جوزي متغرب
سكتت لحظة، ونزلت الملف من إيدي. قلت بصوت هادي خلى الكل يسكت:
“أنا مش هطرد حد، ومش هكون ظالمة زيك يا راضي.”
الكل اتفاجئ، وراضي بصلي ببارقة أمل.
كملت: “المشروع والبيت ده باسمي قانوناً، وده حقي اللي تعبت فيه ومحدش يقدر ينازعني فيه. بس عشان أنا ست أصل، وعشان ولادي ما يشوفوش أبوهم متشرد في الشارع، أنا هصفي كل الحسابات.”
بصيت لراضي: “أنا هحسب كل جنيه دخل من الغربة، وهحسب قصاده كل جنيه أنا تعبت فيه وخلصته في الإجراءات والمصالح.. وهديك جزء من الفلوس اللي كانت حصيلة غربتك، مبلغ يفتحلك مشروع صغير تبدأ بيه حياتك من جديد مع “سارة” اللي اخترتها.”
سارة بصتلي بذهول، وراضي عيونه لمعت بدموع الندم -أو يمكن الانكسار-.
“بس بشرط..” كملت بصرامة: “ورقة الطلاق تتنفذ فوراً، وتخرجوا من البيت ده، وتنهي أي علاقة بالمشروع ده. المبلغ ده هيكون آخر عهدي بيك، ولا ليكم عندي ولا ليكم عندي أي مطالبة تانية.”
خالة راضي حاولت تتكلم، بس راضي سبقها وبصلي بإنكسار وقال: “أنا موافق يا أماني.. أنا اللي ضيعت كل حاجة.”
في اليوم التاني، المحامي خلص الإجراءات. كان يوم غريب، يوم هدوء بعد عاصفة. شفت راضي وهو بياخد الشنط بتاعته ويخرج من الباب اللي أنا فرشته قطعة قطعة. سارة خرجت وراه وهي ساكتة، ما بقاش فيه دلع ولا تمختر.
وقفت في نص الصالة بعد ما مشيوا، والبيت كان فاضي وهادي. بصيت للحيطان، وللستائر، وللبيت اللي كنت فاكرة إنه هيكون “جنتي”، لقيتني لأول مرة بحس إني حرة فعلاً.
مرت سنتين، وكأن الزمن كان بيكتب “العدل” بإيد القدر.
في مكتبي الجديد، اللي اتفرش بذوقي الخاص وبمجهودي اللي اتضاعف، كنت واقفة بتابع التقارير. المشروع اللي بدأته من العدم، وبنيته على أنقاض خيانة راضي، بقى اسم كبير في السوق. مش بس نجحت، ده أنا بقيت “اسم” بيحترموه في المجلات اللي كنت بحلم أكتب فيها، زي “سيدتي” و”زهرة الخليج”. ولادي بقوا في أحسن مدارس، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح للغدر، بقى حصن للأمان والهدوء.
أما راضي.. فدائرة الأيام دارت عليه.
وصلتني أخبارهم عن طريق “الصدفة” اللي بتجمع الناس في بلد صغيرة زي مصر. راضي، بالرغم من المبلغ الكبير اللي أديتهوله عشان يبدأ حياته، ماعرفش يدير نعمة “البداية الجديدة”. اتجوز سارة رسمي، لكن الغريب إن “الاستغلال” اللي كان رابطهم ببعض، هو نفسه اللي دمره. سارة، اللي كانت بتشجعه على الغدر بيا، لقت إن راضي ماعدش عنده “المكتب” ولا “الورق” ولا “الإجراءات” اللي كانت بتسهل له أموره، فبدأت تضغط عليه بمطالبها اللي مابتخلصش.