المستشفى

نجوى هزت راسها بهدوء: — لا… لأنك لسه حاسس بالذنب.

سكت. ثم سألت: — البنت جوا محتاجة إيه دلوقتي؟

رد تلقائيًا: — جراحة فورية.

— يبقى ادخل أنقذها… وبعدها حاسب نفسك براحتك.

بص لها لحظة طويلة. ثم لف ودخل العمليات.

أربع ساعات كاملة.

الدنيا كانت واقفة برا. أبو مريم قاعد على الأرض بيقرأ قرآن وبيعيط. وأمها حرفيًا مش قادرة توقف رعشة جسمها.

سارة خرجت مرتين بدموع من الضغط. لكن نجوى كانت قاعدة هادية على الكرسي البلاستيك. ماسكة السبحة. وتهمس بدعوات خافتة.

وأخيرًا…

باب العمليات اتفتح.

أدهم خرج. وشه شاحب ومتغرق عرق. لكن أول ما الأب جري عليه… قال:

— بنتك هتعيش.

الراجل انهار من البكا. ومسك إيد أدهم يبوسها.

أدهم اتوتر وسحب إيده بسرعة. لكن الأب فضل يعيط ويقول: — ربنا يجبر بخاطرك يا دكتور… ربنا يرحم أمك اللي خلفتك.

الجملة وقفت الزمن للحظة.

أدهم حس قلبه اتقبض بعنف.

“يرحم أمك.”

كأنه دعاء متأخر وصل بعد سنين.

لف تلقائيًا يدور على نجوى.

لكنها كانت واقفة بعيد. مبتسمة ابتسامة صغيرة.

كأنها عارفة إن اللحظة دي كانت محتاجاها أكتر منه.

من بعدها… نجوى بقت تيجي المستشفى كل يوم تقريبًا.

مش شغل رسمي. ولا مرتب. ولا منصب.

كانت بس تمشي بين الأوض. تطمن على المرضى. وتساعد الممرضات الصغيرة.

الغريب إن الناس كلها بقت ترتاح أول ما تشوفها.

حتى الأطفال.

كان فيه ولد صغير عنده سرطان اسمه زياد. رافض العلاج تمامًا. بيكسر الأجهزة ويزعق لأي حد يقرب منه.

لكن أول ما نجوى دخلت أوضته… الولد سكت.

بصلها شوية. ثم قال: — إنتي شبه تيتة.

ضحكت بهدوء: — دي شتيمة ولا مجاملة؟

الولد ابتسم لأول مرة من أيام.

ومن ساعتها… ماكانش بياخد العلاج غير منها.

كانت تحكيله حواديت عن الجنود. وتخليه يضحك. وتخبيله شوكولاتة في جيبها.

مرة أدهم وقف يسمعها وهي بتقوله: — البطل مش اللي عمره ما يخاف… البطل اللي يخاف ويكمل.

الجملة دخلت قلبه بشكل غريب.

لأنه بدأ يكتشف إن الست دي… بتداوي الأرواح أكتر من الأجسام.

وفي ليلة هادية… كان القسم شبه فاضي.

أدهم دخل أوضة الاستراحة لقى نجوى قاعدة لوحدها. قدامها كوب شاي برد.

قال: — حضرتك عمرك ما نمتي كويس؟

ضحكت بخفة: — من ساعة الحرب تقريبًا.

قعد قدامها. وبعد تردد طويل قال: — يوسف قالي إنك خدتي وسام جمهورية.

هزت راسها: — أخدته وحطيته في الدرج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *