المستشفى

— ليه؟

بصت للشباك شوية. ثم قالت: — الوسام ما رجعليش ابني.

الصمت نزل بينهم.

ثم فجأة قالت: — تعرف أكتر حاجة وجعتني؟

أدهم رفع عينه ليها.

— إن بعد كل اللي عملته… لما كبرت شوية وبقت إيدي فيها رعشة… الناس بصتلي كأني انتهيت.

صوتها كان ثابت. لكن عينيها كانوا مليانين وجع قديم.

— الإنسان عندنا طول ما هو قوي الكل يحترمه… أول ما يضعف شوية يحسسك إنك عبء.

أدهم حس بالخجل تاني.

لأنه كان واحد من الناس دي.

نجوى ابتسمت بحزن: — عارف يا أدهم… أكتر حاجة بتخوفني مش الموت.

— أومال إيه؟

— إني أموت منسية.

الجملة علقت في قلبه بشكل مرعب.

وفي الليلة دي… لما رجع بيته… ماعرفش ينام.

فضل يفكر فيها.

في ست دفنت ابنها. وأنقذت عشرات. وخدت أوسمة. وفي الآخر الناس ضحكت على رعشة إيديها.

تاني يوم… أدهم عمل حاجة محدش توقعها.

دخل اجتماع إدارة المستشفى. وقال: — عندي طلب رسمي.

المدير بصله باستغراب: — خير؟

أدهم فرد ملف قديم على الترابيزة.

— عايز أعمل وحدة تدريب طوارئ باسم العميد نجوى سالم.

الدكاترة بصوا لبعض بدهشة.

واحد منهم قال: — بس هي حتى مش شغالة هنا رسمي.

أدهم رد بثبات: — يبقى ده عيب فينا إحنا.

المدير سكت شوية. ثم قال: — وإيه سبب التكريم المفاجئ ده؟

أدهم بص لهم كلهم وقال: — لأننا بقينا نحترم الورق أكتر من البشر… ودي أول مرة أقابل فيها حد يستحق فعلًا.

الكلام انتشر في المستشفى كلها خلال ساعات.

الممرضات كانوا فرحانين بشكل غريب. وسارة عيطت فعلًا لما سمعت.

لكن نجوى…

رفضت.

قالت لأدهم بهدوء: — مش عايزة اسمي يتحط على حيطان.

اتوتر: — بس حضرتك تستحقي.

ابتسمت: — لو فعلًا عايز تكرمني… عامل الممرضات اللي صغيرين باحترام.

سكت.

ثم كملت: — أصل المستشفى اللي تخلي الناس تخاف تغلط… عمرها ما هتعالج حد.

الكلمات فضلت ترن في ودنه أيام.

وبدأ فعلًا يتغير.

بقى يسمع. بقى يشرح بهدوء. بقى لو ممرضة غلطت يعلمها بدل ما يهينها.

لدرجة إن القسم كله بدأ يتنفس براحة لأول مرة.

لكن الحياة ما بتديش حد سلام كامل.

بعد شهر تقريبًا…

نجوى ماجتش.

اليوم الأول الكل قال أكيد تعبانة.

اليوم التاني… سارة قلقت.

أما اليوم التالت… أدهم بنفسه راح بيتها.

شقة قديمة هادية في مصر الجديدة. الدور الرابع من عمارة عتيقة.

خبط الباب كتير. مفيش رد.

قلبه بدأ يدق بسرعة.

لحد ما البواب قال بتوتر: — مدام نجوى من امبارح محدش شافها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *