تلات سنين

وقبل أن أتمكن من الرد أو الدفاع عن نفسي، عاد أبي إلى الصالة وهو يحمل الأوراق. في ثانية واحدة، تبدلت ملامح عمار وعاد إلى قناعه الهادئ والرزين، واعتذر من أبي بداعي أن لديه عملاً طارئاً في الموقع في ساعة مبكرة من الصباح، واستأذن وخرج.

### ليلة الشكوك والرسالة المجهولة

انصرف عمار وتركني في دوامة أشد عنفاً من الأولى. طريقته في الرد، وبروده المفاجئ، وتحوله من الحبيب الحاني إلى الرجل الصارم، أثارا في نفسي ألف سؤال. هل كان غضبه لأنه كُشف؟ أم لأنه شعر بالإهانة لأنني صدقت مصطفى؟

دخلت غرفتي وأغلقت الباب. أمسكت بهاتفي، وكنت على وشك كتابة رسالة اعتذار لعمار، لكن رنين الهاتف قاطعني. كانت رسالة من رقم غير مسجل، وبمجرد أن فتحتها، سقط الهاتف من يدي على السرير.

كانت الرسالة تحتوي على صورة لعقد بيع قديم لأرض في بلدنا بالصعيد، ومكتوب تحتها بخط اليد:

> “عمار مكنش مستني مصطفى يسيبك عشان بيحبك.. عمار كان شاري الأرض دي من ورا أبوكي، والشرط الجزائي في العقد كان بيوجب على عيلتنا تتنازل عن نصيبها لو حصلت مصاهرة بين بيت الزناتي وأي حد برة العيلة قبل السنة دي ما تخلص. مصطفى غبي وميعرفش، بس عمار لبّسكم العمة كلكم عشان الأرض ترجعله ببلاش!”

>

### تداعي الحصون

لم أعد أرى أمامي. انقبض قلبي لدرجة شعرت معها بالاختناق. هل يعقل أن يكون أبي “الحاج زناتي” برجل جلبابه وهيبته، وأخي أحمد بذكائه، قد وقعا ضحية للعبة قذرة من ابن عمي المهندس؟ هل كرامتي وشرفي والشهادة الطبية التي دُبحت عليها كانت مجرد ورقة رابحة في صفقة أراضي؟

لم أنتظر الصباح. خرجت إلى الصالة ودموعي تنهمر بغزارة، ووجدت أبي يصلي ركعتي قيام الليل. انتظرت حتى سلم، ووقفت أمامه وجسدي كله ينتفض.

* **ندى (بصراخ مكتوم):** “يا بابا.. إحنا اتلعب بينا.. عمار ضحك علينا كلنا! شوف الورقة دي وشوف عمار رجع العيلة ليه وبيدافع عني قدام الناس ليه!”

أخذ أبي الهاتف بيده المرتعشة، ونظر إلى صورة العقد. تفحصها طويلاً، ثم أغلقت عيناه بأسى شديد، ولم يبدُ عليه الذهول كما توقعت! نظر إليّ وقال بصوت مكسور:

* **الحاج زناتي:** “أنا عارف الموضوع ده يا بنتي.. وعارف العقد ده كويس.”

سقطت على ركبتي من الصدمة. أبي يعلم؟

* **الحاج زناتي:** “عمار جالي قبل ما ينزل الشارع ويمسح بمصطفى الأرض، وقطع أصل العقد ده قدام عيني، وقال لي: ‘أرض الدنيا كلها متساويش ضفر ندى، وأنا هجيب حقها عشان هي بنت عمي وعرضي، مش عشان ورق.’ عمار اشترى كرامتنا يا ندى.. ومصطفى هو اللي بايع العقد ده لعمار من شهر عشان يجهز شقته معاكي!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *