حفيدتي
وقال بصوت مرتجف:
“مريم اختفت.”
توقفت أنفاسي.
أما ريم فبدت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ثم أكمل أحمد:
“خرجت من الفصل وقت الفسحة.”
“ومن ساعتها محدش شافها.”
وفي اللحظة نفسها…
تذكرت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
في أحد التسجيلات القديمة.
كانت مريم قد همست جملة قصيرة جدًا.
جملة لم ننتبه لها وقتها.
قالت:
“لو زعلت قوي… هروح للمكان اللي كانت ماما بتحب توديني ليه.”
وكان هناك مكان واحد فقط…
مكان كانت سلمى تأخذها إليه كل أسبوع.
مكان بعيد عن المدينة.
ولا يعرفه تقريبًا إلا أفراد العائلة.
عندها نظرت إلى أحمد.
وهمست:
“أعتقد إني عرفت هي راحت فين.”
الفصل الرابع: المكان السري
“فين؟!”
سأل أحمد وهو يكاد يصرخ.
أخذت نفسًا عميقًا.
وقلت:
“الحديقة القديمة عند البحيرة.”
تجمد للحظة.
ثم اتسعت عيناه.
طبعًا.
كيف لم يتذكر؟
كانت سلمى تأخذ مريم هناك كل يوم جمعة تقريبًا.
حديقة صغيرة قديمة على أطراف المدينة.
فيها بحيرة صناعية وعدد قليل من المقاعد الخشبية.
مكان هادئ بعيد عن الزحام.
وكانت سلمى تسميه دائمًا:
“مكاننا السري.”
من شدة حب مريم للمكان، كانت ترسمه باستمرار.
حتى بعد وفاة أمها.
قفز أحمد نحو الباب.
“يلا.”
بعد أقل من عشر دقائق كنا داخل السيارة.
أما ريم فخرجت خلفنا.
وقالت بلهفة:
“أنا جاية معاكم.”
لكن أحمد نظر إليها نظرة باردة لم أرها من قبل.
وقال:
“لأ.”
تجمدت مكانها.
ثم أغلق الباب وانطلقت السيارة.
طوال الطريق لم ينطق أحد.
كان القلق يلتهمنا.
كل دقيقة تمر كانت تبدو ساعة كاملة.
بدأت الشمس تميل نحو الغروب.
والهواء صار أبرد.
وفي رأسي كانت تدور مئات الاحتمالات.
مريم طفلة صغيرة.
خائفة.
وحزينة.
ومكسورة القلب.
وعندما يصل الأطفال إلى هذه المرحلة يفعلون أشياء لا يتوقعها أحد.
وصلنا أخيرًا.
قفز أحمد من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا.
وأخذ يجري بين الأشجار.
وهو ينادي:
“مريم!”
“مريم!”
لكن لم يرد أحد.
بدأ الخوف الحقيقي يظهر على وجهه.
بحثنا عند البحيرة.
وخلف الأشجار.
وعند الألعاب القديمة.
ولا أثر لها.
ثم فجأة…
سمعت شيئًا.
صوتًا خافتًا جدًا.
كأنه بكاء.
رفعت يدي.
“اسكت.”
توقف أحمد.
أنصتنا.
وجاء الصوت مرة أخرى.
ركضنا ناحية مصدره.
خلف صف من الأشجار الكثيفة.
وهناك…
وجدناها.
كانت جالسة على الأرض.
تضم الدبدوب إلى صدرها.
ورأسها مدفون بين ركبتيها.
تبكي بصمت.