جوزي
في اللحظة دي، أبويا قام وقف ببطء، وبهدوء تقيل يوزن بلد كاملة. أبويا مش من النوع اللي بيتكلم كتير أو بيحب الزعيق، بس لما بنطق.. الكل لازم يحط جزمة في بقه ويسمع باحترام. بص لكريم بنظرة كلها احتقار وقرف، ونطق بكلمات حاسمة زي السيف: — “قدامك دقيقتين بالظبط تخرج من البيت ده ومن الجنينة دي، قبل ما أطلعك بإيدي مرمي برا على الرصيف.”
كريم اتكلم بلهجة مهزوزة ومستعطفة: — “يا فندم اسمعني بس.. الموضوع فيه سوء تفاهم…”
ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام
— “ما تنادينيش كدة واخرس خالص!” أبويا قطع كلامه بحدة وصوت جهوري وهو بيشاور بصوابعه على الباب الخارجي: “إدّيناك لقمة، وعيلة، وثقة، واعتبرناك واحد مننا وصونّاك، وإنت فاكر إنك بكل بجاحة تيجي ترمي قذارتك دي في وشنا وتمشي عادي؟! اطلع بره!”
أم كريم انهارت تماماً وبقت تشهق من العياط والكسرة، ولفت عليا وهي بتترجاني: — “سامحينا يا إيمان يا بنتي.. والله العظيم ما كنا نعرف حاجة عن عمايله السودا دي ولا عن جوازه!”
بصيت لها ولأول مرة من سنين، مكنتش شايفاها شريكة في اللي عمله أو قاصدة تؤذيني، كنت شايفاها مجرد ست ضعيفة متعودة تغمض عينيها وتسيب غيرها يسوق حياتها ويوديها في داهية وهي راضية. قلت لها بأسى ونبرة صافية: — “أنا عارفة إنكم مكنتوش تعرفوا.. ودي في حد ذاتها أكبر مشكلة.”
كريم هنا فقد أعصابه تماماً بعد ما لقى كل الأبواب اتقفلت في وشه، وخبط بإيده بكل غل وعصبية على الترابيزة لدرجة إن الأطباق اتهزت: — “الموضوع مش هيخلص بالبساطة دي يا إيمان! مش هسيبك تخربيني!”
بصيت له في عينه مباشرة، ومكنتش حاسة بأي ذرة مشاعر ناحيته في اللحظة دي؛ لا حب، لا كره، لا غضب، ولا حتى حنين لأيامنا القديمة سوا. هدوء غريب ونظيف سكن جوايا، زي الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة مرعبة دمرت كل حاجة قديمة ومغشوشة، وبقت الأرض مستوية وفاضية تماماً.. الهدوء اللي بتفهم فيه وبتتأكد إنك مبقتش الشخص الضعيف اللي دخل العاصفة دي من أساسه.
— “لأ يا كريم.. الموضوع خلص فعلاً، وبالشكل ده بالظبط.” وقفت بثبات وكملت: — “لا بيت، ولا شركة، ولا مليم واحد من فلوس الشغل هتقدر تلمسه، وفوق كل ده بلاغ في النيابة مفتوح ومستنيك على الباب بره.. وأنا، هقعد أكمل أكلي عادي جداً مع عيلتي.”