19سنه

كان عندي ١٩ سنة لما خلفت بناتي التوأم.. ممعيش مليم، هلكانة من التعب.. ومع ذلك كنت لسة متمسكة بدراستي وبطلع من الأوائل، لإن كان عندي أمل إن لو عافرت وتعبت، الدنيا في الآخر هتديني فرصة.

بس أهلي مكنش عندهم الأمل ده.

قالوا لي إني دمرت حياتي ووشهم، وقاطعوني تماماً.. لا مساعدة، ولا حتى رضو يدخلوني البيت.

بسبب اني اتجوزت من غير رضاههم وجوزي مات في حادث

على شهر نوفمبر سنة 1998، كنت طالبة في الجامعة، وأم لبنوتين لسة لحم حمرا بشيلهم في لفة قماش على صدري، عايشة على العيش الحاف والوجبات الجاهزة الرخيصة، وبشتغل وردية ليل في مكتبة الكلية عشان ألاقي لقمة.

الليلة دي كانت الدنيا بتمطر بغزارة في شوارع وسط البلد بالقاهرة.

ومكنش حيلي في الدنيا كلها غير 10 جنيه بس.

تمن ميكروباص يرجعني، ورغيفين عيش.. تمن نجاة لمدة تلات أيام قدام.

وفجأة شوفت الراجل ده.

راجل مسن، قاعد تحت تندة دكان قديمة ومصديّة، غرقان من المطر لآخره، وجسمه بيتنفض من الساقعة نفضة توجع القلب. لا معاه لافتة يطلب بيها مساعدة، ولا قادر ينطق.. كان حرفياً “شفاف” مفيش حد شايفه.

أنا كنت عارفة الإحساس ده كويس.. إحساس إنك مش مرئي.

من غير ما أفكر، طلعت الـ 10 جنيه الأخيرة، وحطيتها في إيده وضغطت عليها.

همست له وأنا سناني بتخبط: “أرجوك.. هات لنفسك أي حاجة سخنة تدفيك.”

بص في عيني.. بصة حقيقية فيها روح.

ولسبب مش فاهماه، سألته: “هو حضرتك اسمك إيه؟”

سكت لحظة.. وبصوت واطي ودافي قال: “عم إبراهيم.”

هزيت راسي، وكأن معرفة اسمه دي غيرت حاجة في الكون.

مشيت 5 كيلومتر على رجلي في عز المطر والبرد لحد الإيجار الجديد اللي قاعدة فيه، وأنا حاضنة بناتي وبداريهم بجلابيتي عشان المطر ميتعبهمش.

فاكرة كويس إني كنت بنب نفسي وبقول إني غبية.. وإن اللي في حالتي ده مملكش رفاهية الجدعنة والخير.

بعد 27 سنة..

فات سبعة وعشرين سنة.

أنا دلوقتي عندي 44 سنة.

بناتي كبروا وبقوا زي الورد.. بس الدنيا مكنتش حنينة علينا برضه. واحدة منهم تعبت تعب شديد من سنتين.. عمليات، وجلسات علاج، ومصاريف وديون عمالة تزيد وتتكوم فوق دماغي مهما طفحت الدم في الشغل.

كنت بغرق تاني.. وبموت بالبطيء.

النهاردة الصبح، كنت قاعدة على مكتبي في الشركة، وبص عيني على إنذار أخير بالدفع ومطالبة قضائية، لما دخل عليا مكتب راجل لابس بدلة شيك جداً ووقار السنين باين عليه.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *