كذبت

## الفصل الخامس: صرخة القبور

وصل سيف إلى البدرشين قبل الفجر، حيث كانت هيبة المو.ت تلف المكان، والضباب يزحف فوق شواهد القبور كأنه أرواح تبحث عن مستقر. أوقف سيارته بعيداً، وترجل وهو يحمل كشافه اليدوي، يسير بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الطفيف في يديه.

عند قبر جده، وجد “كريم”. لم يكن كريم ذلك الفتى المدلل الذي رآه في الحفلة، بل كان يبدو شاحبًا، منكسرًا، يرتدي ثيابًا سوداء، وفي يده القلادة التي تحدثت عنها نادية.

كريم بصوت مخنوق: “كنت عارف إنك هتيجي.. أمي ضيعتنا يا سيف. عيشتني في وهم إني ابن عيلة الشرقاوي، وطلعت في الآخر ابن شخص مقتول حتى ملوش قبر معروف.”

سيف بهدوء: “إحنا ضحايا يا كريم، بس الفرق إنك كنت بتضحك وإنت ضحية، وأنا كنت بتوجع. هات القلادة، خلينا ننهي الكابوس ده.”

اقترب كريم وسلمه القلادة. كانت عبارة عن قطعة من الفضة القديمة، وفي ظهرها ثقب دقيق يتطابق تماماً مع بروز صغير في المفتاح الذي وجده سيف في القبو.

وضع سيف القلادة فوق شاهد القبر الرخامي، وبدأ في إزالة الأتربة عن جزء مخفي في جانب الشاهد. كان هناك تجويف غائر، وضع فيه القلادة وضغط بقوة.

سمعا صوت تروس معدنية تتحرك تحت الأرض.. صوت قديم لم يسمعه أحد منذ عقود. انزاحت صخرة جانبية لتكشف عن “سرداب” ضيق ينزل إلى الأسفل.

نزل سيف وتبعه كريم بحذر. في نهاية السرداب، وصلا إلى غرفة صغيرة مربعة، جدرانها مغطاة بصور فوتوغرافية قديمة، ووثائق حكومية مختومة بختم الملكية المصرية القديمة.

في منتصف الغرفة، كان هناك “مكتب خشبي” فخم، وفوقه رسالة أخيرة من “رحاب”، لكنها كانت موجهة للاثنين معاً.

سيف قرأ بصوت مسموع: **”سيف.. كريم.. إذا وصلتكم هذه الغرفة، فأنتم الآن أمام الحقيقة العارية. والدكم ‘ياسين الماردي’ لم يق.تله فؤاد وحده. فؤاد كان مجرد منفذ.. المحرض الحقيقي كان الشخص الذي يثق فيه الجميع. الشخص الذي أدار أموال العائلة من خلف الستار طوال ثلاثين عاماً.”**

كريم برعب: “بتقصد مين؟”

سيف أكمل القراءة والدم يغلي في عروقه: **”المحامي شاكر.”**

توقف سيف عن القراءة، وشعر ببرودة المعدن خلف رأسه.

“كمل يا سيف.. كمل القراءة، الجزء اللي جاي مشوق أكتر.”

التفت سيف ببطء ليجد “الأستاذ شاكر” يقف عند مدخل السرداب، وبيده مسدس كاتم للصوت، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لا تشبه أبداً وجه المحامي الطيب الذي عرفه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *