المستشفى
زميلتها ردت بعدم تصديق: — لا دي أكيد نهاية العالم.
لكن الحقيقة كانت أعمق.
أدهم بقى كل ما يبص لسرير مريض… يشوف بعينيه شكل يوسف وهو بينزف. وشكل نجوى وهي ثابتة وسط الفوضى.
ولأول مرة… بدأ يحس إنه كان دكتور شاطر بس… مش إنسان كفاية.
بعد أسبوعين… وصلت حالة لطفلة صغيرة عندها سبع سنين. اسمها مريم.
حادثة عربية. نزيف داخلي. والأب واقف برا منهار.
القسم اتحرك بسرعة. أدهم دخل العمليات الصغيرة بنفسه.
لكن أول ما شاف الأب… اتجمد.
الراجل كان بيعيط بنفس الطريقة اللي أبوه كان بيعيط بيها زمان.
نفس الرعشة. نفس العجز. نفس الخوف.
أدهم افتكر فجأة ليلة قديمة جدًا.
كان عنده تسع سنين. واقف في مستشفى حكومي قديم. وأمه على سرير الطوارئ بعد جلطة مفاجئة.
فاكر صوت الدكاترة وهم بيقولوا: — الحالة ميؤوس منها.
فاكر إنه كان بيشد في بالطو دكتور وبيقوله: — لو سمحت… ماما بتموت.
والدكتور زقه بإيده وقال بعصبية: — ابعد يا ابني.
أمه ماتت بعدها بساعة.
ومن يومها… أدهم قرر يبقى أقوى دكتور في البلد.
مش علشان ينقذ الناس.
علشان مايبقاش الطفل الضعيف ده تاني.
لكن وهو واقف قدام أبو مريم… فهم لأول مرة إنه طول عمره بيعاقب العالم كله على خوف طفل صغير جواه.
خرج بسرعة من الأوضة. سارة جريت وراه بقلق: — دكتور؟
أدهم خد نفسه بالعافية. وقال: — كملي تحضير العمليات… أنا جاي.
لكن إيده كانت بتترعش.
وفجأة سمع صوت هادي وراه: — لو هتدخل خايف… البنت هتموت.
لف بسرعة.
نجوى.
كانت واقفة في آخر الممر. لابسة هدوم بسيطة ومعاها ترمس شاي صغير.
أدهم اتفاجئ: — حضرتك رجعتي؟
قالت بهدوء: — يوسف فاق من يومين… جيت أطمن عليه.
سكت ثانية. ثم بصت لإيده المرتعشة.
— إنت مش خايف من العملية… إنت خايف تفشل.
الجملة ضربته مباشرة.
قال بعصبية خفيفة: — يعني إيه؟
نجوى قربت ببطء. وقالت: — الناس اللي فقدت حد… يا بيبقوا أحن ناس في الدنيا… يا أقسى ناس فيها.
بلع ريقه بصعوبة.
هي عرفت.
عرفت من غير ما يقول حاجة.
قال بصوت منخفض: — أمي ماتت في الطوارئ.
نجوى سكتت.
أدهم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة: — كنت طفل… والدكتور حتى ما بصليش.
نجوى بصتله بعين هادية جدًا: — ومن ساعتها قررت تبقى الدكتور اللي محدش يقدر يرفضه.
حس إنه متعرّي قدامها.
كأنها شايفة كل حاجة مستخبية جواه.
قال: — بس واضح إني بقيت نسخة منه.