طردني

وكأنه شاف شبح من الماضي.

إيده المرتعشة بدأت تتحرك ببطء شديد ناحية رأسه.

كل الناس افتكرت إنه بيهلوس.

لكن فجأة…رفع إيده وووووو

لكن فجأة… رفع إيده المرتعشة بتحية عسكرية كاملة.

تحية كاملة.

وسط الدم. وسط الأجهزة اللي بتصرخ. وسط الدكاترة اللي بيجروا حواليه.

وبص لنجوى بعينين مليانين ألم وهمس بصوت متقطع:

— الممرضة دي… أنقذت كتيبتي كلها… سيادة العميد.

الصمت نزل على الطوارئ كأنه ستارة تقيلة.

الدكتور أدهم رمش بعنف وهو مش فاهم. واحدة من الممرضات وقفت بإيدها في نص الهوا. حتى جهاز المونيتور كان صوته هو الحاجة الوحيدة اللي شغالة في المكان.

نجوى نفسها اتجمدت مكانها.

قال أدهم باستغراب: — عميد؟!

الرائد يوسف حاول ياخد نفسه بالعافية. صدره كان بيطلع وينزل بصعوبة. لكن عينه ما اتحركتش من على نجوى.

— العميد نجوى سالم… س*لاح الخدمات الطبية العسكرية… معركة رفح ٢٠١٣…

الكلمات وقعت على القسم زي القنبلة.

أدهم حس إن رجله اتثبتت في الأرض. بص لنجوى من فوق لتحت كأنه بيشوفها لأول مرة فعلًا.

الست اللي كان بيهينها بقاله أسبوع… طلعت عميد جيش سابق.

مش بس كده.

بطلة حرب.

واحدة من الممرضات همست: — مستحيل…

لكن يوسف كمل وهو بيكح دم: — لولاها… كنا متنا كلنا تحت القصف…

نجوى قربت منه بسرعة. إيديها رغم الرعشة كانت ثابتة وهي بتضغط على الجرح.

— ماتتكلمش يا يوسف… حافظ على نفسك.

لكن يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. وقال: — أول مرة شفتك… كنتي شايلة عسكري مصاب على ضهرك… والنار حوالينا من كل ناحية…

أدهم حاول يستوعب.

الصورة اللي قدامه مش راكبة على الست الهادية اللي كانت بتنضف الأجهزة بنفسها وتسكت على الإهانة.

صرخ فجأة: — يا جماعة ركزوا! الضغط بينزل!

الكل رجع يتحرك بسرعة. لكن الجو في القسم اتغير تمامًا.

بقت كل عين بتبص لنجوى بشكل مختلف.

هي اتحركت بثبات ناحية جهاز التنفس وقالت بصوت هادي لكن حاسم: — يوسف عنده استرواح صدر… جهزوا Chest Tube حالًا.

أدهم بص لها بسرعة. القرار كان صح.

صح قبل حتى ما الأشعة توصل.

الممرضة الصغيرة سارة قالت بتوتر: — حاضر يا فندم…

“يا فندم.”

أول مرة حد يناديها كده من أول ما دخلت المستشفى.

نجوى ما علقتش. بس عينيها لمعت للحظة صغيرة واختفت بسرعة.

بدأوا يشتغلوا. وكل دقيقة كانت حالة يوسف بتسوء.

الضغط بينزل. النبض بيختفي ويرجع. والدم مغرق الأرض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *