طردني

قالت وهي بتنشف إيديها: — الناس ساعات بتهاجم اللي يوجع إحساسهم بالنقص.

الكلمات دخلت جواه مباشرة.

لأنه عرف إنها صح.

هو طول عمره كان بيجري ورا المثالية. ورا الشهادات. ورا إنه يبقى الأفضل.

ولما شاف ست بسيطة أكبر منه… خاف يكون أقل.

فكسرها قبل ما تكسّره.

نجوى لبست بالطو الأبيض القديم بتاعها. واخدت شنطتها الصغيرة.

أدهم اتوتر: — حضرتك ماشية؟

— المناوبة خلصت.

— بس…

بصتله بهدوء: — المستشفى فيها دكاترة كتير يا دكتور أدهم… بس قليل فيها بشر.

الجملة نزلت على المكان كله كالصاعقة.

ومشت.

الممر الطويل كان هادي. وصوت كعب جزمتها الخفيف بيتردد فيه.

الممرضات بصوا عليها باحترام. بعضهم وقف تلقائيًا.

وسارة… أدت لها تحية عسكرية صغيرة وهي بتعيط.

نجوى ابتسمت أول ابتسامة حقيقية من أول الليل. ورفعت إيدها بالتحية.

وبعدين اختفت عند آخر الممر.

بعد الليلة دي… كل حاجة في مستشفى السلام العسكري اتغيرت.

الدكاترة اللي كانوا بيتريقوا بقوا يسألوا عنها. والممرضين بقوا يحكوا قصتها لكل موظف جديد.

أما أدهم…

فبعد أسبوع كامل… دخل أوضة الاستراحة لقى صورة قديمة متعلقة على الحيطة.

صورة لوحدة عسكرية في سينا.

وسط الجنود… كانت نجوى واقفة بالزي العسكري. وشابة جدًا. شايلة خوذة بإيد… وبالإيد التانية ماسكة شاب بيضحك.

أدهم قرب من الصورة ببطء.

الشاب كان كريم ابنها.

وعلى إطار الصورة… كان مكتوب بخط صغير:

“العميد نجوى سالم… أنقذت ٣٧ جنديًا في ليلة فقدت فيها ابنها الوحيد.”

أدهم فضل واقف قدام الصورة وقت طويل.

وبعدين لأول مرة من سنين…

وقف بانتباه كامل.

ورفع إيده بتحية عسكرية صامتة.

يتبع
بعد التحية دي… المستشفى ما رجعتش زي الأول أبدًا.

صورة العميد نجوى سالم بقت معلقة رسميًا في قاعة الأطباء بالدور الرابع. لكن الغريب إن الصورة ماكنتش أكتر حاجة الناس اتكلمت عنها.

اللي اتكلموا عنه فعلًا… إن الست اللي كانت بتتنضف بيها الأرض حرفيًا في أول أسبوع… طلعت أكتر إنسان فاهم معنى الرحمة جوه المكان كله.

أدهم بقى ييجي بدري قبل المناوبة بعشرين دقيقة. يقف قدام الصورة شوية. وبعدين يدخل القسم ساكت.

الضحكة المتعالية اختفت. الصوت العالي اختفى. حتى طريقته مع المرضى اتغيرت.

الممرضات خدوا بالهم بسرعة.

سارة مرة همست لزميلتها: — الدكتور أدهم بقى بيقول “من فضلك”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *