الشهر التامن
ليس بحب.
وليس برغبة في العودة.
بل بحزن على الرجل الذي كان يمكن أن يكون شخصًا أفضل لو اختار ذلك.
مرت سنة كاملة.
كبر آدم.
وبدأ يحبو.
ثم يمشي.
وأصبح أبي لا يفارقه دقيقة واحدة.
حتى أن أمي كانت تضحك وتقول:
ــ لو سابوه هيكتبه باسمه في البطاقة.
وفي أحد الأيام بينما كنت أرتب بعض الأوراق القديمة…
وجدت صورة زفافي.
أنا وأحمد.
نقف مبتسمين.
وننظر إلى المستقبل وكأننا نملكه.
جلست أتأمل الصورة طويلًا.
ثم أدركت شيئًا مهمًا.
لم أعد أشعر بالغضب.
ولا الكراهية.
ولا حتى الألم.
كل ما شعرت به كان السلام.
السلام الذي يأتي عندما تنجو من شيء كان يمكن أن يدمر حياتك.
وفي مساء هادئ من أمسيات الشتاء…
كان آدم يلعب على السجادة أمام المدفأة.
وأبي يقرأ الجريدة.
وأمي تحضر الشاي.
وفجأة رن جرس الباب.
فتح أبي.
ثم عاد بعد دقائق وهو يحمل ظرفًا صغيرًا.
ناولني إياه وقال:
ــ ده جالك.
فتحت الظرف.
فوجدت بداخله مفتاحًا قديمًا.
ومعه ورقة صغيرة.
عرفت الخط فورًا.
خط أحمد.
وكان مكتوبًا عليها:
“ده آخر مفتاح للبيت اللي كنت فاكر إنه بيتي.
احتفظي بيه أو ارميه.
لكن أنا أخيرًا فهمت إن البيت مش جدران.
البيت هو الشخص اللي بيحس بالأمان معاك.
وأنا ضيعت بيتي بإيدي.
أتمنى لكِ حياة سعيدة.”
طويت الرسالة ببطء.
ثم نظرت إلى آدم.
كان يضحك بصوت عالٍ وهو يحاول الإمساك بلعبته.
فنظرت إلى أبي.
ثم إلى أمي.
ثم إلى البيت الذي امتلأ بالدفء من جديد.
وأدركت أن أحمد قال شيئًا صحيحًا أخيرًا.
البيت ليس جدرانًا.
البيت هو المكان الذي لا تخاف فيه.
المكان الذي لا تحتاج فيه إلى الصمت كي تنجو.
المكان الذي تشعر فيه أنك محبوب كما أنت.
احتضنت آدم.
وقبلت رأسه الصغير.
وهمست:
ــ أوعدك يا حبيبي.
ــ عمرك ما هتعرف الخوف اللي عرفته أمك.
ــ وعمرك ما هتحس إنك لوحدك.
رفع عينيه الصغيرتين نحوي.
ثم ابتسم.
وكانت تلك الابتسامة كافية لتؤكد لي أن النهاية التي ظننت يومًا أنها دمار حياتي…
كانت في الحقيقة بداية أجمل حياة يمكن أن أحلم بها.
مرت ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات كاملة منذ اليوم الذي تُركت فيه على جانب الطريق.
أحيانًا كنت أشعر وكأنها حياة أخرى عشتها امرأة أخرى غيري.
امرأة خائفة.
منكسرة.
تعتذر عن أخطاء لم ترتكبها.
أما الآن…
فكنت أقف أمام مرآتي كل صباح وأرى شخصًا مختلفًا.
شخصًا نجا.
وشخصًا تعلم أخيرًا أن قيمته لا يحددها أحد.
