طردني

أدهم حاول يركب الأنبوبة لكن إيده اتلخبطت بسبب النزيف الشديد.

فجأة نجوى مسكت إيده بهدوء وقالت: — سيبني.

بصلها بتردد ثانية. ثم بعد عنها.

كل الموجودين اتفاجئوا.

نجوى قربت من يوسف. إيديها اللي فيها رعشة من دقيقة… بقت ثابتة بشكل مرعب.

ركبت الأنبوبة في ثواني.

صح. دقيق. كأنها بتعمل ده كل يوم من تلاتين سنة.

الهوا خرج بصوت حاد. والمؤشرات بدأت تتحسن تدريجيًا.

المكان كله سكت.

أدهم حس لأول مرة في حياته إن غروره بيتكسر قدام حد.

يوسف فتح عينه بالعافية وبص لنجوى. وقال بابتسامة مرهقة: — لسه أسرع دكتورة ميدانية في الجيش…

واحدة من الممرضات سألت بعدم تصديق: — حضرتك كنتي دكتورة عسكرية؟

نجوى سكتت شوية. وبعدين قالت بهدوء: — كنت.

أدهم قرب منها. صوته بقى أوطى: — ليه محدش يعرف؟

ما ردتش فورًا.

كانت بتغير الشاش على جرح يوسف بعناية. وبعدين قالت: — لأن الناس هنا بتحكم قبل ما تسمع.

الجملة دخلت في صدر أدهم زي السكينة.

افتكر كل مرة سخر منها. كل مرة خلاها تشيل الشغل التقيل لوحدها. كل مرة ضحك عليها قدام الناس.

يوسف فجأة شد على إيدها بتعب. وقال: — قوليلهم الحقيقة يا فندم…

نجوى غمضت عينها لحظة. واضح إنها مش عايزة.

لكن يوسف أصر: — لازم يعرفوا.

الدور كله بقى ساكت.

حتى المطر برا كان صوته خفيف مقارنة بالتوتر اللي مالي المكان.

نجوى أخدت نفس طويل. وقالت:

— سنة ٢٠١٣… كنا في نقطة إسعاف ميداني في شمال سينا… حصل انفجار في الكتيبة…

صوتها كان هادي جدًا. هادئ بشكل يخوف.

— نص الفريق الطبي مات في أول خمس دقايق… والاتصالات اتقطعت… وكان عندنا أكتر من أربعين مصاب.

الممرضات بصوا لبعض بصدمة.

يوسف همس: — وهي فضلت تنقل الجنود لوحدها…

نجوى كملت: — مكنش فيه وقت للخوف.

أدهم سأل بدون ما يحس: — وإيه اللي حصل بعد كده؟

نجوى سكتت ثواني. ثم قالت: — ابني كان ضمن القوة.

الصمت رجع تاني.

— كان عنده ٢٣ سنة.

صوتها اهتز لأول مرة.

— ملازم أول… اسمه كريم.

يوسف غمض عينه بحزن.

واضح إنه كان يعرفه.

نجوى بلعت ريقها بصعوبة: — كنت بعالج الجنود واحد واحد… وكل شوية أسأل عليهم… ابني وصل في آخر دفعة.

المطر زاد برا. وصوت الرعد ضرب الشبابيك.

— كان عنده إصابة مباشرة في الصدر.

إيدها بدأت ترتعش تاني. لكنها كملت.

— حاولت أنقذه… أربعين دقيقة إنعاش… أربعين دقيقة وأنا مش أم… وأنا طبيبة عسكرية بس…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *