المستشفى

كنت واقف في طوارئ المستشفي العسكري الساعة ٢ الفجر، لما شفت الدكاتره بيضحكوا على ممرضة كبيرة في السن ويقولوا إنها “كركوبه مش هتكمل ”… لكن بعد أقل من ساعة، ضابط جيش غرقان دم رفع إيده المرتعشة وأداها تحية عسكرية كاملة قدام القسم كله، وقال جملة خلت المكان يسكت كأن الزمن وقف..

الحكاية حصلت في الدور الرابع من مستشفى “السلام العسكري” في القاهرة… المكان اللي المكانة والشهادات فيه كانوا أهم من الرحمة نفسها.

الدكتور أدهم السيوفي، أخصائي الطوارئ المشهور بغروره وسيرته المثالية، قرر إن الممرضة الجديدة هتبقى مادة السخرية الليلة دي.

قال بصوت عالي وسط الدكاترة والممرضين: مية جنيه إنها ماتكملش أسبوع هنا.

الضحك انتشر في الممر الطويل.

الممرضة الجديدة كان اسمها “نجوى سالم”.

ست عندها ٥١ سنة، شعرها مربوط في كعكة بسيطة، وإيديها فيها رعشة خفيفة، واليونيفورم واسع عليها شوية… لكن عينيها كان فيهم هدوء غريب، هدوء ناس عدّى عليهم وجع أكبر بكتير من الإهانة.

ورا ضهرها كانوا يسموها “الست بتاعة النظافة”، وأدهم كان حريص كل يوم يفكرها إنها أقل من باقي الطاقم.

— راجعي التحاليل تاني يا مدام نجوى… دي طوارئ مش وحدة صحية في قرية.

لكنها ماكنتش ترد.كانت تشتغل في صمت.

أصعب المناوبات.وأتقل الحالات.

وكل شوية تهمس لنفسها: بس اخلص اليوم على خير… من غير ما حد يعرف…لحد الليلة اللي قلبت المستشفى كلها.

المطر كان بيخبط في شبابيك المستشفى بعنف، والساعة قربت على اتنين بعد نص الليل، لما صفارات الإنذار ضربت فجأة.

— كود أحمر! إصابة حرجة جاية خلال دقيقتين!

الدور كله اتحرك بسرعة.

وأول ما باب الطوارئ اتفتح بعنف…

دخلوا ترولي عليه شاب جسمه كله تراب ودم، والبدلة العسكرية مقطعة.

المسعف صرخ: الرائد يوسف المنياوي! إصابة انفجار!

الدكتور أدهم اتحرك فورًا وسيطر على المكان بعصبية المعتاد.

بص للجرح العميق في رقبة الضابط وقال بسرعة: جهزوا أنبوبة التنفس… لازم نوقف النزيف حالًا.

الأجهزة كانت بتصرخ…الممرضات بيتحركوا بسرعة.

والدم كان مغرق السرير..نجوى قربت بهدوء علشان تساعد.

لكن أدهم زعق فيها قدام الكل: ابعدي! دي مش حالة تناسب خبرتك…اتجمدت لحظة.لكن قبل ما تبعد…

الرائد يوسف فتح عينه بالعافية.

كان بينهج بصعوبة، والدم نازل من جنب بقه، لكنه أول ما شاف نجوى…ملامحه اتغيرت تمامًا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *