كذبت
شاكر وهو يقلب الأوراق القانونية بنظرة ثاقبة: “والدتك يا سيف كانت شايفة لبكرة بوضوح مرعب. العمارة دي مش مجرد مبنى، دي أرضها مسجلة بعقد أخضر باسمها، والوصية بتنص إن الإدارة والملكية بتنتقل ليك بالكامل بمجرد إتمام الـ 18 سنة، بشرط إنك تكون واعي قانونًا. والتسجيل اللي إنت عملته ده؟ ده كارت محروق هنستخدمه في وقته الصح عشان نثبت سوء نية والدك في محاولة الاستيلاء على ميراث قاصر.” سيف بصوت واثق: “أنا مش عايز فلوس دلوقتي يا متر.. أنا عايز ‘الوضع القانوني’. عايز إخطار رسمي يوصل الفيلا إن المالك الجديد للعمارة استلم مهامه، وإن عقد الإيجار اللي والده عامله لشركته في الدور الأول والثاني لاغي، إلا بموافقتي.” في فيلا الشرقاوي، كان فؤاد يجلس مع نادية يخططان لمستقبل كريم، حين طرق الباب “محضر” من المحكمة. فتح فؤاد الظرف وهو يظنها أوراق تخص شحنة بضائع، لكن وجهه تحول للون الشاحب وهو يقرأ الكلمات: **”إخطار رسمي بنقل ملكية وإلغاء تفويضات..”** نادية بقلق: “في إيه يا فؤاد؟” فؤاد بصوت يرتجف من الغضب: “سيف.. سيف راح للمحامي واستلم العمارة. وباعتلي إنذار بإخلاء مكاتب الشركة في خلال 15 يوم أو دفع إيجار بسعر السوق الحالي!” صرخت نادية: “إزاي؟ ده سيف الفاشل اللي سقط! ده المفروض دلوقتي شحات في الشوارع!” في تلك اللحظة، رن جرس هاتف فؤاد. كان المتصل هو “الوزير” (زميل قديم له)، يبارك له بصوت عالٍ: “ألف مبروك يا فؤاد بيه! رفعت راسنا بجد.. ابنك سيف من أوائل الجمهورية! صورته واسمه مالية الجرايد والمواقع اليومين دول، 98.7% ده إنجاز!” سقط الهاتف من يد فؤاد. كان يشعر وكأن الأرض تدور به. سيف لم يسقط.. سيف كذب عليه لسبب واحد: ليدفع والده لطرده، فيتحرر من أي “فضل” أو “جميل” ويتحرك في الظل لاسترداد حقه. بينما كان فؤاد يحاول استيعاب الصدمة، كان سيف يقف أمام بوابة “عمارة النيل”. المبنى الشاهق الذي تفوح منه رائحة عراقة القاهرة. حارس العمارة “عم عبده” جرى عليه بلهفة: “سيف بيه! حمد لله على السلامة.. المحامي بلغنا بكل حاجة. إحنا تحت أمرك يا ابني.” سيف بابتسامة هادئة: “عم عبده، من بكره، مكاتب شركة الشرقاوي ممنوع حد يدخلها غير لما يوقعوا على العقود الجديدة اللي الأستاذ شاكر باعتها. وأي حد من طرف نادية هانم يقرب من المبنى، تبلغني فورًا.” دخل سيف الشقة “الرويال” في الدور الأخير، وهي الشقة التي كانت والدته تحتفظ بها لنفسها ولم تفتح منذ وفاتها. فتح الشيش، فدخل ضوء الشمس يغمر المكان، وكشف عن صورة كبيرة لوالدته “رحاب” تتوسط الصالة. مسح سيف الغبار عن الصورة وقال بهدوء: “بدأنا يا أمي.. والمرة دي مفيش رجوع.” لكن الهدوء لم يدم طويلاً، فجأة سمع صوت فرملة سيارة عنيفة أمام العمارة. نزل منها والده فؤاد، والشرر يتطاير من عينيه، يتبعه اثنان من الحرس الشخصي. صعد فؤاد إلى الدور الأخير وكسر هدوء المكان وهو يصرخ: “سيف! إنت فاكر إنك بالورقتين دول بقيت راجل؟ إنت لسه عيل، والعمارة دي أنا اللي ممشيها بقالي سنين.. افتح الباب ده فورًا!” فتح سيف الباب ببرود غير متوقع. كان يرتدي قميصًا أبيض مرتبًا، ونظراته حادة كالسيف. سيف: “يا فؤاد بيه، إنت هنا ‘مستأجر’ سابق انتهت مدته.. وقريبًا هتكون ‘خصم’ في قضية تبديد أموال القصر. تحب نتكلم هنا قدام السكان، ولا نتفاهم في المحكمة؟” رفع فؤاد يده ليصفعه، لكن سيف أمسك بيده بقوة لم يعهدها فيه من قبل، وقال بصوت منخفض ومرعب: “الإيد اللي اتمدت عشان تطردني من بيتي وأنا ‘ساقط’.. مش من حقها تلمسني وأنا ‘صاحب الملك’. اتفضل اخرج بره، واللقاء الجاي هيكون مع المحامي.” خرج فؤاد وهو يتوعد بالانتقام، لكنه لم يكن يعلم أن سيف قد بدأ بالفعل في تسريب “تسجيلات الصالون” لبعض شركاء فؤاد في السوق، ليهز صورته كرجل أعمال شريف.