب رسالة ليكي.”
أخرج جهاز التسجيل من على المكتب.
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت تشويش أولًا.
ثم صوت رجل شاب.
صوت مبحوح، متردد، لكنه اخترقني من أول حرف.
“ماما…”
توقفت الدنيا.
سقطت يدي على فمي.
الصوت أكمل:
“مش عارف إذا كنتي هتسمعي ده ولا لأ. ومش عارف إذا كنتي لسه فاكراني بنفس شكل الولد اللي ضاع منك. أنا مش فاكر كل حاجة، بس فاكر إيدك. فاكر ريحة هدومك. فاكر إنك كنتي بتقولي لي لما أخاف: عد لحد عشرة وهتلاقي الخوف صغر.”
كنت أبكي بلا صوت.
“أنا عديت كتير يا ماما. عديت سنين. بس الخوف ماصغرش. أنا آسف إني ما رجعتش بدري. آسف إني كبرت بعيد عنك. آسف إنك تعبتي بسببي. بس لو وصلتك الرسالة دي، اعرفي إني حاولت. وإني عمري ما نسيتك. وإني كل مرة كنت ببص فيها في المراية كنت بسأل نفسي: يا ترى ماما هتعرفني؟”
صرخت من قلبي:
“هعرفك يا حبيبي. هعرفك.”
الصوت أكمل:
“في ناس ماتت علشاني. وناس باعت ضميرها. وناس لسه عايزة تخلص من الحقيقة. بس أنا مش خايف أموت. أنا خايف أموت قبل ما أشوفك.”
توقف التسجيل لحظة.
ثم عاد صوته أهدأ:
“لو رجعتلك، ماتسيبينيش تاني. ولو ما رجعتش… سامحيني.”
انتهى التسجيل.
ولم ينتهِ شيء داخلي.
وقفت وأنا لا أرى أمامي من الدموع.
قلت:
“أنا رايحة له.”
قال اللواء حسن:
“هنروح. بس بخطة.”
في تلك اللحظة رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة فظهر عليه توتر لم يستطع إخفاءه.
رد.
لم يتكلم كثيرًا.
فقط استمع.
ثم تغير وجهه.
أغلق الهاتف ببطء.
سأله إبراهيم:
“إيه؟”
نظر إلينا.
“رجالة السيوفي عرفوا إن أمينة وصلت البيت.”
شعرت ببرودة في ظهري.
قال إبراهيم:
“إزاي؟”
لم يجب اللواء.
لكن الإجابة جاءت من الأعلى.
صوت كسر زجاج.
ثم صرخة أحد الرجال بالخارج.
ثم طلق ناري.
أمسك إبراهيم بذراعي وسحبني ناحية الجدار.
“انزلي!”
انخفضت قبل أن تخترق رصاصة باب الغرفة الخشبي.
صرخت.
اللواء حسن أخرج سلاحه لأول مرة.
إبراهيم دفعني نحو ممر آخر خلف الدولاب.
“امشي من هنا. الممر ده يطلع على أرض زراعية ورا البيت.”
رفضت.
“ويوسف؟”
قال بصوت حاد:
“لو موتي دلوقتي، يوسف هيموت وهو مستنيكي.”
كانت الجملة كافية لتجبر قدمي على الحركة.
دخلت الممر الضيق وأنا أسمع الطلقات خلفي.
إبراهيم كان أمامي، واللواء خلفنا يغطي الطريق.
لم أكن أصدق أن حياتي تحولت في ساعة واحدة من امرأة تبكي بجانب إطار سيارة إلى أم تهرب في ممر سري من رجال يريدون دفن سر ابنها إلى الأبد.
الممر كان طويلاً ومظلمًا.
كنت أتعثر في الحجارة، ويدي تقبض على السلسلة حتى جرحت راحتي.
كلما سمعت طلقة، تخيلت يوسف.
كلما سمعت صرخة، دعوت الله أن يبقيه حيًا حتى أصل.
خرجنا أخيرًا من فتحة صغيرة خلف مخزن قديم وسط الحقول.
الهواء الليلي كان باردًا.
وفي البعيد رأيت أضواء البيت القديم تشتعل، ورجالًا يتحركون كظلال سوداء.
إبراهيم قادني بين الزراعات بسرعة.
بعد دقائق وصلنا إلى سيارة قديمة مخبأة تحت غطاء من القماش.
فتح الباب الخلفي.
“اركبي.”
ركبت دون تفكير.
اللواء حسن وصل بعدنا بثوانٍ، كان ذراعه ينزف.
قلت:
“إنت اتصبت.”
قال وهو يضغط على الجرح:
“خدش.”
لكن الدم كان كثيرًا.
إبراهيم شغل السيارة، وانطلقنا وسط طريق ترابي ضيق.
لم يتحدث أحد لدقائق.
كنت أضم صورة يوسف والسلسلة إلى صدري.
ثم سألت بصوت منخفض:
“إنتوا كنتوا ساكتين كل السنين دي ليه؟ ليه النهارده؟”
إبراهيم نظر إليّ من المرآة.
“لأن يوسف هو اللي طلب.”
“طلب إيه؟”
“طلب إنك تعرفي. قال لي: لو حصل لي حاجة، وصل أمي للطريق.”
اللواء حسن أضاف:
“من أسبوع وصلتنا إشارة منه. كان هرب من المكان اللي محتجزينه فيه، لكنه اتصاب. قدر يوصل رسالة لإبراهيم. بعدها اختفى تاني.”
“يعني ممكن يكون…”
لم أستطع إكمالها.
قال إبراهيم بسرعة:
“حي. يوسف عنيد. عنده قلبك.”
نظرت من النافذة إلى الظلام.
كل الأمهات يقلن إنهن يعرفن أبناءهن.
لكنني كنت على وشك مقابلة رجل لا أعرف طعامه المفضل، ولا صوته حين يغضب، ولا شكل نومه، ولا الندوب التي تركتها الحياة على جسده.
كنت أعرف فقط الطفل الذي ترك يدي عند كشك صغير.
هل يكفي هذا لأكون أمه؟
ثم تذكرت صوته في التسجيل.
“ماما.”
نعم.
يكفي.
بعد ساعة تقريبًا، توقفنا قرب منزل صغير مهجور على حافة طريق جانبي.
قال اللواء حسن:
“هنقعد هنا لحد الفجر. بعدها نتحرك.”
رفضت فورًا.
“لا. دلوقتي.”
قال بحدة:
“أمينة، أي غلطة هتكلفنا يوسف.”
صمتُّ.
لأول مرة أقبل الانتظار.
ليس ضعفًا.
بل لأنني تعلمت تلك الليلة أن الأمومة ليست دائمًا صراخًا واندفاعًا. أحيانًا تكون أن تعضي على قلبك حتى لا تضيعي ابنك مرة أخرى.
دخلنا المنزل الصغير.
كان خاليًا إلا من مرتبة قديمة وكرسيين وزجاجات مياه.
جلس إبراهيم قرب الباب يراقب الطريق.
اللواء حسن جلس في زاوية يضمد جرحه بقطعة قماش.
أما أنا فجلست على الأرض.
فتحت كفي.
السلسلة تركت أثرًا أحمر في جلدي.
رفعتها إلى شفتي وقبلتها.
لأول مرة منذ عشرين عامًا، شعرت أن يوسف قريب.
قريب جدًا.
لكن الخوف كان أقرب.
بعد منتصف الليل بقليل، سمعت صوتًا خافتًا من هاتف إبراهيم.
رسالة.
قرأها.
ثم توقف وجهه.
قام ببطء.
اللواء حسن سأله:
“مين؟”
إبراهيم لم يجب.
اقتربت منه.
“في إيه؟”
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول.
بها صورة.
صورة يوسف.
كان جالسًا على كرسي، وجهه متعب، وجرح فوق حاجبه.
لكنه حي.
عيناه مفتوحتان.
وفي يده ورقة كتب عليها:
“لو عايزة تشوفي ابنك، تعالي لوحدك قبل الفجر.”
وتحتها موقع.
ثم رسالة أخرى وصلت بعدها مباشرة.
“لو حسن الشناوي أو إبراهيم قربوا، هتستلمي جثته.”
لم أصرخ.
لم أبكِ.
لم أتحرك.
فقط نظرت إلى صورة ابني.
ثم رفعت رأسي إلى الرجلين.
قال اللواء حسن فورًا:
“فخ.”
قال إبراهيم:
“أكيد فخ.”
أجبت بهدوء غريب:
“عارفة.”
قال اللواء:
“مش هتروحي.”
نظرت إليه.
“أنا أم يوسف.”
قال إبراهيم:
“ويوسف محتاجك عايشة.”
اقتربت منهما خطوة.
“يوسف محتاج يعرف إن أمه جت. حتى لو الدنيا كلها وقفت بينها وبينه.”
لم يقولا شيئًا.
في عينيهما رأيت الحقيقة.
كانا يعرفان أنني سأذهب.
كما يعرفان أن لا قوة في الأرض تستطيع منع أم رأت ابنها بعد عشرين سنة خلف شاشة هاتف من أن تركض إليه ولو كان الطريق مفروشًا بالموت.
الفجر كان يقترب.
والليلة التي بدأت بإطار مثقوب على الطريق الصحراوي…
كانت على وشك أن تفتح باب الجحيم.
يتبع
لم أنم تلك الليلة. لم أغمض عيني حتى للحظة واحدة. كنت جالسة على الأرض الباردة داخل البيت المهجور، والهاتف في يدي، وصورة يوسف أمامي تضيء وتنطفئ كلما لمست الشاشة بإصبعي المر..تجف. وجهه كان متعبًا. لكن عينيه… عينيه لم تكونا عيني رجل مهزوم. كان فيهما شيء أعرفه. شيء مني. عناد قديم. ذلك العناد نفسه الذي كان يجعله وهو طفل يرفض النوم قبل أن يسمع آخر الحكاية، ولو كان يغالب النعاس بعينين نصف مغلقتين. كنت أتأمل الجرح فوق حاجبه وأشعر كأن الجرح في وجهي أنا. كنت أريد أن أمد يدي داخل الصورة وأمسح الدم، وأقول له كما كنت أقول وهو صغير: “متخافش يا قلب أمك… أنا هنا.” لكنني لم أكن هناك. كنت بعيدة عنه مرة أخرى. وهذه المرة المسافة لم تكن عشرين سنة فقط. كانت رجالًا مسلحين. وخطيئة قديمة. وسرًا دفنته دولة كاملة تحت الغبار. اللواء حسن كان يجلس أمامي، يراقبني كأنه يخاف أن أتبخر من مكانى لو رمش. إبراهيم كان عند الباب، يرفع الغطاء القديم عن زجاج النافذة كل بضع دقائق، ينظر إلى الظلام، ثم يعود. كلاهما كان يعرف. وأنا كنت أعرف أنهما يعرفان. سأذهب. حتى لو ربطاني في كرسي. حتى لو أغلقا الباب. حتى لو توسلا. حين يكون ابنك حيًا في مكان ما ويناديك دون صوت، يصبح الخوف رفاهية لا تملكينها. قال اللواء حسن أخيرًا: “أمينة، لازم تسمعيني بعقلك مش بقلبك.” نظرت إليه. “قلبي هو الحاجة الوحيدة اللي ما كذبتش عليا عشرين سنة.” انحنى برأسه. كان الرد أقسى من أن يرد عليه. قال إبراهيم بصوت خافت: “الرسالة طالبة إنك تروحي لوحدك. ده معناه إنهم مستنيينك. مش مستنيين تفاوض. مستنيين يخلصوا من آخر شاهد ممكن يحرك القضية.” قلت: “يوسف شاهد.” قال: “يوسف في إيدهم.” “وعلشان كده هروح.” اقترب اللواء حسن، وكان الألم واضحًا في ذراعه المصاب. “لو رُحتي بالطريقة اللي هما عايزينها، مش هتنقذيه. هتديلهم الحاجة الوحيدة اللي ناقصاهم.” “إيه هي؟” نظر إلى إبراهيم. ثم قال: “توقيعك.” لم أفهم. “توقيعي؟” أخرج من حقيبته الجلدية الصغيرة ملفًا رفيعًا، بدا كأنه حمله معه منذ البداية ولم يشأ إخراجه إلا مضطرًا. فتح الملف ووضع أمامي عدة أوراق مصورة. كانت أول ورقة تحمل اسمي. أمينة عبد الغفار. وتحتها صيغة قانونية طويلة، عيناي لم تستوعباها من شدة الإرهاق، لكن بعض الكلمات قفزت إلى وجهي كصفعات. إقرار. تنازل. عدم وجود شبهة جنائية. تصالح نهائي. إغلاق ملف. رفعت عيني إليه. “إيه ده؟” قال اللواء حسن: “دي ورقة مزورة حاولوا يطلعوها كذا مرة، بس ماقدروش يستخدموها لأن توقيعك القديم في محاضر 2006 مختلف. كانوا محتاجين توقيع حديث أو تسجيل موافقة منك.” ضحكت بذهول. “بعد عشرين سنة ولسه خايفين من أم؟” قال إبراهيم: “مش منك بس. من يوسف. من التسجيلات. من الملفات. من كل الناس اللي ماتت وهي بتحاول تخبي السر. القضية لو اتفتحت صح، هتسحب أسماء كبيرة لسه عايشة.” هنا فهمت. لم يكونوا يريدون فقط قتلي. كانوا يريدون قتلي قانونيًا أولًا. يريدون أن أبدو كأم قبلت الرواية القديمة. أم أغلقت الباب بيدها. أم باعت ابنها مرة ثانية. ضممت الصورة إلى صدري. “مستحيل.” قال اللواء حسن: “علشان كده لازم نفكر.” نظرت إليه بقسوة. “إنت فكرت عشرين سنة، والنتيجة إن ابني مربوط على كرسي.” سكت. لم يكن لدي عدل في كلامي، لكنني لم أكن أبحث عن العدل في تلك اللحظة. كنت أبحث عن ابني. اقترب إبراهيم وجلس أمامي على الأرض. لأول مرة بدا أقل شبهًا بالشبح وأكثر شبهًا برجل استهلكه الندم حتى تركه عظامًا تمشي. قال: “أم يوسف… أنا عارف إنك مش قادرة تثقي فينا. ويمكن ماعندكيش سبب واحد يخليكي تثقي فيا بالذات. أنا كنت السواق اللي أخده من الطريق. حتى لو ماكنتش أعرف، إيدي كانت في المصيبة. بس صدقيني في دي… لو رُحتي لوحدك، مش هتشوفيه. هيخلوكي تسمعي صوته من بعيد، يخلّوكي توقعي، وبعدها…” لم يكمل. لم يكن يحتاج. قلت: “يبقى نعمل إيه؟” تبادل الرجلان النظرات. كان السؤال الذي انتظراه. قال اللواء حسن: “نخليهم يصدقوا إنك جاية لوحدك.” مع اقتراب الفجر، بدأنا نتحرك. لم تكن خطة كاملة. كانت أشبه بخيط رفيع فوق هاوية. لكن الخيط كان أفضل من الجلوس وانتظار صورة جديدة ليوسف وهو ميت. الموقع الذي أرسلوه كان مخزنًا قديمًا على أطراف أرض زراعية واسعة، قريبًا من مزرعة مهجورة كانت تابعة لعائلة السيوفي. الطريق إليه يمر عبر مدقات ترابية ضيقة، ولا توجد حوله بيوت قريبة. قال إبراهيم إن المكان له مخارج كثيرة، وإنهم اختاروه لأنه مكشوف من كل الجهات. أي سيارة تقترب ستُرى من بعيد. أي حركة غريبة ستجعلهم يضغطون الزناد. كانت خطتهم أن أذهب بسيارة وحدي حتى نقطة معينة، بينما يسلك إبراهيم واللواء حسن طريقًا خلفيًا يعرفه إبراهيم منذ سنوات، طريقًا وسط الترع والحشائش الطويلة يصل إلى جانب المخزن من الخلف. أما أنا… فكان علي أن أمثل دور الأم المكسورة. لم يكن دورًا صعبًا. كنت مكسورة فعلًا. لكنني لم أكن ضعيفة. وهذا الفرق لم يكن عليهم أن يعرفوه. قبل أن نغادر، أعطاني اللواء حسن جهازًا صغيرًا بحجم زر القميص. قال: “ده هينقل الصوت. مش مضمون بسبب التشويش في المنطقة، بس هنحاول.” أخذته دون كلام. ثم أخرج سلاحًا صغيرًا. مده نحوي. تراجعت فورًا. “لا.” قال: “احتياط.” نظرت إلى السلاح كأنه شيء نجس. “أنا رايحة لابني. مش رايحة أقتل حد.” قال إبراهيم بصوت حزين: “هما مش هيفرق معاهم.” لم آخذ السلاح. لم أستطع. ربما كنت ساذجة. ربما كنت خائفة من أن أحمل شيئًا يذكرني أنني ذاهبة إلى مكان قد لا أعود منه. لكنني أخذت السلسلة. وضعتها حول رقبتي. القلب الفضي الصغير استقر فوق صدري تمامًا. كأن يوسف عاد طفلًا يضع رأسه عليّ. ركبت السيارة وحدي. كانت السماء لا تزال داكنة، لكن خطًا رماديًا بدأ يظهر عند الأفق. الفجر. قديماً كنت أحب الفجر. كان يوسف يستيقظ مبكرًا جدًا، يدخل غرفتي حافي القدمين، يصعد على السرير، يهمس: “الشمس هتطلع يا ماما.” كنت أفتح عيني بصعوبة وأقول: “خليها تطلع براحتها.” فيرد بجدية شديدة: “لازم نشوفها.” الآن كنت ذاهبة لرؤية شمس أخرى. شمس قد تحرقني. انطلقت بالسيارة على الطريق الترابي. كل متر كان يقربني منه. كل متر كان يسرق من عمري عامًا. الهاتف كان بجانبي. صورة يوسف لا تزال مفتوحة. كنت أتحدث إليه بصوت منخفض كأنه يسمعني. “أنا جاية يا يوسف. ماتخافش. أنا جاية.” بعد عشر دقائق، وصلت أول رسالة. “كملي لقدام. ماتوقفيش.” نظرت حولي. لم أرَ أحدًا. لكنهم كانوا يرونني. أكملت. رسالة ثانية: “ارمي الموبايل من الشباك.” توقفت أنفاسي. كنت أتوقع ذلك. كان اللواء حسن قد أعطاني هاتفًا آخر مخفيًا في بطانة حقيبتي، لكن الهاتف الذي في يدي كان يحمل صورة يوسف. للحظة لم أرد تركه، كأن الصورة نفسها ضمان أنه موجود. لكنني فتحت الزجاج ورميته. سقط وسط التراب. شعرت كأنني رميت جزءًا مني. ثم جاءت رسالة على الهاتف المخفي، من رقم اللواء حسن. “كملي. إحنا قريبين.” لم أرد. واصلت. بعد دقائق ظهر المخزن. بناء واسع منخفض، جدرانه رمادية متشققة، وسقفه من الصاج القديم. حوله أشجار قليلة، وبقايا سور مهدوم، وسيارتان سوداوين تقفان على الجانب. أوقفت السيارة حيث طلبوا. فتحت الباب ونزلت. كان الهواء ساكنًا. ساكنًا أكثر مما ينبغي. رفعت يدي في الهواء كما طلبت الرسالة الأخيرة. خرج رجل من ظل المخزن. طويل، يرتدي بدلة داكنة لا تناسب الطين حوله. خلفه رجلان يحملان أسلحة. قال ببرود: “أمينة عبد الغفار؟” قلت: “فين ابني؟” ابتسم. “لسه نفس السؤال من 2006.” لم أتحرك. “فين يوسف؟” اقترب خطوة. “يوسف بقى راجل. مش محتاجك.” قلت: “خليه يقول لي ده بنفسه.” ضحك. “الأمهات دايمًا فاكرين إن الدم بينادي. الحقيقة إن الدم بيتعود على الغياب.” نظرت إليه جيدًا. كان في الأربعينيات تقريبًا، ملامحه أنيقة لكنها قاسية. لم أره من قبل، لكن عينيه حملتا غرور العائلات التي تظن أن الأرض ملكها. قلت: “إنت من السيوفي؟” ابتسامته اتسعت. “نادر السيوفي.” الاسم وقع في الهواء ببرودة. ابن الرجل الذي سرق يوسف. أو قريبه. أو امتداد للوحش نفسه. قال: “والدي كان بيقول إن المشكلة مش في الخطيئة. المشكلة في اللي بيفضل فاكرها.” أجبته: “الخطيئة اللي بتخطف طفل من أمه مش بتتنسي.” اقترب أكثر حتى صار بيننا خطوات قليلة. “علشان كده هنساعدك تنسي.” أشار لأحد رجاله. فتح باب المخزن. ومن الداخل خرج صوت. صوت مقيد. صوت مخنوق. لكنني عرفته قبل أن يقول شيئًا. “ماما؟” صرخت من أعماقي: “يوسف!” اندفعت نحو الباب، لكن رجلًا أمسك ذراعي بعنف. قاومته بكل قوتي. “سيبني! سيبني أشوفه!” ظهر يوسف عند مدخل المخزن. كان رجلًا طويلًا نحيفًا، يرتدي قميصًا رماديًا ممزقًا عند الكتف، يداه مقيدتان أمامه، ووجهه شاحب من التعب. لكن حين التقت أعيننا، لم يعد عمره سبعة وعشرين عامًا. عاد طفلًا بقميص أحمر أمام كشك صغير. عاد ابني. سقط كل شيء من حولي. الرجال. السلاح. الخطر. السنوات. لم يبقَ إلا عيناه. قال بصوت مكسور: “إنتِ حقيقية؟” لم أستطع الوقوف. ركبتاي خانتاني. لكنني لم أسقط. قلت وأنا أبكي: “أنا هنا يا حبيبي. أنا هنا.” حاول أن يخطو نحوي، فضربه أحد الرجال في ظهره بمؤخرة السلاح. صرخت كالمجنونة. “إوعى تلمسه!” نادر السيوفي أشار للرجل أن يتوقف. ثم قال: “مشهد مؤثر. فعلًا. كنت أتمنى أسيبكم تحضنوا بعض، بس الوقت ضيق.” أخرج أوراقًا من حقيبة جلدية. “هتمضي هنا. وهتقولي في فيديو قصير إنك اكتشفتي إن اختفاء ابنك كان هروبًا عائليًا بسبب خلافات، وإنك بتعتذري عن أي اتهامات قديمة، وإنك بتطلبي إغلاق أي كلام في الموضوع.” نظرت إليه مذهولة. “إنت مجنون.” قال بهدوء: “لا. عملي.” يوسف صرخ: “ماتمضيش! اقتلوني بس ماتمضيش!” ضربه الرجل مرة أخرى. هذه المرة سقط على ركبتيه. كنت سأمزق العالم. نادر اقترب مني وهمس: “اختاري. توقيعك مقابل عشر دقايق معاه. ترفضي، يموت قدامك. وبعدها نمضي بإيدك غصب عنك وإنتي مش في وعيك.” نظرت إلى يوسف. كان يهز رأسه بعنف. عيناه تقولان لا. لكن الأم داخلي كانت تصرخ نعم. ماذا تساوي الحقيقة أمام حياته؟ ماذا تساوي العدالة أمام نفس واحد يدخل صدره؟ لو طلبوا عمري لأعطيته. لو طلبوا اسمي لأعطيته. لو طلبوا أن أقول إنني لم أنجبه، ربما قلت فقط ليعيش. لكنني تذكرت صوته في التسجيل. “ناس ماتت علشاني.” لو وقعت، لن أنقذه. سأدفنه حيًا. أخذت القلم من يد نادر. رأيت ابتسامة انتصار على وجهه. رفعت الورقة. قرأت السطر الأول ببطء. ثم رفعت عيني إلى يوسف. قلت بهدوء: “فاكر لما كنت صغير وكنت بخاف عليك من الطريق؟” تغير وجهه. لم يفهم نادر. لكن يوسف فهم أنني أتحدث إليه لا إليهم. أكملت: “كنت دايمًا أقولك لما تخاف… عد لحد عشرة.” امتلأت عينا يوسف بالدموع. قلت: “ابدأ عد يا يوسف.” في اللحظة نفسها، ألقيت القلم في وجه نادر بكل قوتي. لم تكن ضربة قاتلة، لكنها أربكته ثانية واحدة. ثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية. انفجر زجاج النافذة الجانبية للمخزن من طلقة جاءت من الخارج، فسقط أحد الرجال. صرخ الآخرون. اندفع يوسف بجسده نحو الرجل الذي يمسكه، واصطدم به رغم قيوده. سقطت على الأرض، وغطيت رأسي. الأصوات اختلطت. طلقات. صراخ. زجاج. خطوات. ثم رأيت إبراهيم يظهر من خلف شاحنة قديمة، يحمل عصا حديدية، يضرب رجلًا يحاول التصويب على يوسف. اللواء حسن ظهر من الجهة الأخرى ومعه رجلان بملابس مدنية. لم أعرف من أين أتوا. ربما ضباط لا يزالون يثقون به. ربما رجال جمعهم في اللحظة الأخيرة. لم أهتم. كل ما رأيته كان يوسف. كان يحاول النهوض ويداه مقيدتان. زحفت نحوه. رصاصة مرت فوق رأسي وارتطمت بالجدار. لم أتوقف. صرخت: “يوسف!” نظر إليّ. وكانت تلك النظرة وحدها كافية لتعيد لي عشرين سنة من العمر. وصلت إليه. لم أستطع فك القيود. كنت أرتجف بشدة. قال وهو يلهث: “ماما… وطي.” سحبني بجسده رغم أنه مقيد، وغطاني عندما سقطت قطعة من الصاج من السقف. كان هو المصاب. هو المخطوف. هو الذي عاش عمرًا في الخوف. ومع ذلك، في أول لحظة بيننا، حاول حمايتي. بكيت وأنا ألمس وجهه. “كبرت يا يوسف.” ابتسم وسط الد..م والتعب. “وإنتي لسه زي ما في الصورة.” ضحكت وبك,,يت في اللحظة نفسها.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *