طردني
واحدة من الممرضات دموعها نزلت بدون ما تحس.
نجوى ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة: — لكنه مات بين إيديا.
القسم كله اتجمد.
حتى أدهم حس قلبه انقبض.
يوسف قال بصوت ضعيف: — وبعدها رفضت تسيب المصابين…
نجوى هزت راسها: — كان لسه فيه ناس عايشة.
أدهم حس إنه عاجز عن الكلام.
الست اللي كان شايفها “كركوبة”… دفنت ابنها في الحرب وكملت تنقذ باقي الجنود بنفس الليلة.
سارة سألت بهمس: — طب ليه سيبتي الجيش؟
نجوى بصتلها للحظة. وقالت: — لأن بعد ما رجعت… بقيت بشوف وش ابني في كل سرير طوارئ.
الصمت كان موجع.
يوسف حاول يرفع إيده تاني بتحية. لكن الألم منعه.
نجوى ضغطت على إيده برفق: — بطل هبل.
ابتسم رغم التعب. وقال: — حضرتك علمتينا إن العسكري الحقيقي… عمره ما ينسى اللي أنقذ حياته.
في اللحظة دي… أدهم حس بالخجل لأول مرة من سنين.
الخجل الحقيقي.
بص حواليه على الدكاترة اللي كانوا بيضحكوا من ساعات. كلهم مطاطين راسهم.
فجأة جهاز المونيتور صرخ بعنف.
النبض وقع مرة واحدة.
يوسف دخل في توقف قلب.
الكل اتحرك بفزع. أدهم صرخ: — CPR حالًا!
بدأ الإنعاش. ثانية ورا ثانية.
لكن جسم يوسف كان بيستسلم.
أدهم حس التوتر بياكله. العرق نزل من جبينه. والأجهزة بتعلن إن الوقت بيخلص.
ثم سمع صوت نجوى.
هادئ. قوي. ثابت.
— أدهم… ركز معايا.
دي أول مرة تناديه باسمه.
بصلها تلقائيًا.
قالت: — ماتخليش خوفك يقودك… بص للمريض وبس.
الجملة ضربته من جواه.
كأنها مش بتتكلم عن يوسف وبس… بتتكلم عنه هو.
عن غروره. عن خوفه إنه يبان أقل. عن كل القسوة اللي مستخبي وراها.
نجوى مسكت جهاز الصدمات. وقالت: — Clear.
الجسم انتفض.
ثانية.
اتنين.
ثلاثة.
وفجأة…
بيب…
خط أخضر ظهر على الشاشة.
النبض رجع.
القسم كله خد نفسه مرة واحدة.
سارة شهقت. وواحدة من الممرضات بدأت تعيط من التوتر.
أدهم بص للشاشة بعدم تصديق. ثم بص لنجوى.
هي بس حطت الجهاز مكانه بهدوء. كأنها عملت حاجة عادية جدًا.
بعد نص ساعة… الحالة استقرت.
يوسف اتنقل العناية المركزة. والدنيا بدأت تهدى.
لكن محدش اتحرك من مكانه.
كأن الكل مستني حاجة.
أدهم قرب من نجوى ببطء.
لأول مرة… صوته مكنش فيه غرور.
— أنا آسف.
نجوى كانت بتغسل الدم من على إيديها. ما بصتلوش.
قال بسرعة: — أنا ظلمتك.
سكتت شوية. ثم قالت: — لا يا دكتور… إنت خوفت.
رفع عينه ليها باستغراب.