حماتي

– “ندى.. أنا صفية يا بنتي.. سامحيني.”

الصوت كان لحماتي! الست القوية اللي كانت بتهز البيت بكلمتها، كانت بتتكلم بنبرة كلها انكسار ورجاء. سكت ثواني، وقبل ما أقفل السكة، كملت كلامها وهي بتعيط:

– “أنا بموت يا ندى.. الدكتور قال الجلطة التانية مأثرة على القلب، ومباقيش في عمري كتير.. أنا مش عايزة أقابل ربنا وأنا شايلة ذنبك وقهرتك.. تعالي يا بنتي وخذي اللي أنتِ عايزاه بس تبري ذمتي.”

قفلت الخط وأنا جوايا صراع كبير. عمي عبد الحميد لما عرف بالموضوع قال لي بجمود:

– “الناس دي ماليناش صالح بيهم يا بنتي، هما شافوا عدل ربنا في الدنيا قبل الآخرة.”

لكن أصلي وتربيتي غلبوني. قولت لعمي إن أموت وهي طالبة السماح دي حاجة مفيهاش عناد، وإني هروح البندر لمرة أخيره، مش عشانهم، عشان نفسي وعشان ربنا.

### العودة لبيت الخراب

أخدت عمي معايا، وسافرنا البندر. دخلت العمارة اللي عشت فيها خمس سنين، وطلعت الشقة. أول ما أحمد فتح الباب، اتصدم لما شافني. كان خاسس النص، دقنه طويلة، والبيت ريحته كتمة وتراب، مفيش فيه روح ولا نظافة. بص لي وعيونه املت دموع:

– “ندى! مش مصدق إنك جيتي!”

دخلت الأوضة اللي فيها حماتي، لقيتها نايمة على السرير، وشها شاحب جداً وموصل لها أكسجين. منة أخت أحمد كانت قاعدة جمبها، وشها دبلان، وأول ما شافتني وطت راسها في الأرض من الكسوف. حماتي فتحت عينها بصعوبة، وشالت ماسك الأكسجين بإيد بتترعش وقالت:

– “جيتي يا بنت الأصول.. أنا كنت عارفة إن أصلك الطيب مش هيخليكي ترفضي.”

قربت من السرير ووقفت بعيد شوية وقولت لها:

– “أنا جيت يا حاجة صفية عشان ربنا، وعشان أنا عمري ما كنت شمتانة ولا شلت غل لحد.. قولي اللي عندك.”

دموعها نزلت على المخده وقالت بصوت متقطع:

– “أنا عايرتك بأبوكي وبالبلد عشان كنت بشوف فيكي نفسي زمان.. كنت بشوف البنت اللي كانت بتصحى الفجر تغسل غزل الصيد، البنت اللي كانت بتستعر من ريحة هدوم أبوها.. لما طلعت البندر واتجوزت، دفنت الماضي ده كله وعيشت نفسي في كذبة إني هانم وبنت ناس.. وأول ما شوفتك شاطرة وبنت بلد وبتعملي الأكل الأصيل، خفت الماضي يرجع يطاردني، وطلعت عقدي كلها عليكي.. سامحيني يا ندى.. الله يبارك لك سامحيني عشان أموت مستريحة.”

### المفاجأة الشيطانية

أحمد كان واقف ورايا بيبكي، ووطى على إيدي عايز يبوسها وهو بيقول:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *