مرات ابني
وفجأة سأل:
— لو أنا كبرت، هتفضلي معايا؟
سؤاله وجع قلبي.
— طبعًا يا حبيبي.
— حتى لو كل الناس مشيت؟
مسكت وشه الصغير بين إيديا.
— حتى لو الدنيا كلها مشيت.
نام عمر في حضني الليلة دي.
وأنا فضلت أبصله.
وأفكر.
يمكن علشان خاطره لازم أعمل اللي ناوية عليه.
تاني يوم الصبح، نزلت المطبخ بدري.
لقيت نجلاء قاعدة لوحدها.
أول ما شافتني اتوترت.
واضح إنها مش مرتاحة بعد موضوع المستثمر.
لكنها حاولت تتظاهر بالعادي.
— صباح الخير.
— صباح النور.
سكتنا شوية.
وبعدين قالت:
— إنتِ كنتِ فين امبارح؟
بصيتلها.
— مشوار.
— مشوار إيه؟
— يخصني.
أول مرة أرد بالشكل ده.
وأول مرة تحس إنها مش متحكمة في الحوار.
وشها اتغير.
لكنها سكتت.
بعدها بكام ساعة، أحمد رجع بدري من الشغل.
وكان شكله متوتر جدًا.
دخل عليا الأوضة.
وقف شوية.
وبعدين قال:
— ينفع أتكلم معاكي؟
أشرتله يقعد.
قعد قدامي.
وفضل ساكت.
دقيقة.
اتنين.
تلاتة.
لحد ما قال:
— إنتِ زعلانة مني؟
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع.
— دلوقتي بس سألت؟
نزل عينيه في الأرض.
— عارف إني قصرت.
— قصرت؟
رفع راسه.
فكملت:
— لما مراتك كانت تهيني كنت ساكت.
لما كانت تمنع حفيدك عني كنت ساكت.
لما كانت تحبس الولد كان ساكت.
لما كانت تقول إني حمل عليكم كنت ساكت.
إيه اللي فاضل عشان تسميه تقصير؟
ملامحه اتكسرت.
وأول مرة أشوفه بالشكل ده.
قال بصوت واطي:
— أنا كنت بحاول أحافظ على البيت.
ضحكت بمرارة.
— والبيت اتحافظ عليه؟
ما ردش.
عشان هو نفسه عارف الإجابة.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— عندي مشاكل كبيرة يا أمي.
عرفت إنه بيتكلم عن الديون.
لكن ما بينتش إني عارفة.
قلت:
— زي إيه؟
مسح وشه بإيده.
— فلوس.
— قد إيه؟
سكت.
وبعدين قال رقم خلاني أتجمد.
رقم أكبر حتى من اللي شفته في الأوراق.
واضح إن فيه حاجات تانية مستخبية.
قلت بهدوء:
— وكل ده حصل إزاي؟
بص بعيد.
— مصاريف.
أقساط.
قروض.
شغل خسر.
والحياة بقت أصعب.
سألته:
— ونجلاء تعرف؟
ضحك ضحكة مكسورة.
— هي السبب في نصهم.
الصمت نزل بينا.
وأول مرة أحس إن أحمد نفسه بدأ يفوق.
لكن بعد فوات الأوان.
قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال:
— مهما حصل… إنتِ أمي.
الكلمة جات متأخرة جدًا.
لدرجة إنها ما وجعتنيش.
خرج وسابني أفكر.
وفي نفس اليوم حصلت حاجة غريبة.
كنت قاعدة في الجنينة وقت العصر.
ولقيت عربية نقل صغيرة وقفت قدام البيت.
نزل منها اتنين عمال.