حفيدتي

شهق أحمد.

وركض نحوها.

“مريم!”

رفعت رأسها.

وبمجرد أن رأته…

انفجرت في البكاء.

ذلك البكاء الذي كانت تحبسه شهورًا كاملة.

ارتمت بين ذراعيه.

وظلت تبكي دون توقف.

أما أحمد فكان يبكي هو الآخر.

ويقبل رأسها ويديها.

ويكرر:

“سامحيني.”

“سامحيني يا بنتي.”

“أنا آسف.”

كانت تلك أول مرة أراه منهارًا بهذا الشكل منذ وفاة سلمى.

لكن المفاجأة جاءت بعد دقائق.

عندما هدأت مريم قليلًا.

ونظرت إلى والدها.

وقالت أول جملة كاملة منذ شهور:

“بابا… أنا كنت فاكرة إنك مش هتصدقني.”

توقف الزمن للحظة.

حتى أنا شعرت بالدموع تملأ عيني.

أحمد احتضنها بقوة أكبر.

وقال:

“أصدقك.”

“أقسم بالله أصدقك.”

ثم أضاف بصوت مكسور:

“قوليلي كل حاجة.”

نظرت مريم إلى الأرض.

ثم بدأت تحكي.

ببطء.

وتقطع.

لكن كل كلمة كانت كالسهم.

حكت كيف كانت ريم تخفي صور سلمى.

وكيف كانت تمنعها من الحديث عنها.

وكيف كانت تغضب كلما نادت أمها باسمها.

وكيف كانت تخبرها باستمرار أن عليها أن تنسى الماضي.

لكن أكثر شيء هزنا…

كان ما قالته بعد ذلك.

قالت:

“هي كانت تدخل أوضة ماما بالليل.”

نظرنا لبعضنا بدهشة.

سأل أحمد:

“أوضة ماما؟”

هزت رأسها.

“الأوضة اللي فيها حاجات ماما.”

غرفة سلمى القديمة.

التي أبقاها أحمد مغلقة تقريبًا منذ وفاتها.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

سألتها:

“بتعمل إيه هناك؟”

هنا ازدادت حيرتنا.

لأن مريم قالت:

“كانت تدور على حاجة.”

“كل ليلة.”

“وتقول إنها لازم تلاقيها.”

سأل أحمد:

“حاجة إيه؟”

لكن مريم هزت رأسها.

“معرفش.”

ساد الصمت.

وفجأة تذكرت شيئًا.

قبل أشهر قليلة من وفاة سلمى.

كانت قد أخبرتني عن صندوق صغير.

صندوق خشبي كانت تحتفظ فيه بأوراق مهمة جدًا.

وقالت لي يومها:

“لو حصل لي حاجة يومًا ما… الصندوق ده هيكشف حاجات كتير.”

لكنها لم تخبرني أين أخفته.

وبعد وفاتها لم نجده أبدًا.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

هل يمكن أن تكون ريم تبحث عن الصندوق نفسه؟

وهل كانت تعرف بوجوده أصلًا؟

نظرت إلى أحمد.

ومن الواضح أنه تذكر نفس الحديث.

لأن وجهه شحب فجأة.

ثم قال:

“لازم نرجع البيت حالًا.”

سألته:

“ليه؟”

نظر إليّ مباشرة.

وقال:

“لأن لو ريم بتدور على الصندوق…”

ثم ابتلع ريقه بصعوبة.

“…يبقى فيه سر كانت سلمى مخبياه عن الكل.”

وفي اللحظة نفسها…

رن هاتف أحمد.

كان اتصالًا من أحد الجيران.

رد بسرعة.

ثم اتسعت عيناه من الرعب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *