جوزي

الكلام خرج مني ببرود وتلقائية أنا نفسي استغربتها، مكنتش رغبة مريضة في الانتقام، كانت مجرد حقيقة واقعة وعدالة بتتنفذ. أمي طلعت نفس خفيف، حاجة كدة ميكس بين التنهيدة والضحكة المتوترة من الصدمة، كأنها مش مستوعبة إزاي الدنيا اتقلبت في ثانية واحدة من انكسار لانتصار ساحق ليا.

أبويا قرب خطوة واحدة تقيلة ومخيفة من كريم.. والخطوة دي كانت كفيلة تنهي الحوار والنقاش كله. كريم رجع لورا بخوف وخطوات مرتعشة. ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت في عينه حاجة غريبة وجديدة عليه؛ مش غرور، ولا عصبية، ولا تبجح.. شفت رعب حقيقي. رعب الراجل اللي فهم متأخر أوي إنه مخسرش مجرد ست طيبة كانت بتحبه وبتستحمله، ده خسر السند والغطا وكل حاجة كانت سانداه وموقفاه على رجليه في الدنيا.

دينا قلعت الخاتم بعنف من صباعها، ورمته على الترابيزة بصوت معدني رن في المكان كله، الخاتم وقع واتدحرج لحد ما وقف جنب الورد الأبيض اللي أنا كنت مختاراه الصبح بكل حب، ومكنتش أعرف وقتها إنه هيشهد على ليلة سقوطهم. بصت له بزعيق وقالت: — “أنا مش جاية معاك في حتة! مش هضيع نفسي عشان واحد حرامي!”

كريم لف لها بذهول وعصبية وهو مش مصدق إنها بتتخلى عنه في أول محطة: — “بعد كل اللي عملته عشانك؟! بتبيعيني؟!”

ضحكت دينا ضحكة مكسورة، مليانة سخرية ومنطقية قاسية وقالت وهي بتبعد عنه: — “عشاني؟! ده حتى الفلوس اللي كنت بتصرف منها عليا وتعمل بيها بطل طلعت مش فلوسك ومسرقة! أنا مش هربط اسمي واسم ابني بواحد رايح السجن!”

الجملة دي بالذات كانت رصاصة الرحمة اللي نهت كل حاجة.. مش بس عشان جرحت رجولته وكبريائه في مقت..ل لأ، عشان كشفت كدبه وضلاله عاريين قدام الكل. كل التمثيل، والمنظرة، والصورة المنفوخة الكدابة اللي كان راسمها لنفسه طول السنين اللي فاتت وقعت واتفصصت في ثانية واحدة قدام عينه. الحقيقة المرة والصادمة مخرجتش مني أنا المرة دي عشان يقول غيرة ستات، دي خرجت من بق أقرب حد ليه، من الست اللي جابها بنفسه عشان يكسرني بيها.

أبويا مضايرش وقت، ونادى بصوت جهوري على رجال الأمن بتوع الفيلا. دخلوا اتنين في ثواني معدودة، وقفوا على الباب بجسامة ومن غير ولا كلمة، كأنهم كانوا حاسين من الأول إن الليلة دي مش عادية ومليانة قلق. كريم بص علينا واحد واحد، عينه كانت بتلف في الصالة بقلة حيلة، كان بيدور في عينينا على أي نظرة عطف، على أي حد يقف جنبه أو يدافع عنه، أي ثغرة صغبرة ينقذ بيها نفسه من الضياع المحتوم.. ملقاش. حتى الصمت اللي كان هادي في الصالة كان ضده وبيحاصره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *