الشهر التامن

كان آدم قد بلغ الثالثة من عمره.

طفلًا مليئًا بالحياة.

كثير الأسئلة.

كثير الضحك.

وكثير الشبه بجدي.

حتى أن أبي كان يقول دائمًا:

ــ الواد ده نسخة مني.

فتضحك أمي وترد:

ــ لا يا حاج.

ــ ده أذكى منك كمان.

وكان البيت يمتلئ بالضحك.

الشيء الذي افتقدناه سنوات طويلة.

أما أحمد…

فأصبح يزور آدم بانتظام وفق الاتفاق القانوني.

في البداية كنت متوترة في كل زيارة.

لكن مع الوقت أصبحت أراقب من بعيد فقط.

وكان واضحًا أن ابنه غيّره.

آدم لم يكن يخاف منه.

ولم يعرف شيئًا عن الماضي.

كان يراه فقط على أنه “بابا”.

وكان أحمد يتشبث بتلك الكلمة وكأنها طوق نجاة.

في إحدى الزيارات كنت أراقبهما من نافذة الحديقة.

كان أحمد يدفع الأرجوحة بينما يضحك آدم بصوت عالٍ.

وفجأة تذكرت الرجل الذي تركني يومًا على الطريق.

وحاولت أن أجد ذلك الشخص في وجهه الآن.

لكنني لم أستطع.

لأن السنوات تركت آثارها عليه.

شعره بدأ يشيبه.

وعيناه أصبحتا أكثر هدوءًا.

وكأنه يعيش كل يوم وهو يحمل ذكرى ذلك الخطأ.

في تلك الليلة قال لي أبي شيئًا غريبًا.

كنا نجلس في الشرفة بعد أن نام آدم.

فقال:

ــ عمرك فكرتي تتجوزي تاني؟

ضحكت بخفة.

ــ لا.

ــ ومش بفكر.

هز رأسه ببطء.

ــ بس مش معنى إنك نجوتي من شخص غلط إنك تقفلي قلبك للأبد.

ابتسمت دون إجابة.

لأنني لم أكن أريد الزواج.

ولم أكن أبحث عن أحد.

كنت أخيرًا مرتاحة.

وهذا كان يكفيني.

لكن الحياة كانت تخبئ شيئًا آخر.

بعد عدة أشهر بدأ آدم في الذهاب إلى الحضانة.

وفي أول يوم له كنت أكثر توترًا منه.

أمسكت يده الصغيرة طوال الطريق.

وكنت أكرر عليه التعليمات عشرات المرات.

حتى ضحكت المعلمة وقالت:

ــ واضح إن ماما هي اللي محتاجة تطمن مش آدم.

ضحك الجميع.

حتى أنا.

وفي أثناء خروجي اصطدمت بشخص عند باب الحضانة.

سقطت بعض الأوراق من يده.

فانحنيت بسرعة لأساعده.

قلت:

ــ آسفة جدًا.

فرد بابتسامة هادئة:

ــ ولا يهمك.

رفعت رأسي.

فوجدت رجلًا في أواخر الثلاثينات.

ملامحه هادئة.

ونظرته دافئة بشكل غريب.

كان يحمل حقيبة صغيرة بيد، ويمسك يد طفلة صغيرة باليد الأخرى.

قالت الطفلة فجأة:

ــ بابا.

ــ اتأخرنا.

ضحك وقال:

ــ حاضر يا ست الكل.

ثم التفت نحوي.

ــ يوم سعيد.

وغادر.

لم أفكر في الأمر كثيرًا.

مجرد موقف عابر.

لكن الغريب أنني بدأت أراه كثيرًا.

مرة عند بوابة الحضانة.

مرة في السوبر ماركت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *